ما لم تقله برامج الأحزاب السياسية

محمد سعيد السعدي

مع اقتراب كل موعد انتخابي، تعبأ الأحزاب السياسية أطقمها وتستعين بمكاتب “الخبرة” والتواصل لصياغة برامجها وتحسين جاذبيتها لدى الناخب(ة) والرأي العام. واذا كان هذا التمرين يعتبر عاديا ويدخل في صميم مسؤوليات الأحزاب وطموحها لتدبير الشأن العام الوطني والمحلي، فان عدم الأخذ بعين الاعتبار بعض الإشكاليات الجوهرية يفقدها جزءا كبيرا من بريقها ويضع موضع الشك صدقيتها وقدرتها على رفع التحديات الجسيمة التي تواجه بلدنا وشعبنا. وبإلقاء نظرة سريعة على برامج الأحزاب التي تتبارى للفوز بالاستحقاق الانتخابي ليوم 7 أكتوبر القادم، يتبين أن العديد من الأحزاب أغفلت أو تغافلت حقائق واعتبارات تجعل التزاماتها بعيدة عن التحقق على أرض الواقع.

ولعل أول وأهم هذه المحاذير هي الالتزامات التي أخذتها الحكومة على عاتقها إزاء صندوق النقد الدولي من خلال رسائل النوايا التي أرسلتها إلى هذه المؤسسة المالية الدولية مقابل الحصول على خط الائتمان والسيولة سنة 2012 والذي تم تجديده مرتين (2014 و 2016). والحال أن المشروطية المصاحبة لهذا الخط الائتماني لا تترك مجالا ذا شأن لتطبيق عدد من الوعود المدرجة في برامج الأحزاب السياسية من قبيل “وضع الانسان في صلب السياسات العمومية”، “النهوض بالعالم القروي”، “القضاء على الأمية” و”إعفاء الشركات الصناعية الجديدة من الضريبة على الشركات”. والحال أن الحكومة التزمت بالاستمرار في سياسة التقشف من أجل خفض عجز ميزانية الدولة عبر الضغط على الإنفاق العمومي من خلال المزيد من تخفيض الكتلة الأجرية مقارنة مع الناتج الخام وعدم إحداث مناصب شغل جديدة (باستثناء تعويض المغادرين للتقاعد عند الاقتضاء مع توظيف من يخلفهم بعقد محدود في الزمن) ورفع الدعم عن الغاز والسكر والدقيق. وهذا يعني أن القدرة الشرائية لفئات واسعة من المجتمع ستتضرر كثيرا وأن مظاهر الفقر واللامساواة ستتفاقم. من جهة أخرى، لن تعرف القطاعات الاجتماعية تحسنا يذكر، في حين سترتفع وتيرة خصخصة التعليم والصحة. من جهة ثالثة، لن يكون بمقدور الحكومة المقبلة الاعتماد على الاستثمار العمومي للدفع بعجلة النمو الاقتصادي الى الامام. بالإضافة الى هذا، يحذر صندوق النقد الدولي المسؤولين من المخاطر التي ستهدد ميزانية الدولة في حالة ما تم الشروع في تطبيق الجهوية الموسعة التي تقتضي تحويل اعتمادات مالية لابأس بها للجهات من أجل النهوض بأحوالها الاقتصادية والاجتماعية.

أما ثاني هذه المحاذير، فيتمثل في هيمنة المؤسسة الملكية -لاسباب دستورية وغير دستورية (اعتبار البيعة فوق الدستور ومصدرا أساسي لممارسة الحكم) – على تشكيل الحكومة وهندسة تركيبتها، مع ترك هامش للأحزاب المكونة لها لإرضاء طموحات قياداتها في الاستوزار. فالتجربة تبين بأن هذه المؤسسة يكون لها الحسم في اختيار الأشخاص والوزارات التي يحصلون عليها، بما فيها فرض وزراء “تقنوقراط” لتسيير قطاعات تعتبرها استراتيجية. وهذا يحد كثيرا من هامش حرية الأحزاب المكونة للحكومة، كما يعقد مهمة رئيس الحكومة في ممارسة سلطته التنظيمية والسياسية على كافة أعضاء هذه الحكومة. كما أن هذا التداخل في الاختصاصات والمهام يطرح بحدة ضرورة الإصلاح المؤسساتي والسياسي الذي تغافلت جل الأحزاب السياسية (باستثناء فيدرالية اليسار الديموقراطي) التطرق اليه في برامجها.

