قصة الاستقلال.. تفاصيل تغيير تاريخه من 2مارس إلى 18نونبر

نقترح عليكم مجموعة من المعطيات التاريخية التي تهم قصة الأيام المجيدة لاستقلال المغرب نشرتها مجلة “نيشان” سنة 2007 (المتوقفة عن النشر) ضمن تحقيق تاريخي من توقيع الزميل عبد المجيد الفرجي، من خلال روايات على لسان شهود عيان من طينة بنسعيد آيت إيدر، امحمد الدويري، عبد الكريم غلاب، امحمد الخليفة، ومساهمات مؤرخين وباحثين من ضمنهم عبد الكريم الفلالي، المعطي منجيب. بالإضافة إلى وثائق تاريخية وثقت للمرحلة كانت أبرزها جريدة “العلم”.

عبد المجيد الفرجي

16،17،18نونبر 1955 كانت أيام مزوهرة عند لمغاربة ، محمد الخامس الذي كان يظهر في القمر سيعود من منفاه ،وقادة الحركة الوطنية وجيش التحرير كانوا أمام امتحان ضبط الجماهير ،بسبب “هستيريا “الفرح بإعلان استقلال المغرب.

14872482_10154751602718274_694672525_n
الصحفي عبد المجيد الفرجي

أصر أعضاء الحركة الوطنية المشاركين في مفاوضات “إكس ليبان” (ما بين 22 و27 غشت1955) على عودة “السلطان” محمد الخامس من منفاه بمدغشقر لاستكمال المباحثات الممهدة لاستقلال المغرب، فبعد انتفاضة جيش التحرير في 2 أكتوبر من نفس العام، أيقنت فرنسا بضرورة رجوع العاهل المغربي إلى الرباط.

في الثلاثين من أكتوبر 1955 غادر محمد الخامس والأسرة الملكية مدغشقر نحو نيس في اتجاه باريس حيث سيمكث بقصر سان جرمان أورلي إلى غاية يوم الأربعاء 16 نونبر ليحل ببلده، وطيلة هذه الفترة كان قادة الحركة الوطنية (من حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال) على رأسهم المهدي بنبركة يهيئون لترتيبات عودة “السلطان”، التي ستتزامن بعدها بيوم واحد في 18نونبر، بذكرى عيد العرش، حيث سيعلن فيها محمد الخامس استقلال المغرب. هاد الفترة أطلق عليها “الأيام الثلاث المجيدة”. الناس جاو من جميع مناطق المغرب إلى العاصمة للاحتفاء، وكاين لي ماساعفتوش الظروف واحتفل في المدينة أو القرية ديالو…لبلاد كانت راكشة. فرنسا ماكرهاتش ديك الساعة العرس يتقلب هرس، أما أصدقاء بنبركة فكان همهم الوحيد هو استتباب الأمن باش يبينو للفرنسيين أنهم قادرين على إدارة البلاد لوحدهم.

 يوم العودة

الساعة تشيرإلى العاشرة صباحا ،يوم الأربعاء 16 نونبر 1955، بمطار سلا، حطت طائرة “AIR CONTINENTAUX” التي أقلت محمد الخامس إلى المغرب من منفاه. رموز الحركة الوطنية كانوا معبئين لاستقبال هذا الحدث منذ 6 نونبر حينما وقعت الحكومة الفرنسية لمحمد الخامس الوعد بالاستقلال بـ “سان كلو”، فقد “ظل المهدي بنبركة القيادي في اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال ينسق بين مليشيات الشبيبة الاستقلالية ومليشيات حزب الشورى والاستقلال ليوم العودة” يقول بنسعيد آيت إيدر لـ “نيشان”، الرجل الذي كان أحد النشطاء البارزين بجيش التحرير، تابع ما يجري في الرباط من سيدي إفني حيث كان لاجئا هناك.

كان بنبركة يهيئ لعودة “السلطان” المنفي، رفقة قياديين آخرين بالحزب على رأسهم محمد اليزيدي نائب الأمين العام، الأخير كان بيته بزنقة “إيمي زولا” بديور الجامع، مقرا لاجتماعات بعض القادة الوطنيين، الذين كانوا يضعون في الأسبوع الثاني من شهر نونبر آخر الترتيبات لاستقبال محمد الخامس. مذكرات تنظيمية وجهت إلى جميع فروع حزب الاستقلال بربوع الوطن من طرف القيادة بالرباط، للتأكيد على ضرورة استتباب الأمن في البلاد. جموع من الجماهير قُدِّرت بحوالي ثلاثة ملايين مواطن حجت إلى مدينة الرباط ” كان الناس يقضون ليلة ونصف في طريقهم من مكناس إلى الرباط، بسبب الازدحام ” يحكي المؤرخ عبد الكريم الفيلالي لنيشان. عندما وطأ “بطل التحرير” برجليه على أرض المغرب، كان حينها المهدي بنبركة ينسق بين خلايا حزبه والشورى والاستقلال لتنظيم المواطنين وتوزيعهم بين الطريق الطويل من مطار سلا إلى القصر الملكي بالرباط ، لقد “كان لابد من حفظ الأمن والانتظام، لم تكن أية سلطة غير سلطة الوطنيين لأن الشرطة الفرنسية انسحبت من الشارع وكانت تنتظر حدوث خلل ما، وهذا الأمر كان غير مستبعد في نظر بعض المراقبين لكن حزب الاستقلال عبأ مناضليه لحفظ الأمن و تنظيم المواطنين “يقول عبد الكريم غلاب عضو اللجنة السياسية للحزب حينئذ ،الذي واكب تغطية حدث العودة كـ”مخبر صحفي” بجريدة العلم، التي اطلعت نيشان على نسخ منها صادرة حينئذ.

يوم العودة لم يكن حدثا عارضا في تاريخ المغرب، استعدت له الحركة الوطنية بمختلف تلويناتها، فكان مناسبة لإظهار قوة أعضاءها. “يوم 16 نونبر يعبر عن حماس جماهيري واسع، وانتصار حقيقي للمغاربة على الاستعمار، وهذا مازاد في ثقة قادة التحرير في فترة تاريخية توجت بالاستقلال نتيجة نضالات عمال وفلاحين فرحوا بقدوم محمد الخامس” يحدثنا بنسعيد آيت إيدر. كان الموكب الملكي متأنيا في طريقه نحو القصر، المواطنون انتشروا على جنبات الطريق، ينتظرون رؤية الملك الذي حضرت صورته فقط في القمر منذ 20 غشت1953 تاريخ نفيه إلى كورسيكا. في الساعة الثانية عشرة بساحة المشور السعيد، توقفت السيارة الملكية التي أقلت السلطان بقيادة القبطان محمد أوفقير، صعد الملك فوق القوس الكبير بالقصر، فحيى وفود المواطنين وألقى كلمة مختصرة “الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور رحيم”. كان المعمرون حينها لم يستوعبوا بعد قرار الحكومة الفرنسية القاضي بعودة محمد بنيوسف إلى أرضه، وسحب السلطة من الجنرال فوايي دولاتور المقيم العام إذاك، ليعوضه المندوب السامي ديبوا (درجة بين المقيم العام والسفير)الذي رافق محمد الخامس في الطائرة عند عودته. استقبل السلطان العائد إلى عرشه مباشرة ممثلين عن حزب الاستقلال والشورى والاستقلال والحزب الشيوعي المغربي والتنظيمات المسلحة السرية والعملاء السابقين للاستعمار. استقبل محمد الخامس الجميع تفاديا للبقاء وحيدا في مواجهة حزب الاستقلال ” الذي يمكن أن يسعى إلى احتكار السلطة التنفيذية ليترك للملك مهمة القيام بالتدشينات ” يقول المعطي منجب باحث سياسي .

يوم الانبعاث

يوم الخميس17 نونبر كان حافلا بالتظاهرات الفنية والمهرجانات الخطابية، التي نظمها كتاب فروع حزب الاستقلال ومجموعة من الوطنيين في صفوف الشورى والاستقلال وغيرهم، بعدد من القرى والمدن. في مراكش خرج الناس من المدينة القديمة بتلقائية هازين الطعارج والبنادر متوجهين إلى الحي الأوربي “گليز”، ومما شد بعض الشهود العيان أن “الناس مشاو هبطو البوليس الفرنسي من المنصات في ملتقيات الطرق وبداو هما لّي كينظموا حركة السير “يقول الاستقلالي امحمد الخليفة الذي عايش المرحلة عن عمر يناهز خمسة عشر سنة، ومن بين بعض الروايات المضحكة التي التي حصلت عليها “نشان”، أن مجموعة من المراكشيين من كثرة فرحهم العارم، مشاو لبسوا الحوايج ديال عيالاتهم، خواتاتهم، أو مواتهم، ماكاين غير التكشيطة والدفينة والتشامير. باينة كاكاينة غير دردك عاود دردك. الوطنيون وعلى رأسهم المهدي بنبركة وجهوا على هامش الاحتفالات نداء إلى كافة المواطنين بعدم ضرب العملاء أو الخونة، وهو ما يؤكده آيت إيدر، و يذكر غلاب أن الوطنيين لم يتقبلوا سلوكات أحد الخونة الذي انهالوا عليه بالضرب، أما المؤرخ الفيلالي (صاحب كتاب المغرب السياسي) ،فقد أكد لـ”نيشان” أنه تم إحراق القشتالي قائد بمكناس، وذلك لدواعي أخلاقية محضة.

حشود الوافدين على مدينة الرباط من مختلف المناطق انتظموا في إطار مجموعات محتفلين ومبتهجين بقدوم الملك، بقاو الناس ناشطين حتى الصباح بشارع محمد الخامس وأمام باب السفراء.عبد الكريم غلاب قال ل”نيشان” أن سبب تسمية اليوم بالانبعاث يعود إلى أن الشعب المغربي الذي ظل ينتظر خروج الملك لمصافحته، كان يستعد لينبعث من جديد في اليوم الموالي من الإعلان عن استقلال المغرب.

 يوم الاستقلال

قبل صلاة الجمعة على الساعة الحادية عشرة، من يوم 18 نونبر، خرج محمد الخامس إلى رحاب المشور السعيد ليلتقي شعبه، فتعالت الهتافات والزغاريد، فكان الاحتفاء بمناسبة الاستقلال وعيد العرش في نفس اليوم “لقد شكل الحدث عيدا فضيا بمناسبة مرور خمسة وعشرين سنة من جلوس محمد بنيوسف على العرش ” يتحدث بنسعيد آيت إيدر. لقد ألقى عاهل البلاد خطابه الشهير الذي أعلن فيه عن استقلال المغرب”وتلك بشرى يطيب لنا أن نزفها إليك شعبي الوفي، بشرى انتهاء عصر الحجر والحماية وبزوغ فجر الاستقلال والحرية” من كلام محمد الخامس، الملقب بـ “بطل التحرير”، الأخير أدهش الجميع بخطابه المتقدم جدا، فقد “كان بمثابة خطة طريق وخطوط عريضة لبرنامج حكومي”. يعلق عبد الكريم الفيلالي. أشار “بطل التحرير” إلى ملكية حداثية تستمد قوتها من البرلمان ومؤسسات مسؤولة وأكثر تمثيلية مع ضرورة فتح أوراش البناء، لقد “كان محمد الخامس يتحدث ضمن توافق تام مع برنامج الحركة الوطنية وحزب الاستقلال، على الأقل منذ الاشتغال معه بشكل سري في سنة1941″ يقول امحمد الدويري الذي كان من أبرز الوجوه الاستقلالية التي أوفدتها قيادة حزبه للقاء “السلطان”مباشرة بعد رجوعه من المنفى. مسعود الشيكر عضو اللجنة التنفيذية السرية لحزب الاستقلال الذي رافق محمد الخامس على متن الطائرة من بارس إلى مطار سلا “كان هو من حرر خطاب 18 نونبرإلى جانب الملك”. يؤكد الدويري.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

2مارس.. الاستقلال ديال “بصح”

في 2 مارس 1956 بباريس سيوقع الوزير الأول امبارك لهبيل البكاي أحد الأصدقاء الموالين للملكية وأحد ضباط الجيش الفرنسي، على معاهدة الاستقلال النهائية، التي ستلغي معاهدة الحماية الموقعة بفاس في 30 مارس 1912. يقول عبد الكريم غلاب إن المعاهدة أقرت علاقات تعاون جديدة بين المغرب كدولة مستقلة وفرنسا من خلال تنمية التعاون في المجال الاقتصادي والاجتماعي. توجت بنود الاتفاقية بتطوير مستوى التعاون بين البلدين سواء على المستوى السياسي أو الدبلوماسي، وقد ترجم ذلك بشكل عملي عندما عينت الحكومة الفرنسية المندوب السامي “دوبوا” سفيرا لها بالرباط، بهذه الخطوة يكون قصر الإيليزيه قد أقر باستقلال المغرب، وأصبحت فرنسا كدولة أجنبية تعقد علاقة صداقة عن طريق سفارتها بالرباط، ونفس الأمر بالنسبة للمغرب في باريس.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بدون تعليقات

اترك رد