قضية معتقلي الفايسبوك وتهمة “الإرهاب”.. الحل هو العفو الملكي

مصطفى الفن

لا خلاف في أن شباب الفايسبوك من إسلاميي العدالة والتنمية أو غيرهم من الذين أشادوا بمقتل السفير الروسي بتركيا خانتهم السلطة التقديرية وارتكبوا “التي هي أسوأ” في غمرة التفاعل السلبي مع حدث لم يدركوا تداعياته وتعقيداته في سياق سياسي كان مزاج الدولة وأجنحتها العميقة وقتها غير رائق تجاه فاعل سياسي بريد اكتساح استحقاق انتخابي لولاية ثانية.

وهكذا سقط هؤلاء الشباب في المحظور دون أن يدركوا أن تلك التدوينات المتسرعة والمتشفية في مقتل السفير الروسي ستفتح عليهم أبواب جهنم عن آخرها.

حصل كل هذا ليس لأن هؤلاء الشباب إرهابيون.

أبدا.

حصل كل هذا نظرا لقلة النضج والتجربة وتواضع الوعي السياسي، وحصل هذا أيضا نظرا لضعف التأطير خلال هذه العشرية الأخيرة الذي أصبح فيها البيجيدي ربما ك”حاطب ليل” يفتح باب العضوية لكل من هب ودب.

نعم الانتماء الى البيجيدي لم يعد اليوم يتطلب أي شيء خلافا للسنوات الأولى التي أعقبت التأسيس عندما كان الحزب يفرض شروطا أخلاقية وتربوية وتنظيمية متشددة وصارمة.

وهذا تحول طبيعي في أحوال “التجمعات البشرية” التي تحكمها هي بدورها “فكرة الأطوار الثلاثة”، بتعبير مالك بن نبي: “الروح والعقل والغريزة”.

فكما تقضي السنن أن يكبر الإنسان ويشيخ، فكذلك بالأمر بالنسبة إلى المجتمعات. إنها هي بدورها تكبر وتشيخ وتنفلت من عقال “المبدأ” لتستسلم للغريزة فتتوارى القيم إلى الخلف على غير المعتاد.

ولأن المرحلة “مرحلة غريزة”، لم يعد الرهان اليوم داخل العدالة والتنمية قيميا في المقام الأول، بل أصبح انتخابيا شعاره “المقاعد تهمنا” في سياق سياسي مواجهة “خصوم سياسيين” لا تهمهم ربما القيم.

ولو كان هؤلاء الشباب بقناعات إرهابية لما انتموا إلى العدالة والتنمية لأن الإرهابي لا يؤمن أصلا ولا فرعا بفكرة الانتماء إلى حزب سياسي “يحكم بغير ما أنزل الله ويقود حكومة تتحاكم إلى الطاغوت والقوانين الوضعية وصناديق الاقتراع”.

ولا أعتقد أن حزب عبد الإله بنكيران، المشهود له بالوسطية والاعتدال، سيسمح بوجود إرهابيين في صفوفه تحت أي مبرر من المبررات بعد كل هذا العمر السياسي الطويل من الإيمان بمؤسسات الدولة والمشاركة في إدارتها وتسييرها من مستويات مختلفة.

وأكيد أن الأجهزة الأمنية لها من التجربة والخبرة ما يجعلها تميز جيدا بين الخيطين، الأبيض والأسود، في أي تحرك يشتم منه رائحة الإرهاب في سلوك أي شخص حتى لو كان في قرية نائية، فما بالك بسلوك منتمين إلى حزب سياسي يشارك في حكم البلاد والعباد.

ماذا يعني هذا؟

هذا معناه أن دوافع اعتقال شباب الفايسبوك لم تكن قانونية صرفة، بل كانت سياسية أملاها سياق سياسي ساخن يريد إسقاط زعيم سياسي شب عن الطوق وهزم “التحكم” ولم يعد أحد قادرا على التحكم فيه.

ولأن هذا الاعتقال تحكمت فيه دوافع سياسية، فإن حل هذا الملف لن يكون إلا سياسيا من خلال ذلك الامتياز النبيل والحصري لملك البلاد.

والامتياز النبيل ليس هنا إلا عفوا ملكيا ينهي مأساة شباب غير إرهابيين أخطؤوا التعبير في لحظة عابرة، وهم اليوم في كامل وعيهم بحجم ما اقترفت أيديهم في لحظة انفعال نفسي لن تتكرر أبدا.

ثم إن استمرار اعتقال شباب، ينتمون إلى الحزب الذي يقود الحكومة المغربية بتهمة خطيرة وذات حساسية مثل الإرهاب، سيشوش بالتأكيد على صورة بلادنا لدى شركائنا في الخارج الذين لن يفهموا إطلاقا كيف أن دولة المغرب تتسامح مع حزب يرأس الحكومة وفي الوقت نفسه يؤوي في صفوفه إرهابيين!.

نعم سيظل هذا التشويش حاضرا ليغذي هذه المفارقة الغريبة ما لم يتم حل ملف هؤلاء الشباب الذين أصبحت اليوم حياتهم مهددة بعد دخولهم في إضراب مفتوح عن الطعام.

وبدون شك، فالرسالة وصلت وتحقق المراد من هذه الخطوة الزجرية التي أعقبت ذلك البلاغ المشترك بين وزيري الداخلية محمد حصاد ووزير العدل والحريات مصطفى الرميد.

وأنا أختلف مع زميلي توفيق بوعشرين الذي وصف هذا البلاغ ب”البدعة السيئة”. وفعلا كان سيكون البلاغ كذلك لو كان موجها ألى النيابة العامة بالرباط.

البلاغ دق ناقوس الخطر لأن عموم المواطنين أصبحوا معنيين جميعا بهذا التحذير الضروري من ظاهرة فايسبوكية اختلط عند أصحابها الموقف السياسي بالموقف من الإرهاب بغير إصرار ولا ترصد.

وغير خاف على الجميع أن النيابة العامة بالرباط، التي تبقى هي وحدها صاحبة الاختصاص في تكييف التهم، دأبت دائما على محاكمة المشتبه فيهم في مثل هذه القضايا بقانون الإرهاب دون أن تكون في حاجة إلى بلاغ مشترك بين وزيرين أو بلاغ أحادي الجانب من وزير للعدل قد يكون له رأي آخر في القضية.

أكثر من هذا، أستطيع أن أقول إن الرميد خرج عن واجب التحفظ عندما تحدث في لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب عن خلاف داخلي بين عدة مؤسسات لها صلة باعتقال شباب الفايسبوك.

وهذا الخروج عن التحفظ من وزير أخرج خلافا داخليا إلى العلن هو شجاعة سياسية نادرة تحسب للرميد الذي كان أول من نبهنا جميعا، صحافيين ومدراء نشر وحتى دفاع المعتقلين، إلى وجود نص في قانون الصحافة كان ينبغي أن يحاكم به هؤلاء الشباب.

الرميد قال هذا وهو واع ربما بأن هذه القضية تبقى في نهاية المطاف “مسألة خلافية بين الفقهاء” وليست معلومة من الدين بالضرورة.

هذا ما فمهته من توضيح الرميد على الفايسبوك، والله أعلم.