تفاصيل غير مسبوقة عن جمهورية عبد الكريم الخطابي

تحل اليوم الذكرى 53 لوفاة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، يوم 6 فبراير 1963 بالقاهرة. وبهذه المناسبة ارتأينا في “الأول” أن نتطرق إلى جانب قلما أوفته الصحافة حقه، وهو الجانب المتعلق بـ”جمهورية الريف” التي أسسها الخطابي من 1921 إلى 1926.

في هذا الملف تفاصيل غير مسبوقة عن الجمهورية ودستورها وحكومتها وبرلمانها وقضائها ودبلوماسيتها وعملتها..

سليمان الريسوني

“نحن حكومة جمهورية الريف، المؤسسة في يوليوز 1921 نعلن ونُشعر الدول المشتركة في معاهدة الجزيرة الخضراء عام 1906، بأن المطامح العليا التي أدت إلى تلك المعاهدة لا يمكن أن تتحقق قط، الأمر الذي أثبته تاريخ الأيام الماضية، وذلك بسبب الخطيئة البدئية القائلة أن بلادنا، الريف، تشكل جزءً من المغرب، إن بلادنا تشكل جغرافيا جزءً من افريقيا… كذلك تختلف لغتنا بصورة بينة عن اللغات الأخرى، المغربية أو الإفريقية أو سواها. فنحن الريفيين لسنا مغاربة البتة…”! هذا هو البيان الأول الذي سيعلن به عبد الكريم الخطابي تأسيس جمهوريته، التي ما زال”ريافة ” يذكرونها باسم ” الريفوبليك” (مزج بين  الريف و République)

راية الجمهورية

عندما تستيقظ الريف..

بعدما أنهى محمد بن عبد الكريم الخطابي، الشهير بعبد الكريم الخطابي، دراسته بالقرويين، عُيّن معلما، ومترجما، ثم قاضيا بمليلية، و في سنة 1915 سينصّبه الإسبان قاضيا للقضاة بهذه المدينة، قبل أن تقوم السلطات الإسبانية بسجنه، إرضاء لفرنسا. يروي عبد الكريم الخطابي في مذكراته: ” سنة 1915 وهو الوقت الذي كنت لا أزال فيه قاضيا للقضاة حدث لي حادث خطير، وهو صدور أمر السلطة الاسبانية بحبسي نزولا منهم عند رغبة المارشال ليوطي بسبب العلاقات التي كانت بيني وبين رجل يدعى فرانسيسكو فارل، وهو من أصل ألماني… أما علاقتي مع فرانسيسكو الألماني الأصل فتتلخص في أن هذا الرجل راح يعرض علي، فيما إذا قمت بحركة ثورية ضد فرنسا في مراكش(أي المغرب)، كل المال اللازم والذخائر التي أحتاجها… وهو ما حملني على أن أطلب من فرانسسكو أن يساعدني على إنشاء فرقة مؤلفة من أربعة آلاف مقاتل تحمي الريف من كل اعتداء بينما أكون أنا أناوش الجنود الفرنسيين في مراكش. وقد عرف الإسبان بهذه المخابرة فأحالوني إلى مجلس عسكري، وقد صدر الأمر بحبسي لأني اعترفت أمام قُضاتي برغبتي الثابتة في احتلال المنطقة الاسبانية”.

بعد أشهر من اعتقاله، بدأ بن عبد الكريم يفكر في الهروب من سجنه؛ وبمساعدة عمه عبد السلام الخطابي، الذي تسلل إلى مليلية ومدَّهُ بحبل لتسلق الجدران، استطاع مؤسس جمهورية الريف تخطي جدران سجنه. هذه العملية ستنتهي به في المستشفى، ثم في المحكمة من جديد؛ فعندما كان يتدلى من سور المعتقل سقط وتكسرت قدمه.

