الجوانب الخفية “للحملة التطهيرية” التي أراد بها الحسن الثاني “تأديب” رجال الأعمال

بعد مرور 20 سنة عن الحملة التطهيرية، إلا أنه ما تزال هناك كثير من التفاصيل الغامضة التي لم يتطرّق لها أحد.. ولعلّ السؤال الأساسي الذي ينتصب اليوم هو: ما هي مُبرّرات الراحل الحسن الثاني لإطلاق «حملة تطهيرية» لمحاربة ممتهني التهريب؟ ولماذا أَوكل أمر تنفيذها إلى خديمه الأوفى إدريس البصري، والحال أنها عملية موجهة لتقويم الاقتصاد وتطهير دواليبه من الفساد الذي عشش فيه طيلة عقود ولا يمكن -بأي حال- إسنادها إلى وزير داخلية تحرّكه عقلية أمنية ضيقة وحسابات شخصية؟

الوزير الأول يتحاشى قيادة الحملة ويتولاها البصري

نحن الآن في شهر يونيو من سنة 1995، أربعة أشهر قبل خطاب افتتاح الدورة التشريعية لولاية 1996-1995.. الحسن الثاني يستقبل في مكتبه في القصر الملكي بعضَ أعضاء حكومة الراحل عبد اللطيف الفيلالي الثانية، أسابيع قليلة بعد تنصيبها يوم 27 فبراير من السنة نفسها.. لم يكن اللقاء معلنا، ولم تنقل عدسات الكاميرا تفاصيله، كما جرت العادة.. كانوا أربعة وزراء، إضافة إلى الوزير الأول. وكان واضحا، من خلال ما دار من حديث بين الملك والفيلالي، أنّ الأمر يتعلق بموضوع سبقت مناقشته في أكثرَ من مناسبة. يقول مصدر امتلك كثيرا من تفاصيل الملف إنّ «المخاض الذي أدى لاحقا إلى ما سمي «حملة تطهيرية» انطلق سنتين قبل تعيين حكومة عبد اللطيف الثانية، وكان الملك قد طلب من وزيره الأول أن يُقدّم له تصوره للحد من ظاهرة التهريب التي كانت تنخر الاقتصاد الوطني وتهدّده.. وفي أحد اللقاءات التي جمعتهما، سأله عن مآل هذا الملف الذي كان أولَ من أثاره رفقة إدريس جطو ومحمد القباج، واللذين عبّرا عن تخوفات رجال الأعمال مما وصلت إليه الأوضاع.. لكنّ الفيلالي، يقول محدثنا، قال للملك إنّ حالته الصحية لا تسمح له بفتح هذا الملف ومباشرته، فما كان منه إلا أن أجّل الحديث في الموضوع، مخاطبا الفيلالي بأنه سيفعل ما يراه مناسبا.. قبل ذلك بمدة قصيرة كانت قد أطلِقت محاولات ل«تصحيح الوضع»، لكنها لم تُؤت أكلها، ومن بينها أساسا إصدار دورية بتاريخ 17 دجنبر 1994، وكان الهدف منها وضع حد لنشاط محترفي التهريب الكبير والمتوسط، تلاها، في الأشهر الأولى لسنة 1995 وضع الترتيبات لتشكيل لجن تضمّ ممثلين عن السلطات العمومية والجمارك ومراقبة الأسعار ومصالح قمع الغشّ لتفعيل مضامينها.. لكنْ لا شيء تحقق رغم هذه المحاولة.

Abderrahman_Amalou_2

عبد الرحمن أمالو، الذي شغل منصب وزير العدل في تلك الحكومة، هو واحد من الوزراء الأربعة الذين استقبلهم الحسن الثاني، يقول في شهادته بخصوص اجتماع شهر يونيو 1995: «استقبلنا الراحل الحسن الثاني، وخلال اللقاء بدا منزعجا، ووجّه كلامه إلى وزيره الأول، وأعاد عليه السؤال قائلا: «آسي الفيلالي ها أنا ذا أعيد عليك، مرة أخرى، القضية التي كنتَ أول من أخبرني بها، فهل أنت مستعدّ لتباشر الملف؟» فما كان من الفيلالي إلا أن اعتذر، مرة أخرى، وتحجّج بأنّ وضعه الصحي لم يتحسن ولا يؤهله لأداء المهمة، فقال الحسن الثاني: «الظاهر أنّ المغاربة لم يريدوا أن يفهموا، وسأمنحكم مهلة لتحضير أنفسكم»..

