أمين يدق ناقوس الخطر حول “مشروع القانون التكبيلي للإضراب”

مشروع القانون التكبيلي للإضراب
إما أن نتحد لإسقاطه أو أنه سيكبل العمل النقابي

إهداء إلى أرواح شهدائنا من صفوف طبقتنا العاملة، الذين سقطوا بالدار البيضاء في الإضراب العام ليوم 8 دجنبر 1952، الذي نخلد اليوم ذكراه الخامسة والستين (65) في أوج الهجوم الشرس والحاقد على طبقتنا وعلى حقها المقدس في الإضراب وفي التحرر من الاستبداد المخزني والاستغلال الرأسمالي.

عبد الحميد أمين
I) تقديم عام:
+ صادق المجلس الوزاري، يوم 26 شتنبر 2016، على “مشروع القانون التنظيمي رقم 15 – 97 بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب”. وبعد ذلك مباشرة، وكآخر خدمة جليلة قدمتها حكومة بنكيران للمخزن وللرأسمالية المتوحشة ببلادنا، ثم إحالته قصد المناقشة والمصادقة على البرلمان الذي لن يتردد، نظرا لطبيعته كأداة طيعة بيد الرأسمالية المتوحشة والمخزن، في المصادقة عليه بعد إدخال تعديلات مع الحفاظ على جوهره.
+ لقد سبق لي في 28 يوليوز الماضي، يوم اجتماع مجلس الحكومة لتدارس مشروع “القانون التنظيمي للإضراب” أن أصدرت مقالا، بعنوان “لنستعد للتصدي للقانون التكبيلي للإضراب”، يحلل المشروع الذي بعثه الأمين العام للحكومة يوم 19 يوليوز 2016 لسائر الوزراء والوزيرات قصد مناقشته في مجلس الحكومة ليوم 28 يوليوز الذي صادق عليه بعد اقتراح بعض التعديلات قبل أن يطرحه لمناقشة ومصادقة المجلس الوزاري.
+ وكانت آخر فقرة لتلك المقالة كالتالي:
<< في الخلاصة، يتضح من كل ما سبق، أن الدولة والباطرونا لا تسعيان نهائيا لإصدار قانون تنظيمي للإضراب من أجل ضمان ممارسته قانونيا، وإنما من أجل تكبيل هذا الحق، وعرقلة ممارسته، والحد من فعاليته في حالة التمكن من اللجوء إليه، مع العلم أن الإضراب هو وسيلة نضالية أساسية للدفاع عن مكاسب وحقوق الشغيلة التي أصبحت تهاجم بعدوانية غير مسبوقة.
لذا، فالمطلوب من مركزيتنا الاتحاد المغربي للشغل ومن الحركة النقابية العمالية المغربية بصفة عامة، ومن التنسيق النقابي قيادة وقواعد بصفة خاصة، ومن مجموع القوى التقدمية الغيورة على مصالح الطبقة العاملة :
ــ فتح نقاشات واسعة ومعمقة حول مساوئ مشروع القانون التكبيلي للإضراب بالنسبة لممارسة هذا الحق الدستوري والإنساني.
ــ تحديد خطة موحدة لمواجهته تتضمن بالخصوص رؤيا موحدة، أولا للشروط التي يجب توفيرها قبل الشروع في مناقشة أي مشروع للقانون التنظيمي، ثانيا لما يجب أن يتضمنه أي قانون تنظيمي ولما يجب استبعاده.
ــ وضع خطة نضالية لمواجهة إصرار المخزن وحكومته الرجعية على تمرير القانون التكبيلي كما أصر على تمرير مخطط الثالوث الملعون في مجال تقاعد الموظفين . وسيكون من الإيجابي أن يربط النضال ضد القانون التكبيلي للإضراب بالنضال من أجل التراجع عن المخطط التخريبي لنظام التقاعد.
إن النضال الوحدوي والحازم وحده يمكن أن يؤدي إلى التصدي بنجاح لمشروع القانون التكبيلي للإضراب. فلا حق لنا في التردد، لأن عدم خوض المعركة أو الفشل فيها سيشكل هزيمة تاريخية للطبقة العاملة المغربية وانتكاسة بالنسبة للحركة النقابية العمالية المغربية بكل مكوناتها.
ولابد من التذكير بالموقف الكفاحي الرائع لمركزيتنا ضد مدونة الشغل في صيغتها الأولى وبالمعركة الدامية ليوم 17 أبريل 1995 أمام مقر الاتحاد بالرباط التي أدت إلى سحب مشروع المدونة من البرلمان وفتح حوار جديد بشأنها.>>
واليوم وبعد تقديم المشروع المعدل للبرلمان، قررت كتابة مقال نقدي جديد، سيتضمن بالضرورة جل العناصر الواردة في مقالي السابق بتاريخ 28 يوليوز الأخير، مع تحيينها طبعا وفقا للمعطيات الجديدة.
+ لقد اعتبرت، عند تحليلي للمشروع المقدم لمجلس الحكومة أننا أمام أسوء مشروع من ضمن مشاريع القانون التنظيمي لحق الإضراب التي جهزتها الحكومات المتتالية منذ أكتوبر 2001. إلا أن المشروع الصادر عن المجلس الوزاري أضاف مقتضيات تراجعية جديدة فاقمت الطابع التكبيلي والزجري للإضراب الذي أصبح بعد إدخال العقوبة بالسجن مباشرة امتدادا للقانون الجنائي.
وإن دراسة خاصة ــ لن أقوم بها هنا ــ للتراجعات التي عرفها المشروع المقدم لمجلس الحكومة مقارنة مع المشروع الصادر عن المجلس الوزاري المعروض على البرلمان تبين مدى الشراسة التي تعامل بها هذا الأخير مع حق الإضراب.
فشكرا جزيلا من الباطرونا المتوحشة للمجلس الوزاري على حسن العناية بمصالحها وعلى هذا المشروع الذي فاق في مضمونه كل طموحات الباطرونا المتجسدة في مشروعها الخاص الذي قدمته للبرلمان في مطلع 2016.
+ إن التراجعات التي حملها مشروع القانون التكبيلي في صيغته المقدمة للبرلمان لا تفاجئ أحدا عندما نضعها في سياق التراجعات المتتالية التي عرفتها البلاد بعد خفوت حركة 20 فبراير في نهاية 2011 ومجيئ حكومة بنكيران، حيث عاشت بلادنا هجوما عدوانيا قل نظيره على الحريات وعلى مكتسبات وحقوق الشغيلة وعموم الجماهير الشعبية تجسد بالخصوص في:
ـ رفض تطبيق عدد من مقتضيات اتفاق 26 أبريل 2011 وفي مقدمتها توحيد الحدين الأدنى للأجور في الصناعة والفلاحة، إحداث الدرجة الجديدة بالنسبة للموظفين، التعويض عن العمل في المناطق النائية والصعبة، مراجعة أو إلغاء الفصل 288 من القانون الجنائي، والمصادقة على الاتفاقية 87 لمنظمة العمل الدولية حول الحريات النقابية.
ـ تجميد الأجور والمعاشات، مع إطلاق العنان لارتفاع الأثمان وكلفة المعيشة، بعد أن تم تقليص دور صندوق المقاصة.
ـ الهجوم على الحقوق النقابية وفي مقدمتها الحق في التنظيم والحق في التفاوض الجماعي والحق في الإضراب (الاقتطاع من أجور الموظفين المضربين عن العمل).
ـ ضرب استقرار العمل في القطاع الخاص (تشجيع العمل المؤقت وشركات السمسرة في اليد العاملة والعمل بالمناولة) والعام (مرسوم التنقيل في العمل من قطاع لآخر ومن منطقة لخرى والمرسوم المشؤوم للعمل بالعقدة في الوظيفة العمومية).
ـ القمع والظلم المسلطين على فئات واسعة من رجال ونساء التعليم.
ـ الهجوم على مكتسبات الموظفين المرتبطين بالصندوق المغربي للتقاعد عبر إجراءات ما سمي بالثالوث الملعون المتجسد في مصادقة البرلمان بغرفتيه في 28 يونيه و13 يوليوز على رفع سن التقاعد ورفع الاقتطاع من أجور الموظفين/ات وتخفيض قيمة المعاشات.
ـ القمع والاعتقالات والمتابعات والمحاكمات الجائرة الذين واكبوا حراك الريف المجيد وحراك زاكورة والحراكات الشعبية الأخرى.
وها هي الحكومة المخزنية تستعد، كتتويج لهجومها على الشغيلة، لتمرير القانون التكيبلي للإضراب رغبة في تحقيق انتصار تاريخي على الطبقة العاملة عبر تكبيل حق الإضراب وتمييعه وتجريده من حمولته النضالية وقوته الضغطية.