أثناء إعادة محاكمته، سينصحه أحد أصدقائه الإسبان، واسمه الجنرال ريكارمي، بأن يصرّح أمام هيأة المحكمة بأنه لم يكن ينوي الهروب، وإنما حاول الانتحار، جراء الظلم الذي أصابه من محاكمة واعتقال غير عادلين. هكذا قضت المحكمة العسكرية بمليلية بتبرئة ساحته من التهم المنسوبة إليه. السلطات الاسبانية، رغم إطلاقها سراح محمد بن عبد الكريم، لن تسمح له بمغادرة مليلية، إلا بعد أن تأكدت من مرض والده، و بعد أن رهن مبالغ مالية مهمة في أحد البنوك الاسبانية. بعد حوالي سنة من عودة عبد الكريم إلى الريف، سيموت والده، تاركا مسؤولية الدفاع عن الريف وأهله لابنه. يحكي عبد الكريم في مذكراته: ” دام مرض والدي اثنين وعشرين يوما ثم توفي في أجدير، وقد ظن الإسبان في أول الأمر أن موت والدي سيثير انقلابا أو ثورة في الريف ولكن شيئا من هذا لم يقع… وكان المرحوم قبل وفاته قد دعانا إليه وقال لنا: إذا لم تستطيعوا الدفاع عن الريف وحقوقه فغادروه إلى مكان غيره”. رغم وصية الوالد سيعطي عبد الكريم الأولوية لمهادنة الإسبان، و تقديم الحوار على الحرب. ” اتفقت وشقيقي على أن نعمل المستحيل لاجتناب الحرب، حتى أننا قررنا بعد وفاة والدي بيومين أن نكتب إلى القيادة الاسبانية نسألها الإقلاع عن سياستها الخرقاء، والاتفاق معنا على حكم الريف حكما يساعده على التقدم ويغمره طمأنينة وسلاما.” إلا أن اسبانيا ستسخر من دعوة قاضيها السابق في مليلية للسِّلم، وستواصل الزحف نحو قبائل الريف. لكنها ستذوق مرارة الهزيمة تلو الهزيمة. فمابين غشت 1920 تاريخ وفاة والد عبد الكريم، ويونيو1921 تاريخ معركة أنوال، ستخسر إسبانيا آلاف الجنود، ومئات المواقع، وما لا يُحصى من العتاد والأسلحة. بالمقابل ستتيح لعبد الكريم الخطابي أن يعلن قيام دولة الريف.

khat1

الجمهورية الاتحادية لقبائل الريف

سنتين بعد إعلان قيام الجمهورية، وبالضبط في فاتح فبراير من سنة 1923، سيدعو عبد الكريم جميع قبائل الريف و عددا من قبائل جبالة لمؤتمر بأجدير لتكوين برلمان و حكومة الدولة التي سيطلق عليها اسم ” الجمهورية الاتحادية لقبائل الريف “، وقد اتفق برلمان الجمهورية المعروف ب”الجمعية الوطنية”، في هذا المؤتمر التأسيسي، على ثلاثة نقط ستكون عماد دستور الجمهورية، وهي: تنصيب الأمير عبد الكريم رئيسا للجمهورية مدى الحياة. تسميته بالأمير بدلا من الفقيه؛ وهو اللقب الذي كان الريفيون ينادون به عبد الكريم. إعطاؤه كامل الصلاحية لتشكيل الحكومة تحت رئاسته، بحيث يمكنه تعيين أو عزل أعضائها دون اللجوء إلى “الجمعية الوطنية”. ” وقد تطلب تنظيم كيان الدولة عامين، ورفض عبد الكريم أن يكون له لقب سلطان، بل رضي بلقب أمير الريف، ولم يكن إلا أمير الجهاد دون مدلول آخر، والقائد الأعلى لقوات المجاهدين، ورئيس الدولة الناشئة وحكومتها معاً، فلم تكن هناك مملكة ولا أسرة ملكية ولا بلاط ولا حاشية… وقد منع الأمير محمد بن عبد الكريم أن يذكر اسمه في خطبة الجمعة…” كما أورد محمد الحسن الوزاني، في كتابه ” حياة وجهاد”. إلا أن عددا من القبائل الريفية رأت في الخطابي رئيس دولة، وأميرا للمؤمنين، تستوجب نصرته، الدعاء له في المساجد. هكذا ” أصبح اسم محمد بن عبد الكريم الخطابي يذكر في خطب الجمعة على منابر جوامعها بدل اسم السلطان الشرعي”، يؤكد ل”الأول” المؤرخ عبد الكريم الفيلالي. وقد استمرت ” الجمهورية الاتحادية لقبائل الريف ” من يوليوز 1921 حتى 26 ماي 1926، حيث سيسلم عبد الكريم الخطابي نفسه للفرنسيين، حقنا لدماء “شعبه”، خصوصا بعدما دخلت فرنسا على خط الحرب وبعدما اشتد قصف الإسبان للريف بالأسلحة الكيماوية. هكذا نفت فرنسا الخطابي وأسرته إلى جزيرة لاريونيون الفرنسية التي استمر فيها إلى حدود سنة 1947؛ ليستقر بعد ذلك بشكل نهائي في مصر.

عبد الكريم في مكتبه

  أعضاء الحكومة:

–  الرئيس: محمد بن عبد الكريم الخطابي.

–  خليفة الرئيس: امْحمد الخطابي(أخ بن عبد الكريم).

–  وزير المالية: عبد السلام الخطابي ) عم بن عبد الكريم).

–  وزير الخارجية: محمد أزرقان.