“حين صرخ القباج في وجه البصري «خرجتي علينا» ثم سقط مغميا عليه”

موازاة مع ذلك استقبل الحسن الثاني علي عمّور، الذي كان يشغل منصب مدير الجمارك، والذي قدم له تقريرا مفصلا عن حقيقة الوضع وما وصلت إليه الأمور بسبب التهريب الذي استفحل، وهو التقرير الذي ضمّ في البداية أسماء 8 من رجال الأعمال والتجار ممن يمارسون عمليات واسعة للتهريب والتحايل على القانون، من ضمنهم سيمون شتريت، يهودي الجنسية، فصدرت تعليمات لمدير الجمارك تنصّ على ضرورة نقل رسائل واضحة إلى من يهُمّهم الأمر مفادها أنّ زمن التساهل قد ولى.. وحسب المعطيات التي استقيناها من أكثرَ من مصدر، فلم يكن الحسن الثاني يتحدث أبدا عن «حملة تطهيرية» بالشكل الذي تمّت به، بدليل أنه قال لأعضاء اللجنة إنه يمنحهم مهلة شهرين لتحضير أنفسهم، وشدّد على الحاضرين أن يُقدّموا له أي فكرة يعتقدون أنها مناسِبة، على أساس الشروع في العمل شهر أكتوبر أو نونبر على أبعد تقدير.. وهكذا كان، فابتداء من 20 شتنبر 1995، أصدر علي عمور، المدير العام للجمارك، مذكرة دعا فيها أعوان الجمارك إلى الوعي بخطورة الظاهرة، ثم عقد لقاءً في 26 من الشهر نفسه مع الفاعلين الاقتصاديين، ضِمنهم وفد عن الاتحاد العام لمقاولات المغرب وممثلون عن الجمعيات القطاعية والغرف المهنية، وفي 2 أكتوبر 1995 عقد ندوة في الدار البيضاء خُصّصت لشرح أهداف الحملة الوطنية لمحاربة التهريب، ورافقتها إعلانات تحسيسية ودعاية تلفزيونية تشرح للمواطنين مخاطر الظاهرة…ثم في أواخر شهر دجنبر تم الشروع في نصب حواجز جمركية على امتداد المحاور الطرقية الرابطة بين شمال المغرب وجنوبه لتفتيش وحجز السّلع المُهرَّبة..

البصري رفقة الحسن الثاني
البصري رفقة الحسن الثاني

وخلال مجلس وزاريّ عُقد في بداية دجنبر، قال الراحل الحسن الثاني للحاضرين: «أجمعكم اليوم لمناقشة موضوع مهمّ، وإذا استمررنا بهذا الشكل فالأمور تسير إلى الأسوأ»، ثم قال ما معناه «سأضع المفتاح فوق الباب»، ويقصد أنّ الأمور بدأت تنفلت ولا بُد من تقويم الوضعية، وأضاف: «سأخبر أولئك الذين لم يكونوا حاضرين في اللجينة التي عينت قبل أشهر، أن العملية التي سنباشرها هي أساسا من اختصاص الوزير الأول، ومفروض أنه المسؤول عن تنظيمها وتتبعها، ولأن الفيلالي برر عدم رغبته بقيادة العملية بكون صحته لا تسعفه، فأنا من سيتحمل مسؤولية كل هذا، وقد قررت أن يتكلف السي إدريس بالإعداد التقني للعملية، لأنه يوجد على رأس قطاع محوري ويتدخل في الاقتصاد عبر المصالح الاقتصادية للولايات والعمالات، ولديه سلطة التدخل في قطاعات أخرى، من بينها الجمارك، وسيكون إلى جانبه في اللجنة مَن طلبا هذا الأمر قبل سنتين، وهما إدريس جطو ومحمد القباج»..