II ) بعض التوضيحات الأساسية قبل التمحيص في مضمون مشروع القانون التكيبلي للإضراب
1/ في بداية أكتوبر 2001، أصدرت وزارة التشغيل أول مشروع للقانون التنظيمي للإضراب وهو المشروع الذي كان يهم القطاع الخاص والإدارات العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية. بعد ذلك أصدرت نفس الوزارة مشاريع أخرى كان آخرها هو الذي بعثه الأمين العام للحكومة لسائر الوزراء والوزيرات يوم 19 يوليوز 2016. وقد قامت منظمة الباطرونا (CGEM) من جهتها في مطلع هذه السنة ببلورة مقترح للقانون التنظيمي للإضراب وبعثه للجهات المعنية. وهذا المقترح لا يختلف من حيث الجوهر عن مشروع وزارة التشغيل لمارس 2012 وعن المشروع الأخير لـ 19 يوليوز 2016، مما يؤكد أن الباطرونا والحكومة متناغمتان في رؤيتهما للتشريع في مجال الشغل وخاصة في مجال حق الإضراب. وطبعا فإن آخر مشروع هو “مشروع قانون تنظيمي رقم 97.15 بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب” المقدم للبرلمان والذي يشكل موضوع هذا المقال.
2/ بالنسبة لقيادة الاتحاد المغربي للشغل، فقد سبق لها بمجرد التوصل بالمشروع الأول للقانون التنظيمي التكبيلي للإضراب أن أصدرت في 10 أكتوبر 2001 “بيانا حول حق الإضراب” تضمن موقف المركزية المبدئي من المضمون المفترض لأي قانون تنظيمي لحق الإضراب يخدم مصالح الشغيلة. ومنذ ذلك الحين ظلت المركزية تؤكد نفس الموقف الرافض لسائر مشاريع القانون التنظيمي المتتالية مع “دعوة الطبقة العاملة المغربية في كل القطاعات إلى التصدي لهذا المشروع بكل الوسائل النضالية حماية لحق الإضراب”.
3/ إن حق الإضراب، كجميع الحقوق العمالية، مكسب للطبقة العاملة على المستوى الدولي وعلى المستوى الوطني، جاء نتيجة لنضالات مريرة ولتضحيات جسيمة. ولم يتم الاعتراف به في البلدان الصناعية إلا بعد ممارسته بعشرات السنين؛ وأصبح حق الإضراب من الحقوق الأساسية للشغيلة ولمنظماتهم قبل أن يصبح حقًا من حقوق الإنسان معترف به في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المادة 8، الفقرة د) المصادق عليه من طرف الأمم المتحدة في دجنبر 1966. وللتذكير فإن المغرب قد صادق على هذا العهد الذي أصبحت مقتضياته ملزمة لبلادنا منذ غشت 1979.

