لم يعد يفصل المغاربة على استقبال شهر رمضان المبارك سوى حوالي ثلاثة أيام. هذه المناسبة الفضيلة التي تحظى لدى مختلف شرائح المجتمع المغربي بمكانة خاصة، يجري الاستعداد لها اليوم في ظل ظروف استثنائية، أملتها حالة الطوارئ الصحية التي تعرفها المملكة للحد من انتشار “كورونا”، الفيروس الذي ملأ الدنيا وشغل الناس.

 

سوق بلا روح

بخطى متثاقلة، يستعد “يونس” لفتح محل والده المتخصص في بيع التوابل والفواكه الجافة، بالسوق المسمى “الحفاري” درب السلطان بالدار البيضاء.

هذا السوق ذائع الصيت بين أوساط المغاربة، بدا، على غير عادته، ظهر الإثنين، خاويا على عروشه، عكس نفس الفترة من كل سنة، حيث يكون فيها قبلة البيضاويين لاقتناء “قوام” رمضان وغاصا بالنسوة الباحثات بين حوانيته عن أنسب أثمان العطرية وأجود أنواع اللوز و”الجنجلان” و”النافع” وباقي لوازم تحضير “الشباكية” و”سلو” و”البريوات” وغيرها من الأطباق التي تؤثث موائد الإفطار الرمضاني.

أفقد الحجر الصحي المفروض على قاطني العاصمة الاقتصادية هذا السوق الفسيح رواجه وجعله يبدو بدون روح تماما. يدب في أوصاله صمت كئيب، لا تكسره سوى أخبار “كورونا” المنبعثة، بين الفينة والأخرى، عبر موجات الأثير، الذي صار مؤنس التجار الوحيد في تزجية ساعات يومهم الرتيب.

“هجر الناس السوق بسبب “كورونا”، لذا لم أعد أتكبد عناء القدوم باكرا لأُشَرعَ أبواب الحانوت؟”، يقول يونس متحدثا لموقع “الأول”، بنبرة تعتليها الحسرة والأسى، قبل أن يضيف: “قبل بداية الأزمة كنا نبدأ العمل على الساعة السابعة صباحا، وفي مناسبات معينة مثل هذه الأيام التي تستبق رمضان، كان يتوافد علينا الزبناء منذ الساعة السادسة صباحا”.

 

بعض هؤلاء التجار لم يكن يبرح السوق إلا حينما يلتهم المساء ما تبقى من اليوم، فيما لا يغادره بعضهم الآخر إلا وأسدل الليل ستاره، لكن في زمن “كورونا” تساوى الجميع وأمسوا يفارقون مضاجعهم متأخرين ويهجعون إليها قبل الأوان.

يونس الذي نجح في أن يحوز تفويضا من والده لتدبير شؤون الحانوت بدلا عنه مخافة أن تصيبه عدوى الداء الفتاك، سيما وأنه طاعن في السن ويعاني من مرض مزمن، إضافة إلى أن الشاب الذي كان يساعدهما جرى تسريحه قبل أسابيع؛ أكد لنا بأن عدد النسوة اللاواتي توافدن على محله هذا اليوم لم يتعد اثنتين، اكتفتا باقتناء النزر القليل من العطرية.

“كورونا” يتجول

غير بعيد عن محل يونس، لمحنا بضع نسوة وهن متجمهرات أمام معشبة يلوكن الكلام وهن يرتدين القفازات المطاطية رغم محاذير الأخصائيين من هذه الخطوة ذات النتائج العكسية. الأفظع من ذلك هو أنه لم تَكُنّ مُقيَّداتٍ بالتوصيات الداعية إلى احترام مسافة الأمان ووضع الكمامات. هذه الأخيرة استبدلوها بجزء من الوشاح الذي يغطي رأسهن فقط. منظرهن وهن متحلقات كان يشي كما لو أن “كورونا” لا يوجد سوى في النشرات والوصلات التلفزية، مع العلم أن الدار البيضاء سطات تتصدر جهات المملكة من حيث عدد المصابين بهذا المرض.

تبضع عن بعد عبر “واتساب”

بلغ إلى مسامعنا خلال جولتنا بين ممرات السوق المذكور، مضمون دردشة جماعية بين سيدة متسوقة وبين أخريات يمكثن في منازلهن اتقاء شر الوباء، وقد سخرن “الواتساب” في قضاء مآربهن.

تبادلنا مع هذه السيدة أطراف الحديث، فأخبرتنا وهي تتحسس كمامتها بنفسجية اللون وتحمل بين يديها عبوة معقم كحولي، أنها تكلفت باقتناء حاجيات والدتها وشقيقاتها وبعض جاراتها، على أن تقوم بإيصالها إليهن وفق شروط السلامة الصحية درء لكسر حجرهن الصحي.

تسريح طارئ.. “مضطر أخوك لا بطر”

لم يكتف فيروس الفيروس التاجي بإزهاق أرواح الناس فقط، بل تداعياته طالت كذلك لقمة عيش فئات واسعة منهم، إذ اضطر عدد من التجار في “الحفاري”، على سبيل المثال لا الحصر، إلى تسريح مجموعة من المستخدمين لديهم.

يحكي “حماد” وهو صاحب دكانين اثنين، أحدهما خاص ببيع التوابل والفواكه الجافة وآخر يعرض مستلزمات الأعراس والحفلات، أنه استغنى عن خدمات تسع من مساعديه، لافتا إلى أن العملية جرت بشكل تدريجي.