بعد ذلك وجّه الحسن الثاني أوامره لجميع الحاضرين في المجلس الوزاري بتحضير لوائح بأسماء المُهرِّبين، مثلما أمرهم بالحرص على عدم تسريب أيّ معلومة مما تم تداوله إلى حين إطلاق العملية بشكل رسمي، حتى يكون بالإمكان توقيف المُتورّطين في التهريب في حالة تلبّس وقطعِ الطريق على أولئك الذين قد يلجؤون إلى تهريب أموالهم أو إفراغ مخازنهم من السلع المُهرَّبة..
هنا فقط بدأت الأمور تتضح، وفي هذا المجلس الوزاري تقرر بأوامر من الحسن الثاني المرور إلى مستوى آخر من التعامل مع المُهرّبين، إذ أصدر تعليماته إلى أعضاء اللجنة بعدم الاكتفاء بفرض غرامات، كما تنصّ عليه مدونة الجمارك، وشدّد على ضرورة فرض عقوبات سجنية، عسى أن يكون ذلك كافيا ليردع المخالفين للقانون، ويكونوا عبرة للآخرين.. في هذا الصدد يقول مصدرنا :«توجه الحسن الثاني إلى الحضور وقال إنه لا مجال للصبر، وعلينا التدخل لإنقاذ الوضع وحماية الاقتصاد».. وشدّد على أن المتورّطين يجب أن يدخلوا السجن، ولا يكفي أن يؤدوا مبالغ «هزيلة» بدلَ الغرامات المحكوم بها، والحال أنهم استفادوا من الملايير وسيعودون للممارسات نفسِها»..
وهنا ينتصب سؤال جوهريّ سيُفيد في فهم مسار الأحداث لاحقا، وهو لماذا رفض عبد اللطيف الفيلالي، الوزير الأول، التكفل بالملف رغم إصرار الحسن الثاني على الأمر في ثلاث مناسبات؟ ولماذا أنكر علمه بأمر الحملة التطهيرية خلال المجلس الحكومي الذي تلا الإعلانَ عنها، حين واجهه وزير حقوق الإنسان، وتحجّج بأنه لم يعلم بها إلا عن طريق التلفزة الرسمية شأنه شأن بقية الوزراء؟..
الجواب يسوقه المصدر، الذي خبر كثيرا من تفاصيل الملف، إذ يؤكد: «ما حكاه زيان صحيح بخصوص واقعة إنكار الفيلالي حين سأله عن الأمر، والحسن الثاني ظل يُلحّ على صهره أن يتولى الملف حتى إنه لم يكن ينقص إلى أن «يْرغْبُو»، لأنه كان يثق فيه بشكل كبير، نظرا إلى استقامته، لكنه ظل يرفض تولي المسألة وظلّ يغطي عليها بكون حالته الصحية لا تسعفه.. لكن الحقيقة هي أنّ الفيلالي، ومعه جطو والقباج، قاموا بتشخيص للوضعية وتبيَّنَ لهم أن من يقومون بعمليات التهريب ينتمون إلى العائلات الكبرى التي تتشابك علاقاتها ومصالحها، واكتشفوا أنّ الاقتراب من هذا «الملف» سيجرّ عليهم الويلات أكثرَ مما كانوا يتصورون قبل سنتين حينما نقلوا شكواهم إلى الحسن الثاني.. وحتى حينما انطلقت الحملة وبدأت أولى الملفات تحال على المحاكم، لم يحرّكوا ساكنا لأنّ الاعتقالات شملت في البداية أشخاصا عاديين ومتوسطين، لكنْ حين بدأت الاعتقالات تتجه نحو «الرؤوس الكبيرة»، شعروا بالخطر، فبدأت التدخلات على أكثرَ من صعيد، رغم أنّ الحسن الثاني كان واضحا وأصدر أوامره بمنع أي شكل من أشكال التدخل لصالح أي متورط تم اعتقاله، إلى درجة أنه قال: «أنا بنفسي ممنوع عليّ أن أتدخل، لأنه يجب تصفية هذا الملف بأي طريقة، ولن نستفيد شيئا إذا قلنا هذا ابن فلان أو هذا قريب فلان».