4/ في المغرب، إن حق الإضراب هو حق دستوري منذ الدستور الأول لعام 1962 إلى الدستور الأخير لفاتح يوليوز 2011. ورغم ذلك فإن هذا الحق ظل غير محمي قانونيًا؛ على العكس من ذلك إن التشريع المغربي والنصوص التنظيمية يتضمنون عددًا من المقتضيات الزجرية لممارسة حق الإضراب، وأهمها:

+ الفصل 288 من القانون الجنائي:

ــ ينص هذا الفصل على ما يلي: “يعاقب بالحبس من شهر إلى سنتين وبغرامة مائة وعشرين إلى خمسة آلاف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط مَنْ حمل على التوقف الجماعي عن العمل أو على الاستمرار فيه أو حاول ذلك مستعملاً الإيذاء أو العنف أو التهديد أو وسائل التدليس متى كان الغرض منه هو الإجبار على رفع الأجور أو خفضها أو الإضرار بحرية الصناعة أو العمل. وإذا كان العنف أو الإيذاء أو التهديد أو التدليس قد ارتُكب بناءً على خطة متواطئ عليها، جاز الحكم على مرتكبي الجريمة بالمنع من الإقامة من سنتين إلى خمس سنوات”.

ــ لقد شكل الفصل 288 من القانون الجنائي السلاح الأساسي لأرباب العمل من أجل مواجهة الإضراب. وقد ذهب آلاف الأجراء للسجون أو فقدوا عملهم نتيجة هذا الفصل المشؤوم الذي ظل دومًا يطبق على العمال دون أن يطبق على المشغلين المنتهكين والمعرقلين لحرية العمل بالنسبة للأجراء.

+ الفصل الخامس من مرسوم فبراير 1958 حول “ممارسة الموظفين للحق النقابي”. ويجرم هذا الفصل العمل النقابي بالنسبة للموظفين بتنصيصه على ما يلي: “كل توقف عن العمل بصفة مدبرة وكل عمل جماعي أدى إلى عدم الانقياد بصفة بينة تمكن المعاقبة عنه علاوة على الضمانات التأديبية ويعمم هذا على جميع الموظفين”.

+ ظهير 13 شتنبر 1938 المتعلق بتسخير الأجراء في فترة الحرب وهو القانون الذي اعتمدت عليه السلطات لإجبار الأجراء على العمل حتى في فترة السلم. وقد تم استعماله على سبيل المثال ضد عدد من السككيين المضربين عن العمل في ماي 1995.

5/ أما على مستوى الممارسة فقد دأبت الباطرونا والسلطات الحامية لمصالحها على اتخاذ عدد من التدابير لعرقلة وقمع الحق الدستوري في الإضراب أبرزها:

ــ طرد العمال المضربين بافتعال أخطاء جسيمة وفقًا للفصل السادس من النظام النموذجي الذي كان معمولاً به قبل مدونة الشغل (وللفصل 39 من المدونة بعد صدورها)، وأحيانًا باعتبارهم مضربين فقط، كأن الإضراب ممارسة إجرامية.

ــ تشغيل عمال جدد مكان العمال المضربين.

ــ تسخير العمال وإجبارهم على العمل.

ــ تهريب السلعة من المؤسسة الموجودة في حالة إضراب إلى مؤسسة أخرى حتى لا يكون للإضراب أي جدوى.

ــ إغلاق المؤسسة خارج نطاق القانون في وجه العمال المضربين.

ــ تسخير ميلشيات لتكسير الإضراب بالعنف.

ــ تدخل السلطات ضد المضربين خاصة عند قيامهم باعتصام داخل أو خارج المعمل…

6/ إن الحركة النقابية لا يمكن من حيث المبدأ أن تكون ضد وضع قانون تنظيمي لضمان ممارسة حق الإضراب، لكن شريطة خلق الشروط المناسبة لممارسة هذا الحق (وهو ما نستبعد حصوله في الظرفية الراهنة) وأن يؤدي هذا القانون إلى ضمان ممارسة هذا الحق الإنساني والدستوري بعيدًا عن الانحياز الطبقي المعهود لصف الباطرونا.

أ) وانطلاقا من أدبيات الحركة النقابية العمالية، ومن البيان الصادر عن الاتحاد المغربي للشغل في 10 أكتوبر 2001 بالخصوص، يمكن اعتبار أن الانتظارات الأساسية للنقابيين المدافعين عن حقوق العمال من قانون تنظيمي لضمان ممارسة حق الإضراب تتجسد في المقتضيات الرئيسية التالية:

ــ التأكيد على أن حق الإضراب حق من حقوق الإنسان وحق دستوري وحق أساسي للشغيلة ولمنظماتها النقابية على مستوى المقاولة والمنطقة والقطاع وعلى المستوى العام والوطني.

ــ ضمان حق الإضراب لأجراء القطاع الخاص والقطاع العمومي وشبه العمومي على السواء وأنه لا يمكن الحد منه إلا بالنسبة لفئات محدودة ومحددة في أوضاع مرتبطة بممارسة سلطة الدولة (القوات المسلحة مثلا).

ــ ضمان حق الإضراب لفئات الشغيلة الأخرى (تجار صغار ومتوسطين، حرفيين، أصحاب الطاكسيات والشاحنات، فلاحين كادحين،…) وللطلبة والتلاميذ.

ــ الإقرار بمشروعية الإضرابات التضامنية وقطع الطريق أمام الحكومة والسلطة الإدارية لمنع اللجوء إلى الإضراب خارج نطاق القضاء العادل، المستقل والنزيه والكفئ .

ــ توضيح مفهوم “عرقلة حرية العمل” حتى لا يفهم الإضراب في حد ذاته كعرقلة لحرية العمل.

ــ منع ومعاقبة تشغيل أجراء من خارج المؤسسة أثناء الإضراب.

ــ التأكيد على إمكانية اللجوء لتدابير المصالحة والتحكيم المنصوص عليها في مدونة الشغل من أجل حل النزاعات الجماعية مع احترام شرط أساسي هو أن لا تعرقل أو توقف تلك التدابير الممارسة الفعلية والفاعلة لحق الإضراب.

ــ إمكانية اتخاذ التدابير المتعلقة بمهلة الإشعار بالإضراب وبالخدمات الدنيا أثناء الإضراب على مستوى القطاعات المهنية والمقاولات والمؤسسات في إطار اتفاقيات جماعية دون المساس بالممارسة الفعلية لحق الإضراب.