– وزير الحربية: عبد السلام الحاج موحند (تم تغييره بأحمد بودرّة، بعد فشله في معركة تيزي عزّا).

–  وزير الداخلية: اليزيد بن الحاج حمو.

طابع مجلس الوزراء

 

دستور الجمهورية

بعد تشكل الحكومة، و سيطرة ” الجمهورية الاتحادية لقبائل الريف” على أغلب أجزاء الريف، سيفكر بن عبد الكريم الخطابي في وضع دستور للبلاد. كان دستور جمهورية الريف يستند على مبدأ السيادة للأمة الريفية، وقد أخذ بن عبد الكريم ظروف الحرب التي كانت تشهدها المنطقة بعين الاعتبار، أثناء صياغة الدستور، بحيث ركز كل السلط في يده. عن ظروف تأسيس الدستور يقول الخطابي في مذكراته: ” ثم وضعت دستورا للبلاد مبدؤه سلطة الشعب، وجعل السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية في يد الجمعية الوطنية، أي أن الدستور لم يفصل بين السلطتين وفقا للقواعد الدستورية الأوروبية، وجعل رئيس الجمهورية رئيسا للجمعية الوطنية، ويحتّم على كل شيخ و زعيم وقائد من أعضاء المجلس تنفيذ المقررات التي تُقرّها الجمعية، وهؤلاء مسؤولون عنها تجاه الرئيس بصفته رئيس الحكومة، والرئيس مسؤول عنها إزاء الجمعية” .

أما الوزرات فلم ينص دستور الجمهورية إلا على أربع مناصب رئيسية هي: رئاسة الوزراء، ووزارة الخارجية، ووزارة المالية، ثم وزارة التجارة، أما بقية الوزارات كالداخلية والدفاع، فقد جعلها الدستور من اختصاص رئيس الجمهورية. الدستور حدد كذلك شكل العلم؛ ذي الأرضية الحمراء يتوسطها هلال في داخله نجمة سداسية. و يذهب محمد حسن الوزاني في كتابه” حياة وجهاد” إلى أن الخطابي “كان يفكر في اقتباس الدستور الانجليزي، فأمر وزير خارجيته باستحضار نسخة منه، وكان اندهاشه كبيرا لما علم أن انكَلترا لا تملك دستورا مكتوبا، وأن دستورها يتكون من تقاليد قومية ورثتها من عهود تاريخها الوطني””

ليس غريبا عن الخطابي أنه كان متأثرا بالحضارة والشعب الإنجليزي، وأنه كان يعتقد بأن “ريافة” هم انجليز المنطقة، عن ذلك يقول في بيان إعلان جمهورية الريف: ” نحن الريفيين لسنا مغاربة البتة، كما أن الإنجليز لا يمكن أن يعتبروا أنفسهم ألمانا. ولعل هذا المزيج العرقي هو الذي يجعلنا أشبه ما نكون بالإنجليز في إرادتنا المطلقة في الاستقلال وفي رغبتنا في أن نكون على اتصال مع أمم الأرض جميعا”.

وزير الخارجية محمد أزرقان مع الجنرال الفرنسي موغان  في وجدة

دبلوماسية جمهورية الريف

وعيا من بن عبد الكريم الخطابي بأهمية الدبلوماسية في نقل حقيقة الريف إلى العالم، كلف غداة تأسيس الجمهورية، أخاه امحمد، والشريف التيجاني، والحاج الحاتمي سفراء متجولين، كما نصّب عبد الكريم الحاج ممثلا عاما للجمهورية بطنجة، التي كانت خاضعة للنظام الدولي، أما حدو لكحل فقد كان مكلفا بالاتصال مع فرنسا، بحكم إتقانه الفرنسية. كما جعل الخطابي من حقيبة الخارجية، التي أسندها إلى محمد أزرقان، واحدة من أنشط الوزارات، بحيث كان رئيس الجمهورية يشرف بنفسه على الشؤون الدبلوماسية، من إرسال البعثات والوفود والاطلاع على الحوارات والمفاوضات التي كان موفدو الجمهورية يجرونها مع باقي الدول.

بداية من سنة 1923 سيبعث عبد الكريم أخاه امحمد، رفقة الحاج محمد الحاتمي إلى عدد من الدول الأوروبية. كانت المهمة صعبة، بحيث لم يستطع موفدا الجمهورية الوصول إلى فرنسا إلا متنكرين، بعدما تدبّرا جوازي سفر مزورين من الدار البيضاء. استمرت رحلة امحمد الخطابي والحاج محمد الحاتمي ثمانية أشهر، قضاها أخ الأمير ومرافقه بين عدد من الدول الأوروبية، يجريان اتصالات مع مسؤولي الحكومات، والأحزاب المعارضة، خصوصا الأحزاب الشيوعية التي كانت ضد سياسة اسبانيا، كما عقدوا لقاءات مع الصحافة الأوروبية لحشد الدعم الشعبي لقضية الريف.

