يحكى أن أمير المؤمنين أرسل جمعا من وزرائه إلى إمارة الريف

أبو الوقت

حسني المخلص

يحكى أن أمير المؤمنين أرسل جمعا من وزرائه إلى إمارة الريف، ليروا ما حل بقومها من مفاجع جعلتهم يُعمرون الشوارع طلبا للعدل وتخفيفا للمواجع. وكان على رأسهم وزير البحر المقرب من السلطان صاحب مال وجاه وشان. وكان قد نزل وحاشيته إلى مرسى الإمارة يتفقد الرعية ويستسقي أخبارها، وكان منه أن استفسر مُرقع شباك صيد عن أحوال الدنيا ، فأجابه الأخير قائلا “لا أبا وقت عندي لك”. فشاع القول عند عموم الناس وصاروا يضربون به المثل في محافل اللقاء ويدونونه على جدرانهم الزرقاء.
وعرف أهل تلك البقاع بعلاقتهم الغربية مع الوقت، فحين يضيق حالهم ويشتد كربهم يصيحون “اللهم العن أبا الوقت”، أما حين يستبشرون خيرا يرددون “سوف يزداد جمال الوقت”.
وإذ كان لأحدهم حاجة عند حاجب البلاط أو أمير الشرطة يود بها إصلاح أمر له، واستفسر عن موعد عودته لاستكمال حاجته، كان الجواب ” ادهب حتى ترجع”، فيعود السائل أدراجه راضيا غير مكشر فلا عجلة على إصلاح.
والوقت أيضا عدو فهو كالسيف وجب قطعه، وخليل تحلو رفقته، فإذ استفسرت غياب أحدهم عن الناظرين يرد ” كنت فقط مع الوقت”. أما مواعيدهم فتحترم كل شيء عدا الوقت، فهم غالبا ما يحددون المكان دون تدقيق الزمان، إذ لا حاجة للإسراع أو التسرع، كيف لا وهم من دوما يردد ” من استعجلوا ماتوا”.
والوقت أيضا دريعة مثلى للاختباء وراء الفشل أو ضعف الهمة، فلو استغربت ظروف أحدهم ما كان له سوى الجواب ” لاشيء لي اصنعه، لقد أتى بها الوقت”.
ودوما ما ينعت الشيب منهم الشباب الغريب الأطوار الخارج عن عادات القبيلة وتقاليدها بأولاد أو بنات الوقت، رغم أنه لم يثبت قط أن الوقت قادر على الإنجاب.
وللوقت مع هؤلاء القوم حكايات غريبة تتراوح بين الشجاعة والجبن، فمنهم من يتقاتل مع الوقت قتالا، ومنهم من لا يود إلا أن بيرأ بنفسه من موالين الوقت، اللهم جنبنا والقارئين أذيتهم وهب لنا حسن المآل…آمين.