الأصالة والمعاصرة.. هل يتجه الأعيان الجدد إلى “ابتزاز” الدولة

مصطفى الفن

IMG_3375

إذا ما استثنينا حسن بنعدي أول أمين عام للأصالة والمعاصرة الذي تحدث بجرأة عالية وعالمة عن كل القضايا التي تشغل الناس داخل الحزب وخارجه، فإن ما تبقي من الحكماء (البكوري، اخشيشن، علي بلحاج والشيخ بيد الله) التزموا الصمت غير المبرر.

نعم كل هؤلاء الحكماء التزموا الصمت وتعاملوا مع هذا الحراك الجاري داخل حزبهم، الذي أسسه صديق الملك، مثل أولئك”الذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون”.

فما الجدوى من وجود حكماء داخل مؤسسة سياسية إذا لم ينطقوا بالحكمة في الوقت المناسب والمكان المناسب اتقاء لفتنة لن تصيب الذين ظلموا منهم خاصة؟

وكم وددت لو خرج بعض هؤلاء الحكماء عن صمتهم لتطويق رقعة الضرر التي تقترب يوما عن يوم من أسماء وازنة محترمة كان لها دور هام في تأسيس البام كمشروع سياسي لا كمشروع تجاري مذر للثروة و”الكاش”.

ولا أفهم مثلا كيف أن الشيخ بيد الله الذي كان قبل بضعة أسابيع ليس مع رحيل إلياس العماري فقط، بل كان مع رحيل حتى أعضاء المكتب السياسي لأن مسؤولية هذا “المأزق”، في نظره، كانت جماعية ولم تكن مسؤولية فرد..

أقول: لا أفهم كيف كان كذلك قبل أن يعود هذا القادم من الصحراء على بعد يومين فقط من انعقاد المجلس الوطني لينخرط في الدعاية الغامضة من أجل أن يعود إلياس ليقود الحزب من جديد.

وفعلا، لقد اتصل بيد الله طيلة اليومين المنصرمين بأكثر من قيادي بالحزب ليقول لهم “إن المصلحة العليا للأصالة والمعاصرة تقتضي أن يعود إلياس ليقود السفينة من جديد تفاديا لغرق جماعي قريب”.

والحقيقة أن بيد الله رجل طيب لكنه لا يتوكل على الله بالقدر المطلوب، بل هو رجل تواكلي على المخزن في كل شيء ويكره الاشتغال تحت الأضواء الكاشفة خشية أن يقال له “هيت لك”.

أو بصيغة أخرى. ما كان بيد الله ليمد يده إلى “إنقاذ” إلياس إلا لأنه يخشى أن تصل نيران “المحاسبة” إلى تلك الفترة التي دبر فيها الرئيس السابق لمجلس المستشارين شؤون البام دون أن يقوى على مواجهة تلك “الانحرافات” التي قد تكون شابت مالية الحزب في عهده.

وبالطبع، فبيد الله يعرف جيدا أن أي تحرك له في اتجاه إزاحة “العرق الريفي” من مركز الثقل داخل الحزب معناه فتح حرب “الملفات السرية” مع رموز هذا التيار الذين يتحكمون ربما في الكثير من وسائل الإعلام والاتصال والتواصل.

فهذا هو بيد الله. إنه يفكر دائما بنفسية المنهزم الذي ينتظر من الدولة أن تنتصر له في كل معاركه حتى الشخصية منها.

وربما لهذا السبب حصد بيد الله الأصفار تلو الأصفار في انتخابات 2009 عندما راهن على أجهزة المخزن في الفوز على عائلة ولد الرشيد بالصحراء في الوقت الذي كان ينبغي أن يراهن أولا على رصيده من الشعبية في هذه المنطقة التي يبدو أن أهلها لا يمثلهم أحد من أمثال بيد الله.

شخصيا لدي تقدير خاص للشيخ بيد الله الذي يوصف أحيانا برجل الدولة، لكن رجل الدولة لا ينبغي أن يتحول إلى عبء ثقيل على الدولة نفسها فيفوض لها الأمر كله.

فرجل الدولة اليوم ليس هو الذي لا يهش ولا ينش بدعوى واجب التحفظ، بل رجل الدولة هو الذي يساعد الدولة على تجاوز محنها لا أن يضيف إليها محنا أخرى.

أو دعوني أقول إن رجل الدولة هو ليس ذاك الذي ينتظر أن تنزل الحلول من “السماء”، بل هو ذاك الذي يخرج الحلول من تحت الأرض.

وإذا كان حكماء البام هم ملح هذا الحزب لأنهم جاؤوا إلى السياسة بصفاء روحي يعلي من شأن الوطن أولا، فقد كان عليهم على الأقل أن يخرجوا إلى العلن لتيواصلوا مع الناس لئلا يفسد الملح.

وذكر الله بخير فؤاد عالي الهمة مؤسس البام، الذي كان دائما يرد، بكلام ثمين، على أي شخص يشتكي كثيرا ويشتغل قليلا: “قبل أن تشتكي عليك ألا تخلي الساحة لغيرك”.

وفعلا، كيف يريد بعض هؤلاء الحكماء أن تستقيم أحوال الحزب بدون جهد وبدون تعب وبدون حضور ميداني على الساحة، بل إن بعض قادة البام يتصرفون كما لو أن مشاكل البام لا تهمهم بل تهم ربما جهات في الدولة رعت هذا المولود السياسي منذ أن رأى النور.

فهذا لا يليق وما هكذا توزن الأمور.

ثم إن إن أفعال الحكماء منزهة عن التيه خاصة مع هذه المحطة التنظيمية الخاصة بانعقاد المجلس الوطني، الذي ينتظر أن تفتتح أشغاله غدا الأحد.

فهذه الدورة من المجلس الوطني لا ينبغي التعامل معها كمحطة تنظيمية عادية لا تختلف عن محطات أخرى مماثلة، بل ينبغي التعامل مع كمحطة سياسية برهانات كبرى تدفع في اتجاه القطع مع مرحلة سياسية جعلت من البام حزبا “مكروها” من طرف فئات عريضة من المغاربة.

ولا خلاف في أن طي هذه المرحلة السياسية من تاريخ البام يمر بالضرورة عبر فتح مرحلة أخرى جديدة يكون فيها الحزب ملكا لكل أبنائه وليس ملكا لتكتل عرقي حول مشروعا سياسيا من فكرة رومانسية إلى كابوس مزعج راكمت باسمه فئة قليلة أموالا كثيرة.

وهذا ممكن إذا ما توارت هذه الفئة القليلة، قليلا، إلى الوراء لتفسح المجال لرموز النقاء داخل الحزب لكي تجرب حظها في قمرة القيادة.

وظني أن التشبث بقبح الماضي لن ينتج مستقبلا إلا قبحا مماثلا لهذا القبح في حاضر الحزب.

أوليس قبحا أن يختفي العمدة السابق لطنجة فؤاد العماري وراء مستشار ملكي ليبرر ثروته المفاجئة وفيلته الفاخرة، بل هناك حديث عن أكثر من فيلا، وهو الذي لم يكن شيئا مذكورا قبل أن يتولى عمودية هذه المدينة التي أعطته كل شيء ولم يعطها أي شيء؟

ورغم كل هذا القبح الظاهر والخفي، فإن الرجل أصبح يتحدث مؤخرا عن الضبابية وعن المستقبل المفتوح على المجهول وعن النفق المظلم الذي دخله المغرب فقط لأن شقيقه إلياس قدم استقالته من رئاسة الحزب.

ولا أريد أن أواصل الحديث عن هذا الشقيق المدلل لأن شهاداته المشكوك فيها وملفاته في تدبير طنجة تحتاج إلى مقالة مستقلة بذاتها دون أن يعني هذا أني أتهمه في ذمته المالية لكنه مطالب بأن يشرح للمغاربة هذا النعيم المفاجئ الذي ظهر عليه حتى قيل إنه اشترى فيلا بمبلغ فاق 750 مليون سنتيم.

وبالتأكيد سيظل هذا القبح متواصلا إذا ما ظل هذا العرق الريفي يسود ويحكم داخل البام وخارجه، بل سيتواصل الاغتناء غير المشروع باسم الدولة ما لم يملأ الساحة رموز النقاء داخل هذا الحزب. وما أكثرهم.

وليس شقيق إلياس هو الذي يتحدث عن الكساد الذي ينتظر المغرب بعد رحيل شقيقه، بل حتى بعض الأعيان الجدد داخل هذا الحزب من أمثال بنعزوز والحموتي والمحارشي وبنشماش لم يتقبلوا أن تكتب الصحافة عن ثرواتهم المفاجئة.

فالبعض من هؤلاء الأعيان الجدد راحوا يقطرون الشمع على أجهزة الدولة ويلومونها ليس فقط لأنها “تسرب” أخبارهم إلى الصحافيين، وإنما ل”أنها لم تعد تحميهم الحماية اللازمة”.

وهذا اللوم للأجهزة ليس بريئا، بل فيه مآرب أخرى لعل أولاها “إننا كأثرياء جدد لم نكن نأكل ونشرب لوحدنا، بل كنا نأكل ونشرب مع شركاء كبار، وعليكم يا شركاءنا أن توفروا لنا الحماية الجوية وإلا سنكشف المستور”.

وهذا ما يمكن أن نسميه “ابتزاز دولة” ولا أعتقد أن دولتنا تسمح بهذا الابتزاز لأننا في المغرب ولسنا في دولة بأمريكا اللاثينية.