امحمد الخطابي ومرافقه الحاج محمد الحاتمي سيبذلان جهدا كبيرا للوصول إلى عصبة الأمم بجنيف لإسماع صوت الجمهورية للعالم، إلا أن هيمنة الدول الاستعمارية على هذه العصبة حال دون تمكن ممثلي جمهورية الريف من الدخول إلى مقر المنتظم الدولي”. بموازاة هذه الرحلة الديبلوماسية، سيبعث عبد الكريم الخطابي، في نفس السنة، أي 1923، وفدا آخر إلى لندن، يقوده عبد الكريم الحاج، لكي يشرح موقف جمهورية الريف من الحرب، ويفضح عدوانية اسبانيا أمام البريطانيين. وقد صرّح الوفد لإحدى المجلات هناك، كما جاء في مذكرات عبد الكريم الخطابي: “اسبانيا بعد أن فشلت بحربها معنا عمدت إلى الحصار البحري وأخذت ترمي قرانا بقنابلها مستعملة حرب الجبن والدناءة، فلا يقع في يدها أسير منا إلا وتمثل به أفظع تمثيل بينما نحن لا نعامل أسراها إلا بالحسنى”.

ولتعميق الهوة بين المملكة الاسبانية و نظيرتها البريطانية، سيضيف الوفد الريفي: ” لقد وفدنا إلى أوروبا وبودنا إسماع صوتنا وشرح قضيتنا إلى العالم المتمدن”. إلا أن هذه الحملات التحسيسية لم تكن لتجد لها صدى من لدن دول بنت سياستها الخارجية على الاستعمار والتوسع. هذا الأمر سيتأكد لرئيس الجمهورية لاحقا، حيث سيصرح عبد الكريم الخطابي لمراسل جريدة  “لوماتان العسكرية” الفرنسية، قائلا: “إن هذه السفرة كانت فشلا عظيما خسرنا فيه مبلغا من المال كنا في أشد الحاجة إليه، في ذلك الوقت”.

f1a765964003971f9a78b4356b0fbb89

بنك حكومة الريف

مطلع سنة 1923 بدأ عبد الكريم يفكر في إحداث عُملة خاصة بالجمهورية، فبعد أن اهتدى رفقة عمه ووزيره للمالية عبد السلام الخطابي إلى تسمية عملة الريف ب” ريفان”، سيكلف الخطابي أخاه امحمد بأن يتعاقد مع بعض البريطانيين لسكّ ورقتين من الريفان، واحدة من فئة واحد ريفان حمراء اللون، وأخرى من فئة خمس ريفاناتلونها أخضر، وكان ” الريفان” الواحد يعادل ما مقداره “بسّيطة” واحدة من العملة الاسبانية، وقد كانت الورقتان النقديتان مكتوبتين بالعربية والإنجليزية. وبعد استقدام عملة الجمهورية قرر عبد الكريم أن يتم “تداول “الريفان” بشكل إجباري، دون سواها من العملات التي كانت متداولة في المنطقة الشمالية، ويظهر أن ترويج هذه الأوراق كان يرتكز على عقد مبرم بين أحد الرعايا الانكَليز المعروفين جدا بالمغرب، و بين اخ عبد الكريم، والذي يرخص فيه للأول أن ينشئ بنكا للحكومة في الريف يكون مركزه أجدير من أجل ترويج هذه الأوراق وإذاعتها، وتقديم القروض، واعدا في مقابل ذلك بأن يعمل على تسهيل الموارد التي تحتاج إليها حكومة الريف”، حسب ما يؤكده محمد الحسن الوزاني، الذي يضيف” إن هذا البنك لم ير النور، وحيث لم تكن هناك ضمانة مالية فيمكن بسهولة فهم المقاومة التي أبداها رجال القبائل في عدم قبولهم لهذه الأوراق التي كانت تفتقر إلى قيمة حقيقية”

