البام.. عندما يدخل حزب سياسي في متاهة بسبب “استقالة”

مصطفى الفن

اتصل بي أكثر من صديق من الأصالة والمعاصرة عقب اختتام دورة المجلس الوطني ليوم أمس لا ليعطوني أخبارا أو ليناقشوا معي الأجواء التي جرت فيها أشغال الدورة.

بل إن هؤلاء الأصدقاء، وهم بالمناسبة أعضاء في هذا المجلس وحضروا كل أشغاله من أولها إلى آخرها، اتصلوا بي لعلهم يفهموا ماذا جرى أمام أعينهم من غموض لأن الأمين العام المستقيل تحدث بالصينية ولم يتحدث بلغة يفهمها الجميع.

وطبيعي أن يسود هذا الغموض ويخيم هذا الضباب لأن السي إلياس العماري، كما العادة، أدخل مناضلي حزبه في “متاهة” بلا أبواب وظل يتحدث النهار كله دون أن يقول أي شيء ذي معنى حول استقالته أو لا استقالته.

وهكذا انتهت دورة المجلس الوطني دون أن يعرف الناس سواء داخل الحزب أو خارجه هل مازال إلياس مستقيلا أم أن الرجل تراجع عن استقالته وسيعود من جديد ليواصل مهامه أو مهازله على رأس الحزب.

وهذه “المهزلة”، أو بالأحرى “أم المهازل”، هي التي عبر عنها قيادي وازن من الحزب اسمه علي بلحاج بكلمات قصيرة لكنها مزلزلة وعميقة عندما قال أمس في تدوينة له على الفايسبوك إنه حزين جدا لأن الأصالة والمعاصرة اختطف من قبل تيار لا يعرف معنى كلمة “أخلاق”.

وهذا التصريح من مسؤول سياسي لا يتحدث كثيرا مثل علي بلحاج له خطورة خاصة لأنه صاحبه لا ينحي باللائمة في هذه “الدرجة صفر من الأخلاق” إلى حاضر هذا التيار الخاطف للحزب.

بل إنه ينحي باللائمة على الماضي. وربما لهذا السبب عاد بلحاج ليذكر من يهمه الأمر بأنه ضحى بحزبه (رابطة الحريات) من أجل مشروع سياسي لا من أجل أن يجد نفسه مختطفا من قبل تيار يقول للمال: “إياك نعبد وإياك نستعين”..

بمعنى أن بلحاج يستنجد هنا بجزء من الدولة، الذي رعى البام في وقت سابق، لعله يوفر له وللمناضلين من أمثاله الحماية اللازمة لأن هذا التيار لازال يتحرك باسم الدولة أو باسم جزء منها على مرأى ومسمع من أجهزة الدول نفسها.

وأنا لا ألقي هنا الكلام على عواهنه. بل أعرف مسؤولا جماعيا تعرض إلى ما يشبه “الاحتجاز” من طرف مسؤول كبير في البام وهو يقول له “إلى ابغيتي تبقى في هذا المنصب فينبغي أن تضع مليار سنتيم تحت الطاولة لا فوقها”.

ولا يهم باقي التفاصيل لأني سأرجع إلى هذه القضية بالزمان والمكان وربما بلسان الضحية الذي تعرض إلى هذا الاحتجاز في منزل شخصية شهيرة (ب.ي)..

ولنعد الآن إلى تدوينة بلحاج التي ربما لمح فيها أيضا إلى أن هذا التيار له أذرع في كل مفاصل الدولة وغير مستبعد أن يوظف نفوذه وتغوله في مضايقة خصومه، بل وإيذائهم أيضا.

وهذا ربما صحيح. ولو لم يكن الأمر كذلك لما تمت إزاحة بلحاج من رئاسة جهة الشرق فقط لأن يده مغلولة إلى عنقه ولا يبسطها كل البسط مثلما يفعل عبد النبي بيوي الذي جيء به إلى هذه الجهة لتشرع له كل الأبواب للفوز بصفقات الدنيا والآخرة.

لكن ورغم كل هذة المهازل أو أم المهازل التي أحاطت باستقالة إلياس، فلابد من التنويه بالعديد من الأصوات التي تحررت من الخوف واستطاعت أن تعبر عن مواقفها وسمت الأشياء بمسمياتها في هذه الدورة للمجلس الوطني.

فهذه أول مرة بسمع فيها إلياس من رفيق له في الحزب أمام ذهول الجميع: “أصاحبي سير افحالك وخلي الناس تنفس.”

وفعلا، كان الحزب في فترة سابقة بمثابة سجن جماعي. وما كان ممكنا أن يعلو صوت على صوت الزعيم الذي كان وحده لا شريك العارف بكل شيء والدليل هو أن “الجهات العليا غير قادرة على الاستغناء عنه”، كما يتردد بقوة في ليالي الأنس.

قضية أخرى لابد من التنويه بها أيضا في هذه الدورة للمجلس الوطني. وهي هذا الانكماش أو المشي على استحياء الذي لوحظ على الأثرياء الجدد داخل البام.

وأقصد هنا عزيز بنعزوز وحكم بنشماش والعربي المحرشي ومن معهم الذين لم يسمع لهم صوت في هذه الدورة، وربما هذا راجع إلى تلك الانتقادات التي وجهت إليهم على خلفية هذا الثراء المفاجئ الذي ظهر عليهم وعلى أبنائهم دون أن يقووا على تبريره لعامة الناس ومناضلي حزبهم.

بقي فقط أن أقول. لا أدري أين قرأت أن هناك من عزا هذا الارتباك في عدم الحسم في استقالة إلياس إلى ضرورة انتظار مؤتمر البيجيدي. وهو ما يعني أن إلياس لن يرحل ما لم بنكيران.

وهذا في نظري لا يعدو أن يكون مهزلة أخرى إضافية لأن هزم فريق فيه لاعب مثل ميسي لا يمكن أن يكون بفريق فيه لاعبين بملفات ثقيله، ضمنهم واحد كان يزور توقيعات مسؤولين كبار في هرم الدولة.