“حماد” الذي كانت الكمامة تغطي ملامح وجهه وهو يسرد علينا تفاصيل مبادراته الإنسانية، من قبيل تعهده بأداء مستحقات عماله المعطلين، فضلا عن توزيعه بمعية شركاء آخرين 500 قفة من المواد الغذائية على بعض الأسر التي تعاني شظف العيش بأحد دواوير تارودانت، مسقط رأسه؛ أورد أنه رغم خفوت حركة البيع والشراء وضعف المداخيل، إلا أن هذه الأزمة أعادت إحياء شيم التكافل والتآزر بين المغاربة وجعلتهم يتعاطفون مع بعضهم البعض. “إِخْصْ أَنْكْ آفُوسْ غُوفُوسْ” يشدد بلهجته السوسية.

تراجع خيالي

كانت الساعة تشير إلى الثالثة بعد الظهر حينما قصدنا، واحدا من محلات “بنقدور”، أحد أشهر بائعي “الشباكية” في درب سلطان. فلولا يقيننا بأن المحل الذي نتواجد قبالته يعود إليه لاعتقدنا أننا أخطأنا العنوان.

قبل ظهور “كوفيد 19″، كانت روائح ما يصنع داخل هذه المحلات تتلقفك قبل أن تطأها أقدامك، كما كانت واجهاتها ستطالعك وهي تعج بالنساء الموظفات والرجال وهم يحملون علبهم وسطولهم البلاستيكية، في انتظار دورهم للحصول على طلبياتهم من “الشباكية” و”البريوات” و”المخرقة” وأحيانا “سلو” الجاهز.

المسؤول عن هذه المحلات، لم يكن في مزاج جيد ليتحدث إلينا، لذلك انتقلنا إلى محل آخر يجاوره، لخص لنا صاحبه مجمل التغييرات التي طرأت على نشاطه إثر الجائحة في تراجع وتيرة تحضير الحلويات بشكل “خيالي”. على حد وصفه.

“ففي الوقت الذي كنا نحضر فيه أزيد من 500 كيلوغرام يوميا من الحلويات سالفة الذكر، لا يتجاوز اليوم إجمالي الكمية 15 كيلوغراما فقط، ناهيك عن فقدان فئة مهمة من الزبناء وهم المغاربة المقيمين بالخارج بسبب إغلاق الحدود”، مردفا: “كان خدام معنا  فوق 30 معلم ودابا مشاو لبلادهم.. فبحال هاد المناسبة د رمضان كنا كنبقاو خدامين حتى الـ3 الصباح وكنديروا النوبة بين 2 مجموعات..دابا مع كورونا ولينا كنحلوا معطلين وكنسدوا بكري”.

فضاء أشباح

موازاة مع اقتناء حاجياتهم من المنتوجات الغذائية استعدادا لتحضير ما لذ وطاب من الأطباق خلال الشهر الفضيل، لا يغفل المغاربة خياطة أو شراء الزي التقليدي؛ “الجلابة والجابادور والكاندورة والبلغة”، إلى جانب مختلف أنواع العطور.

جولة استطلاعية قادتنا إلى حي “الأحباس”، أحد أشهر الوجهات التي يقصدها المواطنون لهذا الغرض، رصدنا صمتا مطبقا وحركة منعدمة. لقد حولت جائحة “كورونا” المزار إلى فضاء أشباح.

 

كانت الدكانين المتراصة جنبا إلى جنب موصدة عن آخرها، اختفت مساومات الزبناء مع التجار وحلت محلها لحظات صفو استثنائية، يعكرها بين الفينة والأخرى هديل أسراب الحمام ومواء قطط جائعة تجوب الأزقة والدروب في رحلة بحث عن بقايا طعام تسد به رمقها.

 

مساجد بدون مصلين

بينما تبدو صومعة المسجد المحمدي شامخة مزهوة بتاريخها التليد وسط حي “الأحباس”، تلتحف باحات هذا الجامع العريق صمتا غير عادي وهي تحن لأيام كانت حبلى بأفواج المصلين.

في زمن “كورونا”، لم يعد أحد ينفض الغبار عن مصاحف القرآن الموضوعة على رفوف المساجد، كما خلت صفحات “فيسبوك” من دعوات المشاركة في مبادرات إظهار الجوامع في حلة جديدة فرحا بمقدم شهر المغفرة.

إعلان الحكومة عن تمديد فترة الحجر الصحي لشهر إضافي، رافقته خيبة أمل لدى شريحة واسعة من المغاربة الذين سيحرمون، في سابقة من نوعها، من التردد على المصلى لأداء التراويح، وسيجبرون على عدم صلة أرحامهم وتنظيم موائد الرحمان وممارسة أنشطتهم الرياضية وحضور المواعيد الثقافية والفنية.

ولكنه زمن كورونا..

التعليقات على ربورطاج.. هكذا يستعد البيضاويون لاستقبال رمضان في زمن “كورونا”.. تحضيرات محتشمة لـ”سلو” و”الشباكية”.. أسواق بلا روح ومساجد بدون تراويح مغلقة

‫شاهد أيضًا‬

سابقة.. مستشفى ابن سينا يمتنع عن استقبال المرضى واتهامات لمديره بتوجيه المواطنين للمصحات الخاصة التي يملك واحدة منها

في خطوة غير محسوبة العواقب، أمر مدير مستشفى ابن سينا التابع للمركز الاستشفائي الجامعي ابن …