فهل تعامل الريفيون بالعملة المحلية” ريفان”؟لا، لم يحدث ذلك. هذا ما يؤكده الوزير الأول السابق عبد الرحمان اليوسفي، الذي كان قد أنجز بحثه للدراسات العليا في موضوع جمهورية الريف. إذ” لم يسبق لعبد الكريم الخطابي أن اعتمد “الريفان” كعملة رسمية للجمهورية، بحيث أن الحكومة الريفية كانت تستعمل البسّيطة الاسبانية، كعملة للتداول، وأحيانا العملة الحسنية الشريفة. أما العملة الوطنية الريفية “ريفان”، وكذا بنك الحكومة الريفية المزعومين، فلم يتواجدا إلا في مخيلة مجموعة من رجال الأعمال البريطانيين يترأسهم السيد كَارديني. لقد حدث فعلا أن قام هؤلاء بطبع الأوراق البنكية في لندن، ونقلوها على متن يخت إلى الحدود الريفية، حيث اقترحوا على السلطات الريفية طرح هذه العملة للتداول على غرار البلدان العصرية، وكانت نواياهم آنذاك استنزاف المدخرات الريفية. وبعد أن استمع عبد الكريم إلى العرض المدهش لكَارديني، نظر إلى زائره بهدوء وقال: “إذا كان لديكم شيء آخر لتقترحوه علينا فيمكننا أن نكمل الحديث”. وعن أوراق “الريفان” التي ما يزال الريفيون يحتفظون بها إلى الآن يضيف عبد الرحمان اليوسفي: ” لقد تخلص كَارديني من شحنات العملة في البحر، وأغلب الظن أن الأوراق الموجودة حاليا تم انتشالها من السواحل”.

أما اقتصاد جمهورية الريف فكانت أهم موارده تتشكل من: الضرائب المفروضة على تصدير البضائع واستيرادها، وقد كانت قيمتها تصل إلى 5 آلاف بسيطة في اليوم- مداخيل الأحباس وقد ألحقها بن عبد الكريم بالمالية العامة، بمبرر استعمالها في محاربة الكفار، وقد بلغت قيمة مداخيل الأحباس 75 ألف بسيطة في السنة- ضريبة الترتيب، وهي الضريبة المفروضة على الأملاك العقارية، والمحاصيل، و رؤوس الماشية… وكانت تقدر بـ 300 ألف بسيطة سنويا-الغرامات التي فرضت على القبائل التي مانعت الالتحاق بالجمهورية، مثل قبيلة بني زروال التي فرضت عليها غرامة قدرها نصف مليون بسيطة. وقبيلة الأخماس التي غرمها عبد الكريم 20 ألف بسيطة اسبانية- وأخيرا مالية افتداء الأسرى الإسبان.

عبد السلام الخطابي وزير المالية بشاطئ كالا بونيطا بأجدير

محاكم الجمهورية

أنشا الخطابي عددا من المحاكم للبث في نزاعات المتقاضين الريفيين، الذين كانوا قبلها يلجأون إلى أخذ حقوقهم بيدهم. وقد ألغى عبد الكريم الثأر، وجرّم الانتقام، و منع العقاب بالسوط. “ألغى الدية، واستعمال الرصاص إلا في قتال العدو، وحطم ما بني بجوار كل دار من مخبأ لرمي الجار بالرصاص كلما نشب خلاف تطلب الانتقام، وهذه أفظع عادة كانت هناك، وكان الأمير يسميها بلعنة الريف” يضيف محمد بلحسن الوزاني. وكانت المحاكم التي أسسها بن عبد الكريم موزعة على امتداد تراب منطقة الريف وجبالة كالتالي: المحكمة المركزية في مزماط بأجدير-  محكمة آيت قمرة-  محكمة أكشاب بتمسمان- محكمة تارجيست- محكمة تغزوت- محكمة اخريرو في بني حزمار- محكمة بني بربر.

عبد الكريم يوم وضع السلاح

استخبارات الجمهورية

كان أغلب جواسيس عبد الكريم الخطابي ينحدرون من المناطق التي كانت تقع تحت السيطرة الاسبانية، وكان أشهرهم شيخ عجوز اسمه علي بن حموش، كان يجتاز الحدود، محملا بالرسائل والجرائد والأخبار، من دون أن يلفت انتباه الإسبان. كما اشتغل ضمن جهاز استخبارات الجمهورية عدد من الأجانب، أشهرهم الألماني جوزي كليمبس الذي كان معروفا لدى الريفيين بالقايد الحاج، وقد كان كليمبس يقوم، إلى جانب إرشاد الجواسيس، بتدريب المدفعيين وتنظيم خطوط الجيش. وقد تم اعتقاله، بعد استسلام عبد الكريم، متنكرا في لباس مغربي، حيث حكم عليه بالإعدام رميا بالرصاص.

