أيام وينتهي صراخهم.. أسبوع ويتعبون من إزعاجنا

محمد الإدريسي

أيام وينتهي صراخهم ..
أسبوع ويتعبون من إزعاجنا ..
شهر ويسأمون من عبث إيقاظنا ..

وها هي تمتد ما زالت .. وكأنهم كلما حاولوا إطفاءها زادوها وهجا ..

وها كلمات الصارخين صارت أقوى دلالة وأعمق معنى.

وها آهات الشكوى شرعت في اتخاذ التحدي لباسا يليق بشعلة النخوة التي لم تخمد منذ عهد الأجداد.

وها الصدى الذي كان لا يغادر جنبات المدينة الصغيرة أو المدشر النائي أو القرية البعيدة، قد تجاوز حسابات الداخلية ومجنديها والخارجية وموظفيها والأوقاف ومنابرها المسيسة لصالح السلطة، والإعلام ورسله ومحلليه وعرّافيه وكذابيه!

ثم ما الحل؟

يجتمع كهنة المخزن في معبد السلطة الحاكمة بأمرها ليتخذوا الناس هزؤا، ويظنون الشعب سفيها وهم السفهاء ولكن لا يعلمون!

فلنتهمهم بكل شر يقول أحدهم، فهذه سياستنا مذ تعلمنا السياسة في مدارس المكر والكيد والضرب تحت الحزام والطعن في الظهر والعزل في الظلمة.

فليكن! يرد الآخرون، نعم فهم تجار ومهربو ومتعاطو مخدرات، وهم انفصاليون وغوغائيون وهمجيون، وهم موقظو الفتنة التي وظفنا قواتنا جميعا من أجل الحكم عليها بالنوم العميق الأبدي، وهم كل ما جال في خاطرك من شر، وهم كل ما طاف ببالك من سوء!!

نعم .. نعم .. وَزِّعوا هذا الكلام على كل ناعق ومن تبعه، وعلى كل سمسار بدكاكين الحزب الواحد ذي الوجوه الحربائية العديدة، وعلى كل مجذوب بحضرة المخزن وحوارييه، وعلى كل ملتح بالأمس حليق اليوم، وعلى كل ديموقراطي مصاب بالفصام، يحب الديموقراطية ويكرهها ويحب كرهه لها، وعلى الآكلين من القصعة، وعلى المحرومين منها ومن العقول التي لو امتلكوها لعلموا من صاحب جوعهم ..

باختصار وزعوها على كل “عياش”!

وينطلقون راقصين في ما يشبه كراكيز المسرح الهزلي البائس، ويتعجب الناس .. ويستنكرون .. ويخجلون .. ثم يضحكون .. فكثرة الهم مضحكة!

وفي الصباح التالي يخرج الناس في جمع أكبر وأقوى وأشد، كأنهم ما سمعوا صوت مطرقة القاضي الصارخ “أن كُفُّوا”.

ويكبر المحتجون ويتكاثرون، ويكبر حمق السلطة وتتكاثر خرافاتها .. ويتصايح عرّابوها وحاملو مباخرها أن هبّوا من جديد إلى المعبد لنفكر في حل .. أي حل!

الأمر صار جدا لا هزل فيه، فما نحن فاعلون يا أصحاب النياشين؟

فلنستحضر أرواح من مضوا يقول أشدهم! فلنستحضر روح داخلية سنين الرصاص، روح مهندسي السجون، وتقنيي التعذيب، وأصحاب الهراوات وقنابل الدموع، وكاسري الأبواب، وزوار الفجر، والمقنّعين المتسترين في ظلمات الحكم والتحكم وكواليس السلطة والتسلط!

أي نعم! .. أما دولة الحق والقانون وحقوق الإنسان فمساحيقها متوفرة، سنلطخ بها هذا الوجه القبيح ما إن يصمت كل هؤلاء .. وإلى الأبد.

لكن هيهات .. هذه صرخة ما إن تدوّي حتى يرددها كل من بلغه صداها، وها صداها قد بلغ الآفاق، وإنها والله لكاشفة!

كاشفة لزيف كبير ووهم أكبر ظلت السلطة تروجه وتتاجر به وتبيعه للخارج والداخل، وها هو يتعرى شيئا فشيئا، ليكتشف الناس أن ما ظنوه عمرانا وبنيانا هو قرى “بوتمكين” أتقنت يد الحاكمين بأمرهم تزيينها.