مفتاح: يوم طردني ادريس البصري من العمل بسبب مقال

“حكاية صحفية”.. زاوية نسعى من خلالها إلى استعادة وقائع ومواقف مفارِقة أو مفاجئة أو صعبة.. حدثت لصحفيات وصحفيين مغاربة خلال مسارهن ومسارهم المهني. يحكيها كل يوم زميل أو زميلة على موقع “الأول”

نور الدين مفتاح

كنت حديث العهد بالتخرج من المعهد العالي للصحافة والاتصال بالرباط، سنة 1989، حين تم تعييني موظفا بسيطا بوزارة الاتصال في إطار “الخدمة المدنية”، وكان وزير الاتصال أنذاك هو الرجل القوي في عهد الحسن الثاني إدريس البصري، الذي كان يجمع بين الداخلية والإعلام.

ذات يوم، وفي إطار المهام الروتينية التي كنت أقوم بها، تم تكليفي بحضور لقاء نظمه الطيب الشكيلي وزير التربية الوطنية أنذاك، حيث تكلم لأول مرة عن “قرار” الوزارة تعميم تدريس المواد العلمية في الثانوي باللغة العربية، والإبقاء على اللغة الفرنسية في الجامعة، وهو الأمر الذي لم أتفق معه في قرارة نفسي، فقررت أن أكتب في الموضوع، وهو ما حصل، حيث دبجت مقالا، وكنت ربما أول من استعمل مصطلح “العرنسية” آنذاك للدلالة على الخلط بين العربية والفرنسية في المسألة التعليمية، وأتذكر أني أرسلته إلى جريدة “الإتحاد الاشتراكي” التي لم أكن حينها أعرف فيها أحدا، وكان ذلك يوم جمعة، لأفاجأ بالمقال منشورا على ستة أعمدة في الصفحة الأولى من الجريدة يوم الاثنين، تحت توقيع (م. مفتاح) وهو الأمر الذي خلق زوبعة في وزارة الإعلام، حيث أشتغل، إذ ما إن وصلت إلى مقر الوزارة، حتى وجدت كل الأبصار شاخصة إلي، تنظر لي بطريقة غريبة، وما إن دلفت إلى مكتبي حتى اتصل بي رئيسي في العمل، يبلغني أن الوزارة “مقلوبة”، وأن الوزير إدريس البصري غاضب علي، فتوجهت مباشرة إلى مكتب الوزير، حيث التقيت بمدير الاعلام بالوزارة الصديق معنينو، الذي أبلغني غضب الوزير علي، وقال لي: نحن أرسلناك لتقوم بمهمة إدارية وليس لتكتب المقالات، فأجبته بأنني عندما سمعت ما دار أمامي، تبلور لدي موقف، فأجابني: “عندك موقف، وسير راك موقوف عن العمل”. وقبل ان أجر الباب خلفي، بادرني معنينو بالقول: “هنا الدولة وهناك المعارضة وعندنا ما كيتلاقاوش”.

غادرت مقر الوزارة مباشرة نحو مقر جريدة “الاتحاد الاشتراكي”، حيث استقبلني رئيس التحرير المرحوم عبد الله بوهلال، فأخبرته بما وقع، فحملني مباشرة الى حيث مدير النشر محمد البريني الذي وجدته بمعيته المرحوم مصطفى القرشاوي، عضو المكتب السياسي وأحد أعمدة الصحافة الاتحادية آنذاك، حيث أبدوا إعجابهم بالمقال الذي كتبته، واستغرابهم من أن أكون قد طردت من العمل بسببه.

كان الكاتب العام للوزارة هو عزيز حسبي، أحد الخلص آنذاك لإدريس البصري، وكان أول رد للتحية من طرف الاتحاد الاشتراكي لثكنة وزارة الإعلام هو أن خصصت للموضوع زاويتها اللاذعة في الصفحة الاولى والمعروفة ب”من يوم لاخر” ختمتها بجملة بليغة هي.. حسبي الله ونعم الوكيل.

بعدها، سألني السي محمد البريني، عن قيمة الراتب الذي كنت أحصل عليه من عملي في الوزارة، وبعد أن اخبرته، قال لي: “سير ارتاح مع راسك ومرة مرة، اكتب معانا شي حاجة، وسندفع لك ما كنت تحصل عليه من الوزارة”، وهكذا كان، حيث بدأت أكتب مقالا تقريبا مرة كل يومين، وفي كل مرة، أجد أن مقالي منشورا في الصفحة الأولى للجريدة، وذلك باسم مستعار لطيف اشتهر آنذاك وهو “علي الباكوس” لانه رغم التوقيف من الوزارة وبدون راتب لم يكن من حقي ان أكتب في جهة أخرى. كان من حقي فقط ان أموت جوعا.

لما انقضت مدة الخدمة المدنية رسميا، عينت محررا بالاتحاد الاشتراكي بعدما قاموا بتحقيق عن أصلي وفصلي، واستمر معي لقب الباكوس في تحقيقاتي لمدة قبل أن يخرج مفتاح الى الواجهة، وتتقاذفنا الاقدار حتى “تلك الايام”

مرت السنين، وجمعتني عدة لقاءات مع السيد الصديق معنينو، ومع ذلك، لم أحدثه في الموضوع، ولا هو فعل.

حلقة الغد مع خالد الجامعي: هكذا اعتقلت بسبب الأمير مولاي رشيد