ب) كنقابيين مدافعين عن الطبقة العاملة ننتظر كذلك إجراءات مصاحبة للقانون التنظيمي لحق الإضراب حتى يكون هذا القانون مناسبًة ليس لتكبيل حق الإضراب وإنما لتطوير العلاقات المهنية والنهوض بالمفاوضات الجماعية وهو ما يستوجب بالخصوص:
+ تطبيق قوانين الشغل على علاتها باعتبار أن المصدر الرئيسي في بلادنا لنزاعات الشغل هو انتهاك المشغلين لهذه القوانين.
+ تطبيق التزامات الحكومة بشأن الحريات النقابية الواردة في اتفاقي 30 أبريل 2003 و26 أبريل 2011 وفي مقدمتها:

ــ المصادقة على اتفاقيتي منظمة العمل الدولية رقم 87 حول الحرية النقابية وتفعيل مقتضيات “الاتفاقية 151 المتعلقة بحماية حق التنظيم وإجراءات تحديد شروط التشغيل في الوظيفة العمومية” وكذا مقتضيات الاتفاقية 135 حول حماية ممثلي الأجراء وهو ما يفترض بالخصوص مقتضيات قانونية للاعتراف الصريح بدور النقابة والمكتب النقابي على مستوى المقاولة والمؤسسة العمومية وشبه العمومية والإدارات العمومية.

ــ إلغاء مقتضيات ظهير 13 شتنبر 1938 المتعلق بالسخرة.

ــ إلغاء المادة 5 من المرسوم الصادر في 5 فبراير 1958 المتعلق بممارسة الحق النقابي من طرف الموظفين.

ــ إلغاء أو مراجعة الفصل 288 من القانون الجنائي وذلك تفاديا لكل التأويلات في اتجاه تجريم حق الإضراب التي يثيرها تطبيق هذا الفصل.

ــ تعميم وزارة الداخلية لدورية على الولاة والعمال لجعل حد للممارسات التي تؤدي إلى عرقلة حرية تأسيس النقابات وتجديد أجهزتها، خاصة عبر التسليم الفوري لوصول إيداع ملفات تأسيس النقابات وتجديد المكاتب النقابية.

+ إصدار كافة المراسم التطبيقية لمدونة الشغل دون تحايل قد يؤدي إلى الإلتفاف على المقتضيات الإيجابية للمدونة.

