هل نحن في حاجة لزغلول النجار ؟

عبد الله ترابي

عندما يرى المرء برامج زغلول النجار أو عبد المجيد الزنداني التلفزيونية أو يقرأ كتاب الفرنسي موريس بيكاي عن “الإعجاز العلمي في القرأن”، تراود الذهن أسئلة من قبيل : هل ينبغي للمسلم ليستكمل شروط دينه أن يبحث عن فتوحات علمية سابقة لزمانها في القرأن؟ هل ليطمأن قلب العبد المؤمن صار لزاما عليه أن يدخل القرأن من عين ابرة النظريات العلمية؟ منذ متى أصبح القرأن كتابا في الفيزياء و الرياضيات أو موسوعة في الجيولوجيا أو علم الأجنة؟ ربما تكون النوايا حسنة وراء البحث عن موافقة بين أيات الذكر الحكيم و العلم الحديث، غير أن أحيانا ، تحفُ النوايا الحسنة طريق الخطأ بل و تقود إليه، لا سيما عندما يصبح التوفيق تلفيقا و التأويل تحميلا بأكثر مما يطيقه النص.
محاولة تفسير بعض أيات القرأن الكريم باللجوء الى النظريات العلمية يمكن فهمه عندما نرى ما أصبح العلم مرادفا له في عالمنا الآن. ففي زمننا الحالي صار العلم مرادفا للحقيقة، أي أن ما يأتي به العلم و يفسره يكون هو القول الفيصل و هو الصواب. و بما أن القرأن حق و العلم صنو للحقيقة، فهما إذا متلازمان لايقبلان التنافر و التعارض حسب دعاة الإعجاز العلمي في القرأن. هذه النزعة التوفيقية ، بين النص الديني و الأفكار المهيمنة في زمان ما، كانت دائما حاضرة في الفكر الإسلامي المعاصر. فعندما كانت الإشتراكية نافذة و مرادفة في العالم العربي للشعارات الشعبية الكبرى كالعدالة الإجتماعية و الإنعتاق من الظلم و الإستبداد ، تناسلت الكتب والأطروحات لتثبث أن القرأن كان سباقا للمناداة بالإشتراكية و أن ليس في الإسلام مكان للرأسمالية و الليبرالية. و هكذا كتب الشيخ مصطفى السباعي مرشد الإخوان المسلمين في سورية عن ” اشتراكية الإسلام”، و صار أبو ذر الغفاري رمزا للثورة الإجتماعية، بل و غنت أم كلثوم في مدح رسول الإسلام من قصيدة “ولد الهدى” للشاعر أحمد شوقي هذا البيت الذي لن يسوء الكثير من الرفاق :
الاشتراكيون أنت إمامهم لولا دعاوي القوم والغلواء
أما الآن، و بعض الإنهيار التاريخي للفكر الإشتراكي في بعده الثوري، لم يتبقى أحد من الدعاة أو المفكرين الإسلاميين للدفاع عن الطابع الإشتراكي للإسلام، بل أصبح النقيض هو السائد: كيف يصبح المسلم مقاولا لا يشق له غبار، قادرا على إنماء مجتمعه عبر المبادرة الفردية التي تتيحها الليبرالية و إقتصاد السوق، كما يعلم ذلك عمرو خالد في برنامجه التلفزي “صناع الحياة”.
خطاب الإعجاز العلمي في القرأن هو توفيقي أيضا، يريد تطويع النص القرأني و النظريات العلمية ليصبحا طينة واحدة، لكن هل هذا ممكن و هل المسلم في حاجة الى ذلك؟ و هل طبيعة النص القرأني و شروط العلم الحديث تسمح بهذا؟

