حزب الفايسبوك: محاولة للفهم

المهدي الادريسي *

فضيحة الكراطة، الكوبل الحكومي، الشكلاط، سرير الوزير، جوج فرنك.. وأخيرا السيارات الرباعية للشوباني. كلها أحداث بصمت على تفاعل قوي من سكان القارة الزرقاء، حيث التأسيس للرقابة من نوع آخر تتجاوز ضعف إن لم نقل ضمور المؤسسات الموكل اليها أمر الرقابة و التمثيل. رقابة قائمة على التتبع اليومي والحرض على الشأن العام و المال العام زغم أنها قد تنزلق في أحايين كثيرة عن الاهداف المشروعة للرقابة .
فكيف يمكن أن نفسر بروز حزب الفايسبوك وإخوانه وإضطلاعه بهذا الدور المحوري في رقابة الشأن العام ؟
نهدف في هذه المقالة الاقتراب من حزب الفايسبوك ومحاولة تفسير سبب قوته ومحورية أدواره ومن خلاله محاولة فهم هذا الدور المتعاظم الذي اضحت تضطلع به المواقع الاجتماعية في مراقبة الشأن العام و تعزيز الشفافية حيث أضحت تنافس دور الأحزاب الموكل إليها أساسا القيام بهذه الأدوار .

نعتقد أن هذا الدور الذي اضحت تتطلع به المواقع الاجتماعية في مراقبة الشأن العام يمكن تفسيره من خلال عدة مداخل :
تطور مفهوم الديمقراطية : عجز الديمقراطية التمثيلية و ظهور الديمقراطية التداولية .
التطور التكنولوجي الهائل و تطور امكانية التواصل .
مدخل التحليل النفسي .

عجز الديمقرطية الثمثيلية :

الديمقراطية حتى فالبلدان العريقة اضحت تعرف عجزا كبيرا حيث تحولت الى نزعة اجرائية ، أداتيه تقف عند الإجراء ات وكأن العملية الديمقراطية هى انتخابات واستفتاء ات على مدى زمنى معين وما بينهما لحظة انتظار و سكون و لا فعل .ان هذه النزعة الاجرائية عمقت ازمة الديمقراطية التمثيلية سيما مع تطور مباديء مثل : العقلانية البرلمانية ، هيمنة الجهاز التنفيذي علي عملية التشريع ….
الشيء الذي ادى الى ظهور مفاهيم من قبيل الديمقراطية التشاركية ، الديمقراطية التداولية التي تحيل على الجهود الرامية الى توسيع فضا ء ات النظر في القضايا الاساسية من قبل المواطنين العاديين ، و مثل هذه الاهتمامات ترتبط ارتباطا وثيقا بعملية تحليل المعلومات المتعلقة بالرأي العام الذي يفهم انه محصلة للآراء الخاصة كما ترتبط بمزيد من التفاهم الجمعي الناجم عن الخطاب في المجال العام . و هنا قد يكون من المفيد ان نذكر بأنه و في إطار الديمفراطية التداولية يمكن ان تستغل هذه الوسائل الاتصالية في : تشجيع الحوار العمومي و تشكيل رؤية مشتركة للمستقبل ، الدفاع عن حقوق الانسان ، البحث عن الشفافية ، العرائض و الحملات عبر الانترنت و التعبئة………….
ان هذا المدخل التداولي للديمقراطية يقتضي تواصلا متواصلا و دائما مابين صانعي القرار ـ ممثلو الحكومة و البرلمان و السلطات المحلية ـ و بين المواطنين و سكان الدوائر الانتخابية لأن الديمقراطية التداولية تعني الاسهام الحقيقي لجموع المواطنين في صناعة القرار و تعني كذلك انه على الحاكم او ممثل البرلمان ان يضيف الى مهمة صنع القرار مهمة استلهام الرأي العام او ان لايظن ان معه عقد تنازل ممن يمثلهم عن حقهم في ادارة شؤونهم و انما يتحول الى وكيل عمن انتخبه و ليس بديلا عنه .
مدخل التطور التكنولوجي:
لا احد يستطيع ان يجادل اليوم في دور الوسائل الاتصالية الجديد في تغيير المجتمعي و ما درس الحراك الديمقراطي ببعيد عنا ، إذ أسهمت البيئة الاتصالية الجديدة، الانترنت والفضائيات ووسائل الاتصال، بتغيير الثقافة الشعبية، وخلق تحولات عميقة وجذرية في طبيعة المشهد السياسي في المنطقة وهنا نذكر بان هذا الدور لهذه الوسائل الحديثة كان من ضمن اعمال بعض الباحثين الغربيين حيث نجد ”مارك لينش ” يراهن على الفاعليات التواصلية الديموقراطية التي يدفع بها الاعلام الجديد في احداث التغيير ، كما نجد نفس الرهان لدى ارماندو سالفاتوري الذي اقترح مفهوم “الترابطية” في توصيف حالة العلاقات التواصلية التي دفع بها الاعلام الجديد والمنتديات التواصلية في المنطقة قبل انطلاق الحراك الشعبي، والتي تحولت الى حالة من الحركية السياسية. تشكل الترابطية بالنسبة لسالفاتوري حالة من التواصل اليومي التي تكثفت وتمركزت في زمنية محددة، فأنتجت ما يسميه سالفاتوري الثورة السياسية في الفضاء العمومي. وانطلاقا من هذا الفعل التواصلي العمومي، يمكن القول: بأن الأمر لا يتعلق بفجائية او تلقائية الحدث، وإنما بتركيز للترابطية في زمنية فاعلة تعكس بروزاً عمومياً.
مدخل التحليل النفسي : عجز الفضاء ات السياسية ( المؤسسات ، الاحزاب ، النقابات ..)