+ الإعتراف على مستوى مدونة الشغل أو المراسيم التطبيقية بالمكتب النقابي كتجسيد للنقابة في المقاولة مع اعتبار المكتب النقابي كمخاطَب لرب العمل في إطار التفاوض الجماعي الإجباري المنصوص عليه في المدونة.
III) ملاحظات نقدية حول مشروع “قانون تنظيمي رقم 15-97 بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب” المقدم للبرلمان.
1/ مشروع القانون التنظيمي تنزيل مبتور للدستور:
تنص المادة 29 من الدستور الحالي في فقرتها الأخيرة (على غرار المادة 14 من الدساتير السابقة) على ما يلي: “حق الإضراب مضمون. وسيحدد قانون تنظيمي شروط وكيفيات ممارسته”.
والسؤال المطروح: هل تم التنزيل بشكل موضوعي للكلمات التسعة الواردة في الفقرة الأخيرة من المادة 29 ؟ قطعا لا. وهذا ما سنبرهن عليه في الملاحظات التالية:
أ/ حق الإضراب مضمون. هذا ما ورد في الدستور. كما أن مذكرة تقديم المشروع من طرف الأمانة العامة للحكومة إلى المجلس الحكومي في 28 يوليوز 2016 أكدت بدورها على ما يلي: “تتمثل الفلسفة من إعداد نص قانوني ينظم ويقنن ممارسة حق الإضراب من طرف الأجراء في ضمان هذه الممارسة وتعزيزها وليس تقييدها”. سنرى لاحقا أن العكس هو الصحيح وأن الهدف منه هو مسخ وتقييد وتكبيل حق الإضراب.
ولو كان الهدف هو ضمان ممارسة حق الإضراب لتم على الأقل إبراز ذلك في تسمية القانون نفسه بإضافة كلمة “ضمان” : “مشروع القانون التنظيمي رقم 97-15 بتحديد شروط وكيفيات ضمان ممارسة حق الإضراب”.
ب/ الفئات المستفيدة من ضمان ممارسة حق الإضراب:
+ بالنسبة للدستور، جميع الفئات معنية بهذا الحق: الأجراء، الشغيلة الآخرون الذين يشتغلون لحسابهم الخاص، (الفراشة، الباعة، المتجولون، التجار الصغار والمتوسطون، الحرفيون، الفلاحون الكادحون، أصحاب الطاكسيات والشاحنات،…) الطلبة والتلاميذ، المعطلون، الخ…
+ أما مشروع القانون (المادة 4) فإنه يحدد حصريا الفئات المستفيدة من ممارسة حق الإضراب في “الأشخاص الخاضعين لأحكام القانون رقم 65.99، المتعلق بمدونة الشغل والموظفين والأعوان والمستخدمين لدى إدارات الدولة والمؤسسات والمقاولات العمومية والجماعات الترابية ولدى كل شخص اعتباري آخر من أشخاص القانون العام” مع منع فئات متعددة من ممارسة هذا الحق، منهم من “يسهر على الأمن العام”، ومنهم من يشتغل في “المرافق الحيوية”، ومنهم من يفرض عليهم “تأمين الحد الأدنى من الخدمة”.
وللإشارة فإن هذا المشروع يعد انتكاسة حتى بالنسبة لمشروع الباطرونا المقدم في بداية السنة ولآخر مشروع لوزارة التشغيل (مارس 2012) الذي نصت مادته الثامنة على ما يلي: “يمارس حق الإضراب طبقا للمقتضيات الواردة في هذا القانون في المقاولات والمؤسسات والأنشطة الخاضعة للقانون رقم 65.99 بمثابة مدونة الشغل والمقاولات المنجمية والعمل البحري والوظيفة العمومية والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية ومن طرف المشتغلين لحسابهم الخاص”.
وهكذا فإن نفس الحكومة وفي ظرف 4 سنوات وصل بها التغول إلى درجة حرمان أجراء “المقاولات المنجمية والعمل البحري والمشتغلين لحسابهم الخاص” من الاستفادة من حق الإضراب.
أما حق الإضراب بالنسبة للطلبة والتلاميذ والمعطلين،… فلا حديث عنه داخل مشروع القانون.
ج/ يتحدث الدستور عن الإضراب بصفة عامة سواء كان عن العمل أو عن نشاط اجتماعي آخر، سواء كان جماعيا أو فرديا، سواء كان بالتناوب أو في نفس الفترة، سواء كان لسبب مادي أو معنوي أو اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي، سواء كان لمدة محددة أو غير محددة.
أما مشروع القانون فهو لا يجيز سوى الإضراب عن العمل الجماعي خلال نفس الفترة ولمدة محددة ومن أجل الحقوق والمصالح الاجتماعية أو الاقتصادية المباشرة للأجراء المضربين. وهذا يعني إقصاء الإضراب الاحتجاجي والإضراب التضامني والعديد من أشكال الإضراب الأخرى.
د/ خلاصة القول: انطلاقا من الاعتبارات السالفة واعتبارات أخرى متعددة، إن مشروع القانون التنظيمي هو تنزيل مشوه، غير موضوعي غير صادق وغير وفي لروح الكلمات التسعة الواردة في الدستور حول ضمان حق الإضراب.
وفي نظري، إن التنزيل الوفي لروح المادة 29 من الدستور كان يتطلب بالخصوص ما يلي:
+ من جهة، الصياغة التالية أو ما يعادلها للمادة الأولى من المشروع: “تطبيقا لأحكام الفقرة الأخيرة من الفصل 29 من الدستور ــ التي نصت على أن حق الإضراب مضمون، ويحدد قانون تنظيمي شروط وكيفيات ممارسته ــ يحدد هذا القانون الشروط والإجراءات التي يمكن معها ضمان ممارسة حق الإضراب بالنسبة للشغيلة المشتغلين كأجراء أو لحسابهم الخاص”.
+ من جهة أخرى، إضافة مقتضيات قانونية لفتح المجال لقانون تكميلي يضمن ممارسة حق الإضراب لغير الشغيلة (طلبة، تلاميذ، معطلين،…) ويبيح أشكال أخرى من الإضراب (عن الدراسة، عن اجتياز الامتحانات، عن الطعام،…) وبعض الأشكال النضالية الأخرى: حمل الشارة، تخفيض مردودية العمل مع الاشتغال طيلة مدة العمل القانونية،…
2/ التعريف الضيق والملغوم للإضراب:
أ/ عرّف مشروع القانون التنظيمي في مادته الثانية الإضراب كالتالي:
“الإضراب هو كل توقف جماعي عن العمل يتم بصفة مدبرة ولمدة محددة، من أجل الدفاع عن حق من الحقوق أو مصلحة من المصالح الاجتماعية أو الاقتصادية المباشرة للأجراء المضربين”.
إن هذا التعريف للإضراب يبرز لوحده أن الهدف من القانون التنظيمي هو تحجيم وعرقلة حق الإضراب وهذا ما يتضح من خلال الملاحظات التالية:
ب/ بالنسبة للشغيلة سواء منهم الأجراء أو المشتغلين لحسابهم الخاص، إن الإضراب هو توقف إرادي عن العمل؛ والمعروف عادة أنه توقف جماعي يُتفق عليه مسبقا من طرف الشغيلة. لكن الإضراب يمكن أن يكون جزئيا يهم جزءا منهم أو فئة منهم فقط، بل يمكن أن يكون فرديا. كما يمكن أن يعني مجموع الأجراء، لكن في مدد مختلفة وبالتناوب. وهذا ما يتم طمسه في تعريف الإضراب الوارد في مشروع القانون التكبيلي. وانسجاما مع ذلك فإن الفصل 12 من المشروع بمنع الإضراب بالتناوب ويعاقب على ممارسته وفقا للمادة 39.
ج/ في غالب الأحيان، يتم الإضراب لمدة محددة. إلا أن الواقع يبين أن هناك إضرابات تقرر لمدة غير محددة سواء بالنسبة للجماعة ككل أو بالنسبة لنفس الجماعة، لكن بالتناوب. في هذه الحالة، يتم ربط إنهاء الإضراب غير المحدد المدة بتحقيق هدف أو أهداف معينة.
د/ إن تعريف الإضراب الوارد في المشروع يحدد الهدف من الإضراب في الدفاع عن حق من الحقوق أو مصلحة من المصالح الاجتماعية أو الاقتصادية المباشرة للأجراء المضربين.
ــ لا بد أن نسجل هنا أن هدف الإضراب في المشروع يُقزَّم في الدفاع عن حق اجتماعي أو اقتصادي واحد أو عن مصلحة اجتماعية أو اقتصادية واحدة بدل الحديث عن الدفاع عن الحقوق والمصالح الاجتماعية والاقتصادية. ويترتب عن هذا مثلا أن الإضراب من أجل المصالح المعنوية كالكرامة.