1441204923

ما قبل العاصفة .. البصري يعد لائحة التطهير

كان واضحا، من خلال كل هذه المعطيات، أنّ قرار إطلاق حملة تطهيرية لم يُتخذ بين عشية وضحاها، ولم يكن أبدا قرارا للاستهلاك الإعلاميّ أو مسرحية محبوكة المَشاهد، بل تم التخطيط لها شهورا عديدة، والحال أنها عملية ضخمة تستوجب الكثير من التروّي، واعتمد فيها على العشرات من التقارير التي تمّت صياغتها بعناية فائقة من طرف الأجهزة، بمختلف تلاوينها، وكانت خلاصاتها تُنقَل أولا بأول إلى عاهل البلاد..
وبين المجلس الوزاري الذي عقد في أوائل شهر دجنبر، وفيه رفض عبد اللطيف الفيلالي تولي العملية، ما اضطر الحسن الثاني إلى تكليف البصري بها، وبين ليلة الاثنين، 25 دجنبر، حيث انطلقت أولى المداهمات والاعتقالات في حق بعض المُهرّبين، تغيّرت معطيات كثيرة وبدأ يبرز دور رجالات الداخلية في السيطرة على عمل اللجن المحلية، مثلما سيطر البصري على اللجنة الوطنية، وهو ما يتذكره أمالو وزير العدل، إذ يقول: «جمعنا إدريس البصري وقدّم لنا ورقة كتب عليه ب«أوامر من جلالة الملك الحسن الثاني»، ووضع عليها اسمي إلى جانب اسمه، فضلا على أسماء كل من جطو والقباج، وكان هذا هو الاجتماع الأول والأخير معه، لأنه استفرد بالأمر ولم يعد يُشركنا في أي شيء»..
«كان هذا الأمر طبيعيا، يقول المصدر ذاته، ومن كان حينها يجرؤ على الوقوف في وجه إدريس البصري، بجبروته وتسلطه، وهو من كان يتحكم في رقاب السياسيين والمنتمين إلى عالم الاقتصاد والأعمال والإدارة، وكان يملك ملفات تُدين الكثيرين؟»..
تمخّض عن الاجتماع الذي يشير إليه أمالو تعميمُ دورية مشتركة أكدت «أن الحملة تستهدف بالدرجة الأولى كبار محترفي التهريب، خاصة أولئك الذين يُهرّبون الملابس والنسيج والمواد الغذائية والأجهزة الإلكترونية.. كما يتعين، على وجه الاستعجال وفي السرية الضرورية، العملُ على وضع قوائمَ بأسماء كبار المُهرّبين وتحديد أماكن تخزين البضائع، وكذا مصادر وشبكات التهريب وطرُق التزود بالسلع، لتختم بتأكيدها أنّ الحكومة ستُغلّب جانب المتابعات الجنائية في حق مرتكبي جرائم التهريب، والذين يتولون «حمايتهم»، إلى جانب عمليات الصلح القانونية والجمركية وغيرها، ولهذا يجب رفع الدعوى العمومية في جميع الحالات والظروف لدى المحاكم الجنائية».
ولأنّ عملية بهذا الحجم تحتاج إلى توفير معطيات دقيقة حولها، فقد تكفل الولاة والعمال، تحت الإشراف المباشر لوزير الداخلية، بوضع قوائمَ بأسماء المُهرّبين، ساهمت فيها جميع الأجهزة، من مخبرين ومقدمين وشيوخ وقياد وباشوات ورؤساء دوائر.. وهي اللوائح التي مورس عليها تعتيم شديد ولم يُسمح إلا لأشخاصٍ قلائلَ بالاطّلاع عليها.
يقول وزير العدل في هذا الصدد: «في البداية لم تكن هناك أي لائحة لمن ستشملهم الحملة، وكل ما كان هناك هو تقرير وُضع أمام الملك، وردَتْ فيه بعض الأسماء، ولم يسبق لنا كوزراء ضمن اللجنة التي عيّنها الحسن الثاني أن اطّلعنا على أي لائحة تضمّ أسماء بعينها.. وأذكر أنه في إحدى المناسبات سألتُ البصري عن وجود لائحة، فرفض أن يمُدّني بأي معلومة وقال لي: «لا يمكن أن أخالف أوامر الملك وقد أمرني بألا أبوح بأي شيء حتى يتم اعتقال المعنيين بالأمر، ويُحاكَموا».
يؤكد الأمرَ ذاتَه مسؤولٌ في إدارة الجمارك، عضو اللجنة المحلية في الدار البيضاء إذ قال في روايته: «لم نكن نعرف أيَّ تفاصيل عن لوائح المُعنيّين بعمليات التفتيش، وتبيَّنَ لنا مع توالي الأيام أنّ الولاة والعمال وحدهم من كانوا يملكون أدقَّ التفاصيل حول المعنيين بالاعتقال ويمارسون تعتيما كاملا عليها، إلى درجة أنّ ممثل النيابة العامة والقياد ورؤساء الدوائر والباشوات وممثلي الأمن أو الدرك لم يكونوا يملكون عنها أي معطى.. وكنا نفاجأ في بعض الأحيان بقرار تغيير وجهتنا في آخر لحظة، فضلا على أنه لم تكن لدينا أي فرصة لطرح الأسئلة أو الاحتجاج، بل إنّ من كانت يتخلف عن مرافقة اللجنة، ولو لسبب قاهر، كان يُعرّضه للمساءلة واتهامه بعصيان الأوامر»..
استفراد البصري وحواريوه بعمل اللجن، وإشرافهم على وضع لوائح من ستشملهم عمليات التفتيش والمداهمات كان سببا في حدوث العديد من التجاوزات، فابتداء من الأسبوع الأخير لشهر دجنبر وبداية شهر يناير، وفي عزّ شهر رمضان، بدأت عملية واسعة لاعتقال التجار ورجال الأعمال، وتقديمهم للمحاكمة، وكانت أول الملفات التي عُرِضت على المحكمة بتاريخ 8 يناير 1996 تتعلق ب17 تاجرا في درب عمر تابعتهم محكمة آنفا بتُهم عديدة، أهمّها حيازة بضاعة بدون سند، وحيازة بضائع مُهرَّبة، واستيراد بضاعة بدون ترخيص.. وتفجّر آنذاك نقاش واسع حول أسلوب تدخل اللجن المحلية، وأثيرت إشكالات مسطرية، منها على الخصوص إجراء تفتيش للمخازن ليلا وفي غياب أصحابها، واعتقالهم رغم تقديمهم الوثائق التي تثبت حيازتهم القانونية للسلع، واستمرار التحقيقات لأيام متواصلة في غياب أبسط شروط المحاكمة العادلة، والحديث عن استعمال وسائل تعذيب لانتزاع الاعترافات.. فضلا على ملاحظات كثيرة أثيرت من طرف ممثلي رجال الأعمال، تتعلق بعدم توفر لجن المراقبة على التخصصات والكفاءات اللازمة لدراسة المعطيات التقنية، واتخاذ إجراءات متسرعة بإقفال المعامل قبل دراسة الملفات بعمق، ثم التأويل الضيّق لمقتضيات مدونة الجمارك».