ع الكريم وأخوه حين كانا يدرسان بالمدرسة الأهلية بمليلية

ميثاق الجمهورية
مباشرة بعد تأسيسه، عقد برلمان الجمهورية، المعروف بالمجلس الوطني، عددا من اللقاءات والمداولات، أسفرت عن صياغة الميثاق وطني، وقد نص هذا الميثاق على:

  1. عدم الاعتراف بأي معاهدة تمس بحقوق البلاد المغربية، وخاصة بمعاهدة “الحماية” المفروضة في 1912.
  2. جلاء الإسبان عن الريف الذي لم يكن في حوزتهم قبل إبرام المعاهدة الفرنسية الإسبانية سنة 1912.
  3. الاعتراف بالاستقلال التام للحكومة الريفية.
  4. تشكيل حكومة دستورية بالريف.
  5. دفع اسبانيا للريف تعويضات عن الخسائر التي ألحقتها بسكانه من جراء الاحتلال، ولفداء الأسرى الذين وقعوا في يد المجاهدين.
  6. إنشاء علاقات ودية مع جميع الدول بدون استثناء، وإبرام اتفاقيات تجارية معها.

 

شرطة الأهالي التابعة لإسبانيا تستعرض رأس أحد جنود ع الكريم

جمهورية الحرب

عندما تسأل” الأول” مرزوق ازرقان ابن محمد ازرقان، وزير خارجية جمهورية الريف، كيف كان والده يقوم بمهام الدبلوماسية الريفية، يجيب: ” أودّي هادوك راهم غير المجاهدين، آش من خارجية وآش من دبلوماسية الله يهديك”.

القاسم المشترك الذي كان يجمع بين رئيس جمهورية الريف وأبسط رجل في الريف هو حمل السلاح وخوض الحرب. فمنذ قيام جمهورية الريف سنة1921، وإلى حين سقوطها في1926، لم يشهد الريفيون يوما من دون حرب، أو من دون التفكير فيها والتهيييء لها، ” فلم يكن رئيس الجمهورية طيلة السنوات الخمس، من عمر الجمهورية، إلا أمير الجهاد دون مدلول آخر، والقائد الأعلى لقوات المجاهدين” يؤكد محمد حسن الوزاني. فكيف كانت”جمهورية الحرب” تجنّد رجالها، وكيف كانت تنظم حروبها؟ كان نظام التجنيد في الريف إجباريا بالنسبة إلى كل من وصل 15 سنة، وذلك بقرار صادر عن برلمان الريف ” الجمعية الوطنية”، وكان المجاهدون” يتكونون من محاربين متطوعين، ومن جيش نظامي يبلغ عدده حوالي 8000 جندي، وقد أحدث بن عبد الكريم، إلى جانب وزارة الحربية، منصب دافع مرتبات القوات النظامية الريفية كلف به علي ولد فطومة، وكان “البراح”  يجول الأسواق مناديا في الناس بالالتحاق بجيش المجاهدين. أما أجرة الجنود فكانت محددة في 150 بسّيطة إسبانية في الشهر لقائد الطابور، و100 بسّيطة لقايد المئة والعشرين )أي من يقود 120 عسكريا)، و80 بسيّطة لقايد الخمسين، و 70بسّيطة لقايد الخمسة وعشرين، و 60بسّيطة للجندي.

كان جيش الجمهورية يتوفر على مخزن رئيسي للعتاد الحربي بمنطقة أزغار قرب عاصمة الجمهورية أجدير، يشرف عليه محمد بوجيبار، وكان هذا المخزن مخصصا لتخزين الأسلحة ومد الجنود بالخراطيش، كما كان به معمل لإصلاح العتاد الحربي، يديره لمْعلم محمد التمسماني، يساعده 26 عاملا من بينهم بعض يهود قبيلة بني بوفراح. أما المخزن الرئيسي لسلاح المدفعية فكان مقره في منطقة بوحن ببني ورياغل، وكان به معمل لصنع قذائف الطائرات، بالإضافة إلى مخازن أخرى في كل مناطق الجمهورية أقيمت لتلبية حاجة المجاهدين إلى السلاح. أما عتاد الجمهورية من التجهيزات الحربية الثقيلة، فكان يتكون من عدد كبير من المدافع والسيارات العسكرية والشاحنات.

كما كانت الجمهورية تتوفر على زورقين حربيين كبيرين، وستة زوارق متوسطة. وقد عيّن عبد الكريم في مهمة مفتش القوات البحرية حدّو بن علي المعلم، الذي كان يساعده أحد التقنيين من الجزائر، مختص في ميكانيك السفن. أما سلاح الجو فقد كان نصيب الجمهورية منه ثلاث طائرات يقول عنها عبد الكريم في مذكراته: “كنت أستطيع أن أضحي بأي شيء من أجل أن تُحلق طائرة ريفية فوق الخطوط الاسبانية، وكان في مقدوري بهذه الطريقة أن أثبت لقبائلي بأنني مسلح بطريقة حديثة، أما أعدائي فإنهم من جهتهم كانوا يتأثرون من رؤية طائرة ريفية تحلق فوق سماء العرائش، أو تطوان، أو مليلية”.