يقحم دعاة الإعجاز العلمي النص الإلهي في متاهات كان في غنى عنها و يضعوه في لجة نقاشات كان من الأسلم أن لا يدخلها. فهؤلاء الدعاة يحاولون التوفيق بين شيئين مختلفين في بنيتهما وجوهرهما، إذ إن النص القرأني من طبعه الثبات و اشتراط اليقين عند قارئه و المؤمن به، بينما التفسير العلمي متبدل، و يستدعي الشك كشرط لتطوره.
لو رجعنا قليلا إلى تاريخ العلوم و تطورها لوجدنا أنها مبنية على ثورات، حيث تأتي نظرية علمية لتحل مكان أخرى أو لتكملها و الكل في حركة دائمة. و هذا ما يفسره مثلا الفيلسوف الأمريكي توماس كون، في كتابه “بنية الثورات العلمية” إذ يبين أن العلم مبني أساسا على مفهوم القطيعة بين النظريات و التفسيرات المتلاحقة. حيث يجد العلماء أنفسهم دائما أمام أزمات ناتجة عن قصور ما عندهم من نظريات عن تفسير ما هم في صدد البحث فيه، فيجدون أنفسهم ملزمين بوضع نظريات جديدة تعوض ما سبقها. و عندما يربط دعاة الإعجاز العلمي ما بين الأيات القرأنية و النظريات العلمية فهم يضعون النص القرأني في محل رهان و مقامرة . إذ ما القول و ما المخرج عندما تأتي نظرية علمية لتفند تلك التي رُهنت الأية القرأنية بها؟ هل الأية قاصرة ويجب تغييرها لتكون موافقة للنظرية الجديدة؟ أم هل ينبغي رفض هاته الأخيرة جملة و تفصيلا؟
أحيانا، يُحَمل شيوخ الإعجاز العلمي النص الديني أكثر مما يطيق معناه و مراده. فأثناء بحث هؤلاء الدعاة عن فتوحات علمية سابقة لأوانها، تصبح أيات قرأنية و أحاديث نبوية، ذات المعنى البسيط و كأنها إشارات علمية خارقة، انتظر الناس العلم الحديث ليفسرها. هكذا هو الحال بالنسبة للأحاديث عن فوائد العسل و الحبة السوداء و اليقطين، التي تصبح إعجازا علميا حسب التفاسير المطاطية لهؤلاء الدعاة، بينما هي أشياء معروفة منذ القدم. و كذلك الأمر بالنسبة لأيات قرأنية كهاته الأية “فّمّن يٍرٌدٌ اللَّهٍ أّن يّهًدٌيّهٍ يّشًرّحً صّدًرّهٍ لٌلإسًلامٌ ومّن يٍرٌدً أّن يٍضٌلَّهٍ يّجًعّلً صّدًرّهٍ ضّيٌَقْا حّرّجْا كّأّّنَّمّا يّصَّعَّدٍ فٌي السَّمّاءٌ” و التي يفسرها بعض شيوخ الإعجاز العلمي على أنها سبق علمي، في حين أن لاحاجة لنظريه علمية لإدراك أن الصدر يضيق و أن التنفس يصعب كلما صعد الإنسان عاليا.
ما يذهل له المرؤ عندما يشاهد أو يقرأ أو يسمع لشيوخ الإعجاز العلمي هو عدم اعترافهم بمبدأ الإختصاص. فترى الواحد منهم يتكلم بنفس الثقة في علوم مختلفة و أحيانا متباعدة، يصرف الباحث سنينا من عمره ليتقن و يحسن في الواحدة منها. وهكذا، في الحلقة أو الشريط الواحد تجد الداعية يحدث عن أخر النظريات في الطب و الجيولوجيا وعلم الفلك والصيدلة و الكيمياء، فتخاله قد صار مجمع أبحاث لوحده. و كأن الزمن لم يتغير، و كأننا ما زلنا في زمن أرسطو أو ابن سينا، و لسنا في عصر تفرعت فيه العلوم و تشعبت، و صار التخصص شرطا لكي يحمل الباحث على محمل الجد،حتى لايحسب من الهواة أو المتطفلين.