يا إلهي.. صار لي اسم غريب

حكايات باريسية (4)

فتيحة أعــرور

حصص الإنجليزية المخصصة لمعجم العلوم الاجتماعية وأدوات التواصل وإلقاء المحاضرات تحفزني على النهوض مبكرة رغم برودة الطقس.. لقد وقعت في حب هذه اللغة حتى أنني صرت أنتظر مواعيدها بشغف.

استيقظ في السادسة والنصف صباحا كي أحضر نفسي وأتناول وجبة إفطار أحاول قدر الإمكان أن تكون متكاملة. أعبر الرصيف المحاذي لنهر السين وسط خشخشة أوراق الخريف المتساقطة على جنبات الأشجار. أدوسها عمدا حتى أستمتع بوقع سحقها تحت قدمي، تارة أغني وأخرى أقفز مثل الأطفال غير مكترثة بثقل حقيبة الظهر التي استعضت بها عن كل حقائبي اليدوية..

تبا، لقد عدت إلى صباي..

شمال باريس غارق في سكونه مثل دير مهجور. هدوء تكسره هبات نسيم خفيفة تحرك الأغصان العارية المتلألئة تحت أضواء الشارع الضيق وهي تكنس ما تبقى من الغسق… ومثل عادتي، أقل الترامواي، ثم القطار، ثم ميترو الأنفاق حيث أجزي الوقت بين المحطات في القراءة والكتابة أو إعادة الاستماع إلى المحاضرات المسجلة على هاتفي المحمول، غير أنني في أحايين كثيرة أتفحص وجوه الركاب والأماكن… أصيخ السمع إلى مزيج اللغات واللهجات بفضولي المعهود.

حكاية أخرى مثيرة للضحك شغلتني هذه الأيام ولا أدري كيف لي تقبلها بأريحية ما دمت لن أغير من واقع الأمر شيئا…

في المدرسة، وفي المصالح الإدارية وحتى في المستشفى، صار علي التعود على اسم لا يشبهني أبدا!…

– “فاتيا أغــوغ”…

كرر الطبيب عبثا نداءه وسط قاعة الانتظار بصوت متعب، لأنتبه في الأخير أن المعنية هي أنا…

– باغدون سي موا…

يا إلهي لقد صار لي اسم غريب ولا أظن أنني سأتعود عليه أبدا..

ابتسم الرجل وكأنه أدرك سبب تأخري في تلبية ندائه. رافقت خطاه المتثاقلة باتجاه غرفة الفحص المحاذية لقاعة الانتظار. طرح عليه بعض الأسئلة، كما تبادلنا أطراف الحديث عن فرنسا والمغرب وسبب إقامتي في باريس، بعدها شرع في إجراء الفحوصات اللازمة، ليطلب مني إنجاز بعض التحاليل والعودة حالما تكوني جاهزة.

لم يتطلب مني الأمر أكثر من ساعتين في هذا المستشفى العمومي، والحال أن زيارة المصحات الخاصة هناك حيث أصبح الوطن شبيها بضيعة، لا حسب فيها ولا رقيب، قد تتحول إلى ساعات في الجحيم، إذ يمكن لفحص عادي أن يستغرق، رغم الحجز المسبق للموعد، نصف يوم أو حتى يوم كامل بعدما تكون قد أفرغت ما في جيبك لمحاسب المصحة!

أي وطن هذه الذي يسرق أحلام أبنائه وأبسط حقوقهم في الصحة والتعليم؟ وطن فيه باع السماسرة كل شيء تقريبا..الأرض والماء والسلام.. وقريبا سيبيعون الهواء الملوث بالتقسيط!

أي وطن هذا الذي أصبح فيه العطش الواضح للسلطة، مع إباحة كل الطرق والأساليب، طموحا وشجاعة؟!

أي وطن هذا الذي يربي على الخيانات وعلى الرياء والكذب؟

أي وطن هذا الذي يختصرونه في علم ونشيد وكرسي يجبرونك على حبه وإلا اتهموك بالخيانة؟!

أي وطن هذا الذي تحول فيه بعض الأطباء منعدمي الضمير إلى جزارين ومصاصي دماء بلا رحمة؟!

الوطن الوحيد الذي أعرف هو قلوب الناس.. والنشيد الذي أردده صباح مساء هو “عاش الإنسان”.. والراية الوحيدة التي تشعرني بالفخر هي راية المحبة، أما الكراسي فالزهد فيها راحة ضمير ما بعدها راحة.

مرت المشاهد والأسئلة سريعا في رأسي مثل شريط كلاسيكي بينما كان الطبيب يحرر جذاذة التحاليل المطلوبة.

“جون كلود” عجوز يزحف نحو الثمانين من العمر أو تجاوزها بقليل. اشتغل في الماضي كطبيب عسكري جراح وقد قضى في المغرب غير يسير من الوقت، حتى أنه مازال يتذكر مراكش التي عاش فيها لسنوات طويلة بحنين بالغ.

هذا الرجل يعشق عمله كثيرا، ذلك أنه يأبى التقاعد رغم إلحاح أبنائه.. آثر الاستمرار في مزاولة مهنته لأن ذلك يزوده بالطاقة الإيجابية ويجعله قريبا منا الناس كما يقول.

– ثم إنني مازلت أحتفظ بكامل قواي، لم لا أستمتع بخدمة الآخرين ما دام بوسعي ذلك!؟

رافقني نحو الباب بعطف أبوي وهو يتحرك بخطى وئيدة.. خلف نظارتيه لمحت حزنا دفينا. كدت أسأله عن سبب مسحة الحزن هذه لولا أنني تراجعت في اللحظة الأخيرة ملوحة بيدي:

– أغوفواغ  دكتوغ !

 

بدون تعليقات

اترك رد