ــ إن هدف الإضراب الوارد في المشروع يقتصر على الدفاع عن أحد الحقوق أو إحدى المصالح الاجتماعية أو الاقتصادية المباشرة للأجراء المضربين. ويترتب عن ذلك لا مشروعية الإضرابات التضامنية والإضرابات ضد سياسات معادية للشغيلة أو من أجل سياسات تخدم مصالحهم. كما يترتب عنه لا مشروعية الإضراب ضد تسريح العمال لأسباب اقتصادية أو نقابية. فعلى سبيل المثال، إن هذا التعريف للإضراب يؤدي إلى لا مشروعية الحركة الإضرابية الاحتجاجية على التحرش الجنسي ضد إحدى أو مجموعة من العاملات، ضد تزوير الانتخابات المهنية، ضد الزيادة في الأثمان وارتفاع كلفة المعيشة، ضد مقتضيات مجحفة لميزانية الدولة .
هـ/ انطلاقا مما سبق، إن تعريف الإضراب الوارد في المادة الثانية من المشروع ضيق وملغوم ولابد من مراجعته جذريا لربطه بالواقع الحالي للإضرابات وبهدف ضمان ممارسة حق الإضراب المكرس دستوريا وبتحقيق أهداف العمل النقابي الواردة في مدونة الشغل.
وقد يتم اقتراح التعريف التالي للإضراب:
“الإضراب هو توقف إرادي كلي أو جزئي عن العمل، من أجل الدفاع عن الحقوق الإنسانية للشغيلة ومطالبهم ومصالحهم الاقتصادية والاجتماعية والمعنوية والمهنية”.
هذا التعريف يربط بين أهداف الإضراب وأهداف العمل النقابي كما تعرفها مدونة الشغل نفسها، ويسمح كذلك بإضرابات من أجل مطالب تهم الشغيلة ككل أو جزءا منهم.
كما أن هذا التعريف يبرز أهمية الدفاع عن الحقوق الإنسانية للشغيلة وينسجم مع الالتزام الدستوري للدولة المغربية بحقوق الإنسان المتعارف عليها عالميا.
وللتذكير فإن المادة 396 من مدونة الشغل المحددة لأهداف النقابة، نصت على ما يلي: “تهدف النقابات المهنية … إلى الدفاع عن المصالح الاقتصادية والاجتماعية والمعنوية والمهنية، الفردية منها والجماعية، للفئات التي تؤطرها، وإلى دراسة وتنمية هذه المصالح وتطوير المستوى الثقافي للمنخرطين بها. كما تساهم في التحضير للسياسة الوطنية في الميدانين الاقتصادي والاجتماعي”.
ملاحظة هامة: إذا أردنا تعريفا أعم للإضراب يشمل مختلف أنواع الإضرابات التي تهم الشغيلة بمختلف مكوناتها وغير الشغيلة، يمكن اقتراح ما يلي: ” الإضراب هو توقف إرادي كلي أو جزئي عن العمل، أو عن أنشطة اجتماعية أخرى، من أجل الدفاع عن الحقوق الإنسانية والمطالب للشغيلة وسائر المواطنين/ات وعن مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية والمعنوية والمهنية”.
3/ بالإضافة إلى ما ورد سابقا يمكن تركيز أبرز العراقيل أمام ضمان ممارسة حق الإضراب، الواردة في مشروع القانون التنظيمي، في المقتضيات التالية:
+ لا يجوز اللجوء إلى ممارسة حق الإضراب إلا بعد إرسال الملف المطلبي وتوصل المشغل به ثلاثين يوما قبل ذلك. ويتوجب القيام خلال هذا الأجل بإجراء مفاوضات بشأن هذا الملف قصد البحث في حلول متوافق عليها. ويمكن لهذا الغرض الاتفاق على تعيين وسيط كما يمكن اللجوء للمسطرة القانونية للتصالح.
من الواضح أن هذه الإجراءات تعجيزية، وتحد من فعالية الإضراب، بحيث تسمح للمشغل بالمناورة وإعداد العدة لإفشال الإضراب قبل الدخول فيه.
+ منع بعض أشكال الإضراب، منها الإضراب المفاجئ والإضراب بالتناوب والإضراب اللامحدود، ومنع ما سمي في المشروع بالإضراب لأهداف سياسية مع العلم أن هذه الكلمة فضفاضة ويمكن أن تطلق على أي نوع من الإضرابات الوطنية والعامة والإضرابات التضامنية والاحتجاجية والإضرابات التي لا تكتسي طابعا مهنيا صرفا.
ـــ المنع القطعي للعديد من الفئات والقطاعات من ممارسة حق الإضراب بدعوى أنه لا يحق أن يشل الإضراب مصالح المواطنين ومنع الإضراب على الموظفين الذين يؤمنون سير المصالح الضرورية للعمل والمكلفين بالأمن والحفاظ على التجهيزات العامة. وهذه الفئات والقطاعات تشمل:
ـ القضاة وقضاة المحاكم المالية؛
ـ موظفو إدارة الدفاع الوطني وأفراد القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي؛
– موظفو الأمن الوطني والقوات المساعدة؛
ـ رجال وأعوان ومساعدو السلطة، وجميع فئات الموظفين العاملين بوزارة الداخلية؛
ـ الموظفون الديبلوماسيون والقنصليون؛
ـ موظفون وأعوان إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة؛
ـ موظفو وأعوان إدارة السجون وإعادة الإدماج؛
ـ موظفو الهيئة الوطنية للوقاية المدنية وجميع الفئات الأخرى العاملة بها؛
ـ موظفو وأعوان المياه والغابات حاملو السلاح؛
ـ القيمون الدينيون
ـ مراقبو الملاحة الجوية والبحرية.
+ كما لا يمكن ممارسة حق الإضراب من طرف الأشخاص الذين يتم تكليفهم بضمان حد أدنى من الخدمة في ما يسمى بالمرافق الحيوية أو الذين يتم تكليفهم بالسهر على الصحة والسلامة المهنية بأماكن العمل أثناء فترة سريان الإضراب وهذا بدعوى أنه لا يحق أن يشل الإضراب مصالح المواطنين ويمس بالصحة والسلامة.
وقد يستعمل هذا المقتضى لفرض العمل على جزء كبير من الأجراء ولإفراغ الإضراب من مضمونه كوسيلة للضغط الجماعي.
+ المشروع ترك الإمكانية مفتوحة للباطرون لتشغيل أجراء آخرين (لا ينتسبون للمقاولة أو المؤسسة) مكان الأجراء المضربين عن العمل. وهذه الإمكانية قد تتيح له الفرصة للتحايل على القانون وإحلال أجراء آخرين مكان المضربين في جميع الحالات.
+ إقرار مهلة للإخطار مبالغ فيها تصل إلى 15 يوما على الأقل في القطاع الخاص وتُحدد في 5 أيام في حالة خوض الإضراب نتيجة عدم أداء المشغل للأجور أو وجود خطر يهدد صحتهم وسلامتهم. وقد حددت مهلة الإخطار في 7 أيام بالنسبة للقطاع العام. إن هذه المهلة الطويلة تسمح للمشغل بترتيب الأوضاع للإفشال المسبق للإضراب مع العلم أن الممارسة الحالية بالقطاع الخاص تبرز أن مهلة الإخطار هي حوالي 48 ساعة عموما وأحيانا أقل من ذلك.
+ تقنين الاقتطاع من أجور المضربين على اعتبار أن مدة الإضراب هي بمثابة توقف مؤقت عن العمل وأن الاجتهاد القضائي استقر على مبدأ الأجر مقابل العمل.
ونحن نعتبر أن هذا المبدأ لا يمكن أن يكون مطلقا خاصة في حالة خوض إضرابات مشروعة وفي مقدمتها الإضراب من أجل فرض تطبيق قوانين الشغل الذي هو في الواقع واجب للدولة تخل به عندما تغض الطرف عن الانتهاكات التي تمارس من طرف الباطرونا المتوحشة. أما الاجتهاد القضائي، فهو اجتهاد للقضاء الطبقي المغربي الذي عهدنا فيه ضعف الاستقلالية والنزاهة والكفاءة.