2671993-3775977

إيديولوجيا مؤسس الجمهورية

بمجرد إعلان قيام الجمهورية، بادر عبد الكريم الخطابي إلى” إلغاء الأعراف، وأقام مقامها أحكام الشريعة الإسلامية، كما أعطى للقضاء حق النظر في الجنائي فضلا عن المدني… وأدخل الإصلاح على المِلكِية، وتوزيع المياه، فأصدر قانون مصادرة الأرض التي يعجز صاحبها عن استثمارها، وإسنادها إلى من يقدر على حسن التصرف فيها، كما سمح للجماعات والأفراد بحق تنظيم توزيع الماء”، يؤكد محمد بن الحسن الوزاني في كتابه  “حياة وجهاد”. من خلال هذه الإصلاحات الجذرية التي أدخلها الخطابي على المجتمع الريفي، والتي مازجت ما بين تطبيق الشريعة والتوزيع العادل للثروة، تبرز شخصية الخطابي خريج القرويين المشبع بالشريعة الإسلامية، بالقدر الذي تظهر شخصية القائد الاشتراكي. هذه الخصوصية” التوفيقية”  هي ما سيجعل من عبد الكريم صديق الاشتراكيين والإسلاميين والقوميين والحركة الأمازيغية. ففي 1960 زار تشي غيفارا، قائد الثورة الكوبية، القاهرة خصيصا للقاء بطل حرب الريف، أما القائد الفيتنامي”هو شي منه” فكان يعتبر الخطابي أستاذه الذي استوحى منه حرب العصابات. علاقة الخطابي بالإسلاميين لم تكن أقل وزنا، فقد جمعت أمير الريف علاقة متينة بالشيخ حسن البنا، مؤسس حركة الإخوان المسلمين. عن ذلك تقول عائشة الخطابي، في حوار سابق: ” كانت علاقة الشيخ حسن البنا بوالدي علاقة متينة، وكان من أحب الناس إليه “. الحركة القومية العربية سوف ترى هي الأخرى في الخطابي نموذج الزعيم الوحدوي القومي، يحكي ل ” الأول” الكولونيل الهاشمي الطود، الذي كان مرافقا لعبد الكريم بالقاهرة، قائلا: ” في يوم 29 نوفمبر1947، ذكرى يوم تقسيم فلسطين، امتلأ بيت الأمير بقيادات حركة التحرر العربي من أمثال الشيخ أمين الحسيني من فلسطين والدكتور السعداني من ليبيا ورياض الصلح من لبنان وعبد الرحمان عزام الذي سيصبح رئيسا للجامعة العربية وغيرهم، قصدوا الأمير عبد الكريم، اعتبارا لرمزيته ولوزنه الكبير، وطلبوا منه أن يعلن الجهاد في فلسطين”. أما الحركة الثقافية الأمازيغية في الريف، فترى في الخطابي رائد النضال من أجل ” الحقوق الثقافية” للآمازيغ، فالخطابي، بحسبهم، كان أول ريفي درّس الأمازيغية- الريفية للإسبان عندما كان معلما بمليلية.

عبد الكريم مترجما بمليلية

هل كانت الجمهورية صنيعة ألمانية ؟ !

في مذكراته لم ينف عبد الكريم الخطابي اتصاله سنة 1915 بشخص ألماني اسمه فرانسيسكو فارل، من دون أن يخبرنا عن الأسباب الحقيقية التي تدفع رجلا ألمانيا للتحريض ضد فرنسا أو اسبانيا؟ فهل يمكن أن تكون فكرة الجمهورية قد استهوت عبد الكريم لدرجة التواطؤ مع الألمان الذين كانو يسعون إلى السيطرة على مناجم الثروة بالريف؟ هذا ما يريد المؤرخ عبد الكريم الفيلالي قوله في كتابه ” التاريخ السياسي للمغرب العربي الكبير”. كيف ذلك؟ “… من خلال ما نقله الصحفيون من مختلف الجنسيات عن الزعيم عبد الكريم نفسه، ما يؤكد أن ” دولة الريف” في اعتباره وما خطط له شيء واقع انساق إليه واستهواه” ! فهل يعني ذلك أن عبد الكريم كان مجرد أداة لتنفيذ مخطط أكبر منه، وأن هذا المخطط كان من الممكن أن يسند أمر تنفيذه إلى أي شخص آخر؟ ولكن، كيف استطاع الخطابي أن يعد العدة للحرب ويجمع القبائل حوله؟ يجيب الفيلالي: “حسب الذي يتبين من الاستنتاج أنه (أي عبد الكريم الخطابي) خطّط وتابع التخطيط اتفاقا مع الزعامة ومن وراء المجاهدين الذين كانوا حسب اعتقادهم و صادق نواياهم إنما يحاربون الكفار ولم يدركوا أن الذين وراء الجميع إنما هم الألمانيون أصحاب شركة “مانسمان” وذلك حتى تضفي (شركة مانسنمان) المشروعية على وجودها واستغلالها الذي كان حوله نزاع من أجل الامتياز الذي حصلت عليه فيما يتعلق بمنجم الحديد… و لذلك اختارت الشركة العمل على تكوين دولة تشمل منطقة المعدن فأعلن عن تكوينها بتلك السرعة المذهلة، اثر معركة أنوال.” إلا أن السؤال الذي يبقى عالقا، إذا نحن سلمنا بما يقوله عبد الكريم الفيلالي، هو: لماذا تخلت ألمانيا عن الخطابي، وساندت اسبانيا في حربها القذرة على الجمهورية؟