d5e66211c83eeafc96823f5ead818bb1
ورغم كل «الضجيج» التي رافق انطلاق الحملة ورغم تعالي الأصوات التي كانت تنادي بضرورة توقيفها، ومنها المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، التي بعثت يوم 26 يناير برسالة مفتوحة إلى الوزير الأول تحدّثت فيها عن جملة من الخروقات التي صاحبت عمليات التفتيش والاعتقال والمحاكمات، ودفعت البصري إلى استقبال موفدين عنها لشرح موقف الحكومة.. ورغم دخول أكثرَ من طرف على الخط وظهور شخصيات من داخل الحكومة نفسِها لم تكن متفقة على الأسلوب المتبع والانحرافات التي رافقت عمل اللجن المحلية، خاصة محمد زيان، الذي كان يشغل منصب وزير منتدب في حقوق الإنسان، واضطر لاحقا إلى تقديم استقالته بسبب هذه القضية.. رغم كل هذا، فإنّ البصري كان لا يلقي بالا لكل مَطالب توقيف «الحملة»، وواصلت اللجن عمليات مداهمة المخازن والمحلات التجارية واعتقال أصحابها، وبدأت الحملة تخلف الكثير من «حوادث السير» في طريقها.. وهكذا ففي 28 يناير تم اعتقال 21 مسؤولا ساميا، ضمنهم علي عمور، المدير العام للجمارك، وحماد حوكيمي الجاي، المدير العام السابق، وأحمد حمزة، ممثل إدارة الجمارك في اللجنة الوطنية لمحاربة التهريب!.. كما شملت الاعتقالات والاستنطاقات موظفين آخرين، وُجّهت لهم تُهم مختلفة.. وتوالت عمليات اعتقال التجار والمُهرّبين ليصل عدد الملفات في المجموع إلى 1285 ملفا، وكان البصري في كل مرة يخرج إلى الرأي العام، ليعلن أنْ لا شيء سيُوقف الحملة.. ومنها تصريحه خلال ندوة صحافية عقدها بمناسبة اجتماع مع لجنتي الداخلية والمالية في البرلمان، والذي قال فيه «إن الدولة عازمة على الاستمرار في الحرب ضدّ تهريب السلع والمُخدّرات بلا هوادة، ومؤكدا أنّ إجراءات البحث تحترم المساطر القانونية».. ولكي يُضفيّ البصري شرعية على حملته التطهيرية ويُكسبها مزيدا من الدعم الشعبي، ويرُدّ على المنادين بضرورة توقيفها، قال للحاضرين: «إذا كان هناك متطرّفون في الليبرالية وفي حقوق الإنسان، فأنا أتساءل: أين هي حقوق المُستهلك؟»..
وحتى حين كان البصري يختار الصّمت والتواري عن الأنظار، كان يدفع بعض من يؤثثون المشهد لينقلوا رسائله الواضحة إلى من يهُمّهم الأمر، وهكذا تناوب عدد من المسؤولين الممثلين في اللجنة الوطنية لمحاربة التهريب على شرح دواعي الحملة، واستُغلت القنوات الرسمية ومنابر إعلامية كثيرة لتمرير خطاب مفاده أنّ الحملة جاءت لتصحيح الأوضاع، وأنّ كل من يقف في وجهها هو عدو لاختيارات الدولة ورغبتها في تقويم اعوجاجات الاقتصاد، ومعاقبة الفاسدين والمُفسدين في كل الإدارات دون استثناء.. وكانت الرسالة الواضحة التي وجب ترسيخها في أذهان المُتتبّعين وعموم المواطنين، وتناوبت وجوه مثل نور الدين الرياحي، وكيل الملك في المحكمة الابتدائية في الدار البيضاء -آنفا، وحفيظ بنهاشم، العامل المدير في وزارة الداخلية، وآخرون على تمريرها هي أنّ «عمل الحكومة في مجال محاربة التهريب يترجم إرادة ملكية لاستكمال دولة الحق والقانون، وأنّ الجهود تركز على محاربة كبار المُهرّبين أينما كانوا ومَهْما كانوا، فضلا على أنّ إشراف النيابة العامة على العملية يعطيها قوة قانونية، ويصبح ممثل النيابة العامة هو المسؤول عن سلامة الإجراءات، بل إنّ القانون لا يخلع عنها حق المتابعة رغم أنّ مدونة الجمارك تحتكر هذا الحق، من منطق الحفاظ على المصالح العامّة للدولة».

news1.511812
في هذا الإطار يقول المسؤول السابق في إدارة الجمارك: «كان لدى «مُهندسي» الحملة التطهيرية هاجسُ تحصينها من أي شوائب حتى لا يُترك مجال للمشككين والباحثين عن الهفوات التي قد تسقطها في الفشل منذ بدايتها.. وهكذا تمّت الاستعانة بالترسانة القانونية الجمركية التي كانت مهيَّأة بشكل كبير لعملية من هذا القبيل، ولعلّ أبرز نص اعتمدت عليه اللجن المحلية لمكافحة التهريب في عملها كان يتعلق بالفصل 181-1 من مدونة الجمارك (الباب الثالث المتعلق بقواعد المطبقة بمجموع التراب الجمركي على بعض البضائع) والذي أدخل عليه تعديل ضمن قانون المالية لسنة 1995، الصادر في الجريدة الرسمية عدد 4287 مكرر، بتاريخ 31 دجنبر 1994، حيث نصّ على أنه «يجب على الأشخاص الموجود بحوزتهم البضائع الخاضعة للرسوم والضرائب عند الاستيراد أو الأشخاص الذين ينقلون هذه البضائع أن يُدلوا بمجرد ما يطلب منهم أعوان الإدارة… داخل التراب الجمركي بصفة قانونية».. بمعنى أنّ صاحب السلعة يكون مُلزَما بأن يقدّم وثائقه عند أول طلب من طرف أعوان الجمارك، وفي حال تعذر عليه ذلك فالقانون يعتبره مُهرِّبا.. ولهذا كان من السهل تبرير اعتقال المئات من التجار رغم أن الكثيرين قدّموا وثائقهم، سواء أمام المحققين أو خلال جلسات محاكمتهم.. وباستثناء حالات قليلة كانت فيها لدى بعض القضاة الجرأة للاجتهاد، فقد قررت الأغلبية إدانة المعنيين بالأمر بالغرامة والسّجن النافذ، من خلال التنفيذ الحرْفيّ لما ينصّ عليه الفصل المذكور».
ويختم المصدر حديثه قائلا: «حتى القضاة لم يكونوا مُستعدّين للاجتهاد في هذا المجال، دفعا لأي مسائلة مُحتمَلة، ولهذا جاءت الأحكام قاسية والغرامات خيالية، لكنّ كل هذا كان يجد له تبريرا في النص القانوني المُعتمَد، والقضاة أو ممثلو النيابة العامة كانوا يطبقون حرْفيا ما ينصّ عليه القانون».