يمكن كذلك ان نفسر هذا الدور المتنامي للمواقع الاجتماعية في تكوين ” الوعي السياسي ” لا سيما لفئات مثل الشباب , بالعطب التي تعاني منه المؤسسات السياسية و الاحزاب و النقابات و التنظيمات .. حيث اضحت هذه المؤسسات غير قادرة على الاستقطاب و تقديم عرض قادر على اقناع منخرطين و متعاطفين .
ان انغلاق المؤسسات الموكل اليها امر التنشئة السياسية و اشباع ” الرغبات السياسية ” لشباب خاصة سيؤدي لا محالة الى وجود مساحات اجتماعية ” فارغة ” غير مؤطرة سياسيا او اجتماعيا الشيء الذي قد يسهل معه استقطابها من طرف جماعات موازية ( مخالفة للقوانين ) او ستجد في تعبييرات اخرى اداة للتعبيير مثل الاشكال الموسيقية الجديدة ، او ستجد ( و هذا موضوعنا ) في فضاءات موازية حتى و لو كانت افتراضية ضالتها بوصفها فضاء ات مشبعة بالحرية و خارج الرقابة تمكن من ”تفريغ ” طاقاتها السياسية و ارائها و ميولاتها مستفيدة من مستوى التفاعلية و الترابطية المتاحة في هذه الوسائط . فكيف يعقل ان يشاهد الملايين في العالم و في نفس اليوم فضيحة ” فيضان الملعب ” و لا تستطيع الاحزاب ، و الحكومة أن تتخد اجراء في حينه ؟ هذا الاحباط يجد نفسه تلقائيا في تعبيرات المواطنين و لا سيما الشباب في المواقع الاجتماعية … انه محاولة لإحداث التوازن النفسي / السياسي بين ضرورة التفريغ السياسي للطاقات و عجز المنظومة المؤسساتية على القيام بهذه المهمة . ان هذا الفضاء اضحى يشكل ميكانيزم دفاعي للتخفيف من حالة التوتر النفسي الناتجة عن هذه المفارقة .
بعض الاشكالات
اذا كانت هذه الوسائط الحديثة تسمح للأفراد بتعزيز المراقبة الشعبية على الشأن العام و زيادة ” منسوب الشفافية ” فما الضامن لعدم انزلاق هذه الوسائل الي الدخول و التسرب الى حياة الناس الخاصة و تعزيز الطابع ” الفضائحي ” لها ؟
كما اذا كانت هذه المواقع ( او هكذا يفترض ) تسمح للأفراد بالدفاع عن الحريات و حقوق الانسان فانها من الممكن ان تستخدم في تعبئة الجماهير للعنف و تدمير هذه الحرية (الخلايا الارهابية ، ظاهرة الألتراس ..)، فما هي آليات المراقبة و الحماية التي تجعل القائمين و المسيطرين على هذه التكنولوجيات يستخدمونها بديمقراطية ؟
اضف الى هذا انه من الممكن ان تستخدم هذه الوسائط في التعبئة والتجييش من اجل قضايا غير عادلة ، فيكفي ان تكون لك قدرة على التشبييك لبروز هذه القضية و شحذ النفس التضامني !!!
وأخيرا و هنا ننتقل إلى الحقل الدستوري ما هي مشروعية العرائض الشعبية الموقعة على الانترنت و غير المرتبطة بالأطر الدستورية التقليدية ؟ و كيف يمكن خلق تناغم بين المؤسسات و الاحزاب السياسية وطرائق المشاركة التقليدية مع هذه التحولات في هذا العصر الرقمي ؟

* باحث في العلوم السياسية و القانون الدستوري