maxresdefault1

رئيس الجمهورية وملوك المغرب

في إحدى الحوارات التي أجريت مع عبد الكريم الخطابي، في موضوع السلطان مولاي يوسف، صرح الخطابي قائلا: “… وجود سلطان في المغرب من عدمه أمر لا يهمني، الشيئ الوحيد الذي يهمني هو الاستقلال التام للشعب الريفي”. نزوعات عبد الكريم الجمهورية هذه ستصاحبه حتى في منفاه بالقاهرة، فرغم أن الملك فاروق كان قد رحب بأمير الريف ضيفا فوق تراب مصر، وأسكنه أحد قصوره، قصر ” أنشاص”، إلا أن الخطابي سيطلب من فاروق السماح له بمغادرة القصر والبحث عن إقامة بسيطة. علاقة الخطابي بملك مصر ستسوء أكثر، حينما سيرفض الخطابي مبايعة فاروق أميرا للمؤمنين، عن ذلك تقول عائشة الخطابي، ابنة عبد الكريم: ” القصة تتلخص في أن الملك فاروق طلب من شخصيات معروفة في العالم العربي أن توقع على تزكيته أميرا للمؤمنين، لكن والدي كان وفيا لمبادئه ولم يتزحزح عنها قيد أنملة، وحين عرض عليه الملك فاروق مبلغا ماليا كبيرا لا أتذكر مقداره بالضبط، لكي يوقع على تلك التزكية رفض العرض رفضا شديدا”. في سنة 1952 سيبارك الخطابي سقوط الملكية في مصر، وسيشيد بشجاعة الضباط الأحرار. هذا الأمر أغضب قيادات الحركة الوطنية في ” مكتب المغرب العربي” بالقاهرة، الذين رأوا في موقف الخطابي سلوكا غير مقبول من رجل ينتمي إلى بلد يرأسه ملك. ” قبل زيارة الملك محمد الخامس للقاهرة في 13 يناير 1960، قام عبد الخالق الطريس، سفير المغرب في القاهرة، بمساع حثيثة من أجل إقناع الوالد بالالتقاء بالملك، وقام من أجل ذلك بعدة زيارات لبيتنا، لعله يقنعه بذلك، ولم يكل الرجل بل تابع مساعيه إلى آخر دقيقة قبل وصول الملك محمد الخامس، حيث عرج على بيتنا وهو في طريقه إلى مطار القاهرة للقاء الوالد، وقد توجت هذه المساعي بزيارة الملك محمد الخامس لبيت الأمير والالتقاء به، وكانت هذه الزيارة أول عمل قام به الملك في مصر “. تصرح عائشة الخطابي ابنة عبد الكريم الخطابي في إحدى الحوارات السابقة. فما الذي دار بين الملك و الأمير؟ “تحدثا عن الوضع العام في المغرب، وعن العدالة الاجتماعية والحقوق المدنية. وكان محمد الخامس يسعى إلى إقناع الأمير بالعودة إلى المغرب، لكن رد الوالد كان أنه لن يعود إلى المغرب حتى يعرف مصير المختطفين الذين ذهبوا ضحية الاختطافات التي عرفها المغرب بعد انتفاضة الريف سنة 1958، كما طالب بفتح تحقيق بخصوصها” تضيف عائشة الخطابي. في 1961 سيموت محمد الخامس، وسيتولى العرش الحسن الثاني. أول اصطدام سيحدث بين عبد الكريم الخطابي والحسن الثاني، كان في نونبر 1962، حين سيعارض الخطابي “الدستور الممنوح”. الحسن الثاني، وكرد فعل على مواقف الخطابي، سيزور القاهرة مرتين دون أن يفكر في استقبال أمير الريف أو زيارته.

 

 

 

 

بدون تعليقات

اترك رد