البصري يهدد “باعتقال” 4500 من رجال الأعمال

مع توالي الأسابيع، وتواصل الاعتقالات والمحاكمات طيلة النصف الأول من سنة 1996، بدأت الاختلالات تطفو على السطح، وبدأ الجميع يعُون أنّ الأمور خرجت عن المسار المرسوم لها، خاصة أن البصري أحكم قبضته بشكل كلي على الملف، ولم يعد أحد يجرؤ على الاقتراب منه، كما برزت أدوار خفية لعبها عدد من الولاة والعمال، أبرزهم عبد العزيز العفورة، عامل عمالة عين السبع -الحي المحمدي، في توجيه دفة الحملة لخدمة أجندات غير معلنة. وبدأ الكثيرون يتحدّثون عن استغلال اللجن المحلية لمحاربة التهريب من أجل «تصفية حسابات شخصية» مع عدد من رجال الأعمال.. بل إنّ عددا من اليوميات الحزبية والأسبوعيات «المُستقلة» بدأت تأخذ مسافة من الرواية الرسمية التي تُنقل إليها، بعدما كان الجميع «منخرطين» في الجوقة ويُحسنون التطبيل للقرار الحكوميّ ولتحركات رجُل الشاوية..
يقول عبد الرحمن أمالو في هذا الصدد: «لم يؤدّ العمال واجبهم على أكمل وجه، ووجد فيها العديدُ منهم فرصة مواتية لتصفية حساباتهم والاغتناء غير المشروع.. فالحملة انطلقت في بدايتها على أساس حماية مصالح الدولة، ولكنها انحرفت عن مسارها، والآن أطرح -بدوري- سؤالا: هل كان البصري على علم بما يفعله عمّاله؟ وجوابي هو أنّ البصري لم يكن، وهو يملك ثروة كبيرة، في حاجة إلى نسبة من ملايين السنتيمات التي كان يستخلصها بعض العمال لغضّ الطرف عن بعض رجال الأعمال، وهي المَبالغ التي كانت تتراوح بين 30 و70 مليون سنتيم، ومنهم أناس يُخيَّل إليك حين تلتقيهم أنك أمام أنبياء وصالحين»..
يؤكد هذا المعطى عضوُ اللجنة المحلية في شهادته
بقوله: «لقد تم استغلال اللوائح التي يتوفر عليها العمال والولاة بشكل كبير لتصفية الحسابات، وهي اللوائح التي كانت غيرَ قارّة، وكانت تتغير تبعا ل«الظروف»، وهذا دليل على أنّ العملية صارت تشهد تلاعبات وتحتكم إلى منطق الولاءات ومن يدفع مقابلا لكي لا تطاله زيارات اللجان.. وأذكر أنه خلال تلك الأيام كنا نسمع عن لجوء العديد من رجال الأعمال والتجار إلى أداء مَبالغ تصل إلى عشرات الملايين من أجل أن «تختفيّ» أسماؤهم من اللوائح، حتى أن كثيرين لم تكن أسماؤهم واردة أبدا دفعوا فقط ليكسبوا حماية بعض العمال والولاة، وهي الوضعية التي استفاد منها ضباط شرطة ودرك ومسؤولون في الإدارة الترابية ممّن استغلوا سلطتهم ليصيروا «أغنياء الحملة»..
هنا ينتصب سؤال جديد هو: هل كان الحسن الثاني على علم بما يحيكه وزيره في الداخلية في جنح الظلام ضد الكثيرين؟ أم إن التقارير التي كان تنقل إليه كل مساء كانت تتحاشى الخوض في التفاصيل؟ ولماذا صمّ الحسن الثاني أذنيه عن سماع شكايات عدد كبير من الشخصيات التي حاولت إسماعَ صوتها وكشْفَ ما يقوم به البصري، ومن بين هؤلاء مستشاره عبد الهادي بوطالب، الذي لم يجد بُدّا من إخبار الملك، في اجتماع حضره وزير المالية محمد القباج وحسن أبو أيوب وزير الفلاحة حين قال له: «نِعْمَ ما فعلته جلالتكم، فالتطهير مَطلب شعبيّ مشروع، والمغرب كله يؤيدكم، ولكنْ ينبغي أن يتولى التطهيرَ من يداه طاهرتان!»..
يقول النقيب محمد زيان، في تعليقه على هذه المسألة: «كان البصري يُخبرني أنه على علم بالمآل الذي ستؤول إليه الأمور، وأنه واعٍ كلَّ الوعي بأبعاد وعواقب الحملة مستقبلا، وكان يُشدد عليَّ أن أكفّ عن التعبير عن مواقف ضد الحملة، وللأسف فعوض أن ينقل إلى الحسن الثاني الحقيقة وأن الأمور قد تقود البلاد إلى الخراب، كان يسوق له معطيات مغلوطة ويكرّر ما يقوله جطو والقباج والآخرون ممن يعتقدون أنّ الحملة ستملأ خزينة المملكة ب80 مليار دولار»..