على مستوى ثالث، لا يبدو أن الأحزاب السياسية قد أخذت بعين الاعتبار المناخ الدولي والإقليمي غير المساعدين عند تعهدها بتحقيق مستويات نمو اقتصادي تتراوح بين 5,5 بالمائة و6 بالمائة. فهذه الالتزامات لا تمت الى واقع الاقتصاد العالمي بصلة، حيث يتسم هذا الأخير بالركود الاقتصادي الناتج عن ضعف الطلب الكلي وجمود الأجور. وهذا ينعكس سلبا على التجارة العالمية والاستثمارات الأجنبية التي تعول عليها العديد من بلدان الجنوب. ويعتبر الحال أكثر سوءا بالنسبة للاتحاد الأوروبي، شريك المغرب الرئيسي، الذي يعاني من السياسات التقشفية المفروضة على بلدان جنوب أوروبا وكذلك من المضاعفات المحتملة لمغادرة بريطانيا لسفينة هذا الاتحاد.

أما رابع هذه المحاذير التي لم تجرؤ أغلبية الأحزاب على الاقتراب منه، فيتمثل في زواج السلطة بالمال وما ينجم عنه من تداخل بين ما هو سياسي وما هو اقتصادي واحتكار وتركيز للثروة ومحسوبية واستغلال للملك العام لصلح فئة قليلة من المحظوظين والمتنفذين. إن رأسمالية المحاسيب (Le capitalisme de connivence) هذه خاصية ملازمة لنمط الإنتاج الرأسمالي كما يتم تطبيقه في عدد من بلدان الجنوب وكان من الأسباب المباشرة لسقوط أنظمة استبدادية بالمنطقة العربية. ذلك أن هذا النمط أدى إلى استحواذ الأوليغارشية المحلية المرتبطة بالسلطة السياسية على أهم القطاعات الاقتصادية كما نتج عنه تهميش الرأسمال الصغير والمتوسط وضعف الابتكار والدينامية الاقتصادية وقلة فرص الشغل المحدثة. لهذا كان على الأحزاب السياسية التركيز على هذا الجانب بوصفه عائقا بنيويا أمام تحقيق العديد من التزاماتها تجاه الناخبين والناخبات. لاشك أن من أسباب عدم الاقتراب من هذا الموضوع أن البعض يعتبره ذي “حساسية” لارتباطه بتركيبة السلطة في المغرب وما يسمى “بالمخزن الاقتصادي”،غير أنه لا ينبغي إغفال أن عددا من الأحزاب السياسية تشكل جزء لا يتجزأ من هذه المنظومة حيث يسعى المتنفذون داخلها إلى استغلال مواقعهم داخل المؤسسات الدستورية كرافعة للولوج الى الريع الاقتصادي. لهذا ينبغي العمل باستعجال على كسر هذه المنظومة بإعمال آليات محاربة الفساد ومن أهمها من وجهة نظرنا تفعيل الفصل 36 من الدستور الذي ينص على معاقبة حالات تضارب المصالح والشطط في استغلال مواقع النفوذ والامتياز، ووضعيات الاحتكار والهيمنة…

خلاصة القول أن جل البرامج الحزبية تنقصها الجرأة السياسية وعدم القدرة على طرح الإشكاليات البنيوية التي تعرقل تقدم المغرب إلى الأمام وغياب التفكير خارج الصندوق لابتكار حلول جديدة لمشاكلنا الاقتصادية والاجتماعية.