+ فيما يخص عرقلة حرية العمل، إن الحكومة كخادمة وفية لمصالح الباطرونا لم تكتف بالحفاظ على الفصل 288 من القانون الجنائي ــ والذي يعاقب بغرامة قد تصل إلى 5000 درهم وبعقوبة سجنية قد تصل إلى سنتين سجنا نافذا، ناهيك عن إمكانية المنع من الإقامة لمدة قد تصل إلى 5 سنوات ــ بل ضمنت مشروع قانونها التكبيلي مقتضيات تعاقب من جهة المنظمة النقابية ومن جهة أخرى الأجراء المضربين على حمايتهم لحقهم في الإضراب التي قد تعتبر كعرقلة لحرية العمل تواجهها بغرامات باهظة. بل إن مشروع المجلس الوزاري المقدم للبرلمان أضاف ثلاثة مقتضيات زجرية جديدة هما توقيف الإضراب من طرف قاضي المستعجلات، وعقوبة بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر، وبغرامة تفوق كل الغرامات الأخرى ضد الإجراء، وإمكانية اللجوء لمسطرة التسخير .
+ منع ومعاقبة احتلال أماكن العمل بل حتى مداخلها والطرق المؤدية إليها أثناء الإضراب، مع العلم أن الاعتصام السلمي للأجراء أثناء الإضراب يكون مُبرّرًا ومشروعا في حالة اضطرارهم لحماية الآلات ووسائل عملهم وحماية الإضراب من بطش المشغل الذي يلجأ إلى تهريب السلعة أو إغلاق المعمل، بتواطؤ في جل الأحيان مع السلطات المحلية، ومقابل عقوبات مالية هزيلة، حتى في حالة حكم القضاء لصالح العمال.
++ إن تخويل رئيس الحكومة صلاحية منع الإضراب أو وقفه لمدة محددة في حالات معينة يسمح بعرقلة ممارسة حق الإضراب خاصة عندما يكتسي طابعا سياسيا، ليس بموجب أهدافه، ولكن بموجب حجمه وتأثيره. مثل هذا الإجراء يجب أن يدخل في صلاحيات القضاء، النزيه والمستقل طبعا.
+ هناك تعقيدات وغموض في تبليغ قرار الإضراب للمسؤولين وللسلطات المعنية قد تؤدي إلى أن يصبح الإضراب لا شرعيا نتيجة تنكر الباطرونا أوالسلطات للتوصل في الوقت المحدد وضمن الشروط المحددة للإشعار بالإضراب.
+ بالنسبة لاتخاذ قرار الإضراب، هناك تعقيدات في هذا المجال حيث أن هذه الصلاحية خولت في مشروع القانون إلى النقابات الأكثر تمثيلية التي أضيفت إليها النقابة ذات تمثيلية على الصعيد الوطني (!!) والنقابة الأكثر تمثيلية على مستوى المقاولة أو المؤسسة والنقابة التي حصلت على أكبر نسبة من مجموع عدد مندوبي الأجراء المنتخبين على مستوى المقاولة أو المؤسسة، وأغلبية المأجورين في حالة عدم وجود تمثيلية نقابية في المقاولة أو المؤسسة. وقد تضمن مشروع القانون عدد من الشروط يمكن اعتبارها تعجيزية لتوفير الشرعية للجمع العام ذي الصلاحية التقريرية للإعلان عن الإضراب .
+ بالنسبة للعقوبات في حالة الإخلال بمقتضيات القانون التنظيمي للإضراب، إن المشروع يحاول إظهار نوع من التوازن بين العقوبات الموجهة للمشغل والعقوبات الموجهة للنقابة وللأجراء. إلا أن الحقيقة الساطعة هي أن النقابة والأجراء هم المستهدفون الأساسيون من العقوبات:
ــ فبالإضافة للاقتطاع من أجور المضربين والذي سيصبح ثابتا في القانون التكبيلي، هناك إمكانية مطالبة الأجراء المضربين عبر القضاء بالتعويض عن الخسائر والأضرار التي لحقت بالمقاولة من جراء الإضراب الذي يعتبر أن ممارسته تمت بكيفية غير مشروعة. وهناك الغرامات المالية المزدوجة للمضربين/ات ولمنظمتهم النقابية والطرد من العمل. وقد تفضل المشروع الأخير وفي حالة ما يسمى بعرقلة حرية العمل بإضافة إمكانية اللجوء إلى مسطرة التسخير لفرض العمل على المضربين وكذا الأمر القضائي بوقف الإضراب والعقوبة السجنية من شهر إلى ثلاثة أشهر، دون أن نغفل الفصل 288 من القانون الجنائي الذي يحكم بعقوبة سجنية قد تصل إلى سنتين وغرامة قد تصل إلى 5000 درهم.
ــ وبالنسبة للغرامات المؤداة من طرف المشغل أو النقابة فهي ظاهريا وعموما متساوية القيمة؛ وهذا إجحاف في حق النقابة التي تقل إمكانياتها المالية بكثير عن إمكانيات المشغل.
ــ إذا أخذنا عل سبيل المثال الغرامة المؤداة من طرف المشغل الذي قام خلال مدة الإضراب بمناولة أو نقل أو ترحيل أنشطة المقاولة أو المؤسسة أو المشغل الذي أغلق المقاولة أو المؤسسة لمواجهة ممارسة حق الإضراب، فهي تتراوح بين 20.000 و50.000 درهم، في حين أن الغرامة المؤداة من طرف مجموع العمال (لنفرض أن عددهم مئة) الذين مارسوا “احتلال المعمل”، للتصدي لإجراءات الباطرونا السالفة الذكر والهادفة إلى تكسير الإضراب، فإنها تتراوح إجمالا بين 500.000 ومليون درهما!!!
ــ مثال ثاني، يبين مدى الإنحياز السافر لصف الباطرونا في مجال العقوبات: إن مشغلا يعرقل ممارسة حق الإضراب عبر تشغيل أجراء من خارج المقاولة، دون مبرر سوى الإرادة في تكسير الإضراب، يحكم عليه قضائيا بغرامة تتراوح بين 20.000 و50.000 درهم، في حين أن جزاء النقابة والأجراء، الذين يحمون إضرابهم بشكل سلمي وجماعي والذين تلفق لهم تهمة عرقلة حرية العمل، يكون كالتالي:
Ÿ النقابة تؤدي غرامة مقدارها 20.000 إلى 50.000 درهم؛
Ÿ مجموع الأجراء المعنيين بالعرقلة (لنفرض أن عددهم عشرين فقط) يؤدون غرامة تتراوح بين 100.000 و200.000 درهم؛
Ÿ حرمان جميع العمال المضربين من أجرتهم أثناء فترة الإضراب مع إمكانية طردهم كلا أو بعضا أو تسخيرهم للعمل قسرا أو اعتقالهم مع إصدار عقوبة سجنية ضدهم بموجب المادة 40 من القانون التكبيلي أو الفصل 288 المشؤوم من القانون الجنائي في حالة استمرار سريانه (المادة الأخيرة 49 تظل غامضة في هذا المجال).
+ ومسك الختام في انحياز مشروع القانون للباطرونا هو المادة 47 التي تنص على: “تؤهل السلطات العمومية المعنية لاتخاذ جميع التدابير اللازمة لحفظ النظام العام وحماية الأشخاص والأموال والممتلكات بما في ذلك العمل على فك الاعتصامات والحيلولة دون احتلال المباني وأماكن العمل والمرافق الملحقة بها، ومنع كل تجاوز يروم إغلاق مقرات العمل ومداخلها في وجه العاملين والمرتفقين. كما يمكنها، عند الاقتضاء، وخلافا للأحكام التشريعية الجاري بها العمل، اللجوء إلى مسطرة التسخير من أجل تأمين استمرارية المرافق الجهوية في تقديم خدماتها وتأمين تزويد السوق بالمواد الأساسية”.
كل هذا يعد شرعنة لاستعمال العنف السلطوي من أجل فض الإضراب أو الاعتصام كلما اعتبره المشغل والسلطة غير قانوني.
إن السلطات العمومية الطبقية توضع إذن، كليا ودون تحفظ رهن إشارة الباطرونا، كما أن القضاء الطبقي مجند في غالب الأحيان لحمايتها انسجاما مع القانون الطبقي لتكبيل حق الإضراب .
وفي الختام، لا يسعني إلا أن أؤكد خلاصة مقالي السابق في 28 يوليوز 2017، والواردة في مطلع هذا المقال مع التأكيد مجددا بأننا أمام مشروع خطير لا بد للتصدي له بكل عزيمة وحزم مستحضرين الكفاحات المجيدة للطبقة العاملة المغربية ولتضحياتها الجسيمة، خاصة منها الإضراب العام ليوم 8 دجنبر 1952 الذي شل مدينة الدار البيضاء وسقط خلاله المئات من أبناء طبقتنا العاملة تضامنا مع أشقائنا العمال التونسيين ونضالا من أجل الحرية والاستقلال.
إن التحليل السابق لمشروع القانون التكبيلي للإضراب الموضوع أمام البرلمان يظهر بجلاء أن المصادقة على هذا المشروع سيشكل خطرا كبيرا على مستقبل نضالات الطبقة العاملة وعموم الشغيلة ببلادنا.