لغز الرقم 4500..
الاثنين، 12 فبراير.. ثلث أعضاء الحكومة، يتقدّمهم الوزير الأول عبد اللطيف الفيلالي، وإلى جانبه وزير الداخلية وباقي أعضاء اللجنة الوطنية لمحاربة التهريب، يحلون بمقرّ المجموعة الحضرية للدار البيضاء.. كان الاجتماع في الأصل مُخصَّصا لتدارُس آثار الفيضانات والمشاكل التي تتخبط فيها المدينة الاقتصادية، لكنّ جدول الأعمال سيتغير في آخر لحظة، وسيتم إدراج موضوع الحملة التطهيرية وتداعياتها على الاقتصاد الوطني.. وهو ما اعتُبر حينها محاولة من الحكومة لتهدئة الأوضاع وبعث الطمأنينة في الأوساط المالية والاقتصادية التي زلزلتها المحاكمات والاعتقالات الجارية..
القاعة مكتظة عن آخرها، وعدد رجال الأعمال الذين حضروا الاجتماع يفوق 400 شخص.. كان الفيلالي أولَ المتحدثين، رغم أنه لم يأتِ بجديد وظلّ يكرر كلاما مفاده أنّ «الحكومة مستعدة لفتح حوار مع رجال الأعمال وأنها لا تعتبرهم مُهرِّبين، وأن الملك يدعو إلى تهدئة النفوس، ولا مجال لخلق جو من التشويش الذي سيكون له أثر سلبيّ».. كلام عامّ لم يكن أغلب الحاضرين مقتنعين بجدواه.. بعد ذلك، تناول البصري الكلمة، مستعملا أسلوبا عنيفا نسف كلّ محاولات الفيلالي لإشاعة جو من الثقة، إذ توجّه إلى رجال الأعمال الحاضرين بخطاب مباشر وقال: «جئنا لنبلغكم أنّ التطهير سيستمر في جميع المرافق وباحترام للقانون، والأمر ليس سهلا ولكنه متشعب وسنجلس إلى كل من يعنيهم الأمر».. وحتى قبل أن يتمكن الحاضرون من استيعاب رسائله قال رجل الداخلية القوي، بأسلوب لا يخلو من تهديد: «هادْ الهيْلالة كلها على 17 واحْدْ»، مضيفا أنّ الداخلية تتوفر على قائمة تضمّ 4500 شخص يتعاطون التهريب».. وهو ما كان كافيا ليؤجّج الغضب في أوساط الحاضرين ويرسم علامات الاستفهام والدهشة حتى على وجوه الفيلالي وباقي الوزراء الحاضرين..
يقول قيادي في الاتحاد العام لمقاولات المغرب في تلك الفترة، كان حاضرا في هذا الاجتماع، «هناك كثيرٌ من التفاصيل الدقيقة المرتبطة بهذه الواقعة لم يطلع عليها إلا قلة قليلة، إذ لم يكن موضوع الحملة التطهيرية مُبرمَجا أصلا، وهو ما تم من خلال اتصالات آخر لحظة.. ولأنّ قياديي الاتحاد كانوا يعتبرون أنّ البصري سبب كل هذه البلاء، فقد فرضنا ألا يترأس اللقاءَ، وهكذا تكلف الفيلالي بالأمر»..
ويتابع المصدر ذاته قائلا: «بقينا مجتمعين في الليلة التي سبقت اللقاءَ إلى حدود الرابعة صباحا من أجل صياغة الكلمة التي سيُلقيها عبد الرحيم الحجوجي ويشرح فيها موقف الاتحاد من الحملة، لكنّ تدخل البصري أعادنا إلى نقطة البداية.. ويتذكر الكل كيف عجز الحجوجي عن التحكم في أعصابه وأعاد كلمته المكتوبة إلى جيبه، وقال مخاطبا البصري إنّ رجال الأعمال هم من سيذهبون إلى منزله لتطهيره.. وهو ما لم يكن البصري ليهضمَه لأنه حاول لاحقا اعتقال بعض رجال الأعمال الحاضرين في اللقاء»..
هل كان البصري واعيا بما بدر منه حين كشف توفر الداخلية على قائمة ب4500 شخص يُنتظر أن يطالهم الاعتقال والمحاكمة، أم كان مجرّدَ كلام أطلقه ليعيد ضبط الأمور ويوصل رسالة واضحة إلى أولئك الذين تجرّؤوا على تحدّيه إلى درجة أن يفرضوا عدم ترأسه الاجتماع؟..
يقول وزير العدل، الذي كان من بين الحاضرين في المنصة، في روايته للواقعة: «بعدما كشف البصري الرقمَ أمام الحاضرين، تبادلتُ أنا والفيلالي نظرات الاستغراب، فسألني إنْ كنت على علم بالأمر، فأجبته بالنفي، فما كان منه إلا أن اتصل بالراحل الحسن الثاني من مكتب الوالي ونقل إليه ما صدر عن وزير الداخلية.. وبعدها تلقيت اتصالا من الملك يأمرني باللحاق به في مكتبه، فسألني عن الأمر فقلت إنني لا أعلم شيئا عن هذا الرقم وأخبرته أن البصري كان يستفرد بالأمور ولا يُشرك فيها أحدا، فما كان منه إلا أن قال بالفرنسية: «Mais c’ est un chiffre quand même».. وحينها تأكد لي أنّ البصري كان يقود الأمور بنفسه دون حتى الرّجوع إلى من له الأمر كله..
«كانت حادثة الدار البيضاء نقطة تحول كبيرة في القضية»، يقول القيادي في الاتحاد العام للمقاولات، لأنّ الحسن الثاني، الذي تدهورت حالته الصحية كثيرا، بدأ يقتنع بأنّ البصري «خدعه»، وبأن أسلوب تدبير الحملة سيقود البلاد إلى الأسوأ، لكنه كان يرفض أن يقول المغاربة إنّ الحسن الثاني فشل في العملية برمّتها، وهو المعروف عنه أنفته، بدليل أنه استقبلنا في قصره في الرباط كأعضاء مكتب الاتحاد، في لقاء «فرضْنا» فيه عدم حضور إدريس البصري، وحضر مكانه كلٌّ من إدريس السلاوي وأندري أزولاي.. وطيلة الساعتين التي قضينا في «ضيافة» الملك استمرّ في توبيخنا وعتابنا بل حتى سبّنا، دون أن يترك لأي منا فرصة شرح موقفنا.. وكلما حاول أحدنا الكلام كان يقاطعه بنرفزة ظاهرة.. وأتذكر أنه قال لنا «إنّ مدير جمارك شيراك أخبره أن الديوانة عندنا فاسدة، وأن مسؤولي عدد من الدول يتحدّثون عن مظاهر الفساد في دواليب الإدارة»..
بعد ذلك، يضيف المصدر ذاته: «استقبلنا الملك في اجتماعين، كان آخرهما معلنا ونقلت تفاصيلَه وسائلُ الإعلام الرسمية، وتم يوم 25 مارس 1996، وفيه ألقى خطابا تحدّث عن ميثاق جديد بين الدولة وبين الاتحاد العام للمقاولات كإطار يجمع رجال الأعمال، ومما شدّد عليه أنّ الحل ليس في شنّ حملة، بل بإصلاح مؤسسات الدولة وتحصينها، وهذا من شأنه أن يقلل مظاهر الفساد المستشري في دواليب الإدارة».
كان اللقاء الأخير الذي جمع الحسن الثاني بمكتب الاتحاد بداية لانفراج الأزمة العميقة التي خلفتها «حْرْكَة» البصري، لكنّ هذا لم يكن إلا الجزء الظاهرَ من الأمر، وكان واضحا أن الحسن الثاني بدأ يعي خطورة الوضع، بدليل الأزمة الخانقة التي شهدها ميناء الدار البيضاء، حيث تكدست فيه الحاويات بالآلاف بسبب رفض أصحابها سحبها خوفا من المتابعة، إذ بلغ عددها، إلى حدود منتصف فبراير، 6 آلاف حاوية، منها 4000 للاستيراد، في وقت لا تتسع محطة التخزين -في أحسن الأحوال- إلا ل4500 حاوية، منها 2000 للاستيراد.. وإضافة إلى أزمة الحاويات، توالت تحذيرات السلطات المالية من خطر التراجع المهول لمداخيل اليومية للميناء، الذي يُعدّ من الروافد الأساسية لخزينة الدولة، إذ تقلصت إلى ما دون 3 ملايير سنتيم، في وقت كانت تُسجَّل ما بين 5 و6 ملايير سنتيم قبل إطلاق الحملة.. ويضيف المصدر ذاته: «الأخطر من ذلك هو أنّه قد تأكد للحسن الثاني أنّ مخزون الحبوب المتوفر في المطاحن لم يعد يكفي سوى لبضعة أيام على أقصى تقدير.. ولهذا لم يجد بُدّا من اتخاذ قراره النهائي بتوقيف الحملة، عبر إعطاء أوامره إلى وزير الداخلية وباقي أعضاء اللجنة الوطنية للتهريب بعقد لقاءات ماراثونية مع ممثلي رجال الأعمال، وهي اللقاءات التي كانت تعرف تشنّجات ولحظات توتر، حتى إنه في أحد اللقاءات ظل محمد القباج يضرب الطاولة ويصرُخ في وجه البصري ويُردّد: «خْرجتي عْلينا» إلى أن أغميّ عليه»..
خلصت الاجتماعات التي أمر الحسن الثاني بعقدها في النهاية إلى حلّ اللجن المحلية لمحاربة التهريب، وتمخّضت عنها، لاحقا، صياغة نص العفو الملكي الشامل، الذي استفاد منه جميع المعتقلين بتاريخ 16 أكتوبر 1997، ليُسدَل بذلك الستار على حكاية حملة تطهير كاد «رجُل الشاوية» أن يرسم لها نهاية مأساوية»..