تحلق 395 نائبا برلمانيا بجلابيب بيضاء وطرابيش حمراء، إلا اثنين منهم، في افتتاح الولاية التشريعية، يوم الجمعة الثانية من أكتوبر، يصغون لخطاب الملك الذي يحرص بدوره على ارتداء زي تقليدي خلال خطابه أمام حشد النواب الذين حصلوا على تفويض انتخابي من قبل ناخبيهم. خطاب لا يخلو من رسائل تحرص المؤسسة الملكية ومخزنها العتيق الحفاظ عليها والاهتمام بأن تصل، عبر إخراج متقن، إلى كل المغاربة عبر شاشة التلفاز.
فالملكية المغربية على الرغم من تشبثها بقيم الحداثة والتحديث في خطبها، إلا أنها تولي اهتماما كبيرا للتقليد وقوته الرمزية التي تلغي “الروح الديمقراطية” وتجعل منها مجرد آلية لا معنى لها بغير مصادقة آلية “الحق الإلهي” وذلك ما يفسر أن القوانين المصادق عليها من قبل البرلمان لا تأخذ صبغتها الإلزامية إلا بعد إصدارها بظهائر شريفة.
فالبرلمان المغربي لا يمكنه أن يكون، على الرغم من التنصيص عليه في الدستور كمؤسسة تشريعية، المشرع الرئيسي في النسق السياسي المغربي، بل لا بد من وجود قوة الظهير الذي يحيل على مؤسسة السلطان، أمير المؤمنين ممثل الله على الأرض من أجل أن يكون تشريعه كاملا غير منقوص، وهو ضرب في الاختيار الديمقراطي وتكريس للتأويل السلفي للدستور والديمقراطية الذي يعتبر أن التشريع لله وحده وأي تشريع خارج الدين هو شرك بالله.
هذه الازدواجية التي طالما أكدها النظام السياسي المغربي، في خطبه وشكل مؤسساته السياسية، تذكر بخلاصة أطروحة كليفورد كيرتز الإسلام ملاحظا “عندما تبدأ قوة التدين في الضعف أو تتغير التقاليد يوجه التدين إلى غليان إيديولوجي إما من خلال تبني معتقد مستورد، أو التقوقع والتعلق بالتقاليد البالية، ومحاولة صياغة تلك التقاليد بطريقة أكثر فعالية، أو يقسم نفسه إلى نصفين، نصف روحاني يعيش في الماضي ونصف مادي يعيش في الحاضر…”.
هذا هو حال المؤسسات المنتخبة خصوصا التي بيدها حق التشريع، فلا يمكن أمام هذه البنية التي تظهر شكلانيا بمظهر تحديثي مؤسسة إدارة عمل برلماني.. إلا أن كل هذا لا يمكن أن يكون له معنى أو وجود إلا من خلال الرجوع إلى الماضي واستعادة الحق الإلهي الذي لا يمكن لقوانين ممثلي الأمة أن تصدر دون ختمه من قبل الملك/أمير المؤمنين عبر الظهير الذي يأخذ قوة المُطلق الذي بدونه لا يمكن أن يكون نص تشريعي، وكذلك يمكن أن يكون فوق القانون والدستور نفسه من خلال عدم إخضاعه لأي رقابة سواء سياسية أو قضائية..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

محامي الصحافية هاجر الريسوني: نحن أمام جريمة ليس فيها لا مشتكي ولا ضحية