إن الباطرونا والدولة المخزنية تريدان تمرير قانون الإضراب باسم ” سد الفراغ القانوني وإحداث توازن مزعوم بين الحق في الإضراب والحق في حرية العمل لغير المضربين وحقوق المقاولة…” .
لكنها في الواقع تسعى إلى تكبيل حق الإضراب بعدد من الإجراءات وتمييعه والحد من قوته وقدرته على الضغط على الباطرونا وعلى الدولة.
إن الدولة المخزنية تقوم بمهامها الرجعية على أحسن حال انسجاما مع مصالح البرجوازية الكبرى التابعة وملاكي الأراضي الكبار والرأسمال الخارجي وطبقا لتوجيهات المؤسسات الإمبريالية الدولية. وعلينا كمناضلين/ت نقابيين تقدميين أن نقوم بواجبنا كذلك، خدمة لمصالح طبقتنا العاملة وعموم الأجراء والشعب المغربي.
لذا فإن معركة كبرى تنتظرنا كتقدميين وتقدميات وكحركة نقابية عمالية مناضلة وموحدة. سنضطر لخوض أم المعارك للتصدي للقانون التكبيلي لحق الإضراب. إن الحركة النقابية العمالية مفروض عليها أن تنتصر في هذه المعركة؛ وما عدى ذلك معناه التلاشي والانقراض كحركة نقابية مناضلة وفاعلة.
فإما أن نتحد لإسقاط القانون التكبيلي للإضراب، وإما أنه سيكبل العمل النقابي .

الرباط في 8 دجنبر 2017