عبد الكريم إبنوعتيق*

في يونيو 2016 عبر الناخبون في بريطانيا عن رغبتهم في مغادرة الإتحاد الأوربي بنسبة بلغت 52.9%، واضعين بذلك حدا لعلاقة إستمرت أكثر من أربعين سنة، بريطانيا إلتحقت بالإتحاد الأوربي سنة 1973 بجانب كل من إيرلاندا و الدانمارك، بعدما رفعت فرنسا الفيتو ضد لندن عندما غادر الرئيس “دوغول” الحكم و حل محله ” جورج بومبيدو” ، الذي مهد الطريق لهذا الإلتحاق، يجب التذكير هنا بأن بريطانيا لم تكن عضوا عاديا، بل كانت دائما شريكا صعبا داخل الإتحاد الأوربي، فالعلاقة بين لندن و بروكسيل، شكلت نقاشا مستمرا في أوساط النخب السياسية البريطانية سواء داخل حزب المحافظين أو ضمن قيادات الحزب العمالي، هذا الجدال السياسي الدائم يتغير حسب المنعرجات التي تمر منها العلاقة مع الشريك الأوربي.
حسب المادة 50 من إتفاقية لشبونة الموقعة من طرف أعضاء الإتحاد الأوربي، فإن أي عضو عبر عن رغبته مغادرة سفينة الوحدة الأوربية، مطالب بوضع طلب لدى هيئات الإتحاد مع الأخذ بعين الإعتبار أن مدة الحسم النهائي يجب أن لا تتعدى في أقصى تقدير سنتين، العلاقة الصعبة بين بريطانيا و دول الإتحاد الأوربي أنتجت ملفات معقدة لم يستطع خبراء الطرفين الحسم فيها خلال المدة المطلوبة قانونا، مما أدى إلى تأخر كاد أن يعصف بالتوازنات الكبرى ليس فقط التجارية بل كذلك الجيوإستراتيجية لكل القارة العجوز.

– مسار تاريخي صعب

لنعد إلى تاريخ العلاقات الملتبسة بين لندن و شركائها الأوربيين، خلال مرحلة الوزير الأول البريطاني “كليمون أتلي” ” Clement Attlee “، برزت للوجود مبادرات أوروبية أدت إلى خلق ما يسمى بالمجموعة الأوربية للفحم و الحديد، آنذاك ” أتلي” اعتبر أن الشريك والحليف الوحيد لبريطانيا هي الولايات المتحدة الأمريكية و ليست أوربا، لكن لندن كانت تلمح بين الفينة و الأخرى أنها مستعدة للإنخراط في عمل وحدوي شريطة التوفر على موقع خاص و بضمانات إستثنائية، ” جون موني” ” Jean Monnet ” وزير خارجية فرنسا و الذي كان في قلب مسلسل المفاوضات الأولى لبناء الإتحاد الأوربي، أعلن الحرب على لغة الإمتيازات رافضا أي تنازل معتبرا أن الدول الراغبة في الإنخراط في المبادرات الجنينية الأولى، لها نفس الحقوق و عليها نفس الواجبات، و أن المفاوضات هي السبيل الوحيد للوصول إلى توافقات متفق عليها و مقبولة من طرف الجميع، في بداية يونيو 1950 ” جون موني” توصل إلى إتفاق مع مجموعة من الدول الأوربية، أصدروا بلاغا مشتركا تضمن مقترح مشروع ميثاق أوربي يعرض للمصادقة على برلمانات الدول المساهمة في صياغة هذا الميثاق، في 3 يونيو من نفس السنة، ستة دول أوربية أعلنت عن موافقتها على تأسيس ما سمي فيما بعد بالمجموعة الأوربية للفحم و الحديد، هذه الدول هي : فرنسا و ألمانيا و إيطاليا و بلجيكا و هولاندا ثم الليكسمبورغ، الجواب البريطاني كان سياسيا ، صدر في 13 يونيو 1950 من طرف الحزب العمالي ، هذا الأخير رفض المبادرة الوحدوية معتبرا منطلقاتها بعيدة عن المرتكزات الإشتراكية، مضيفا بأن الأولوية يجب أن تعطى للعلاقة القائمة مع دول الكومنويلث و الولايات المتحدة الأمريكية، خلال الولاية الثانية للشخصية الكاريزمية ” ونستون تشرشل” ” Winston Churchill ” و التي إستمرت ما بين 1951 إلى 1955 ، ظهرت مبادرة أطلق عليها مشروع “إذن” ” Eden ” إنطلاقا من صاحبها “أنطوني إذن” ” Anthony Eden ” وزير خارجية بريطانيا و المقدمة بمناسبة الإجتماع العاشر لمجلس وزراء الدول الست المنعقد في 19 مارس 1952 ، بعد دراسة المشروع الجميع أقر بان الحكومة البريطانية غير جدية في التعامل مع المشروع الوحدوي الأوربي، في سنة 1955 ” أنطوني إذن” سيصبح وزيرا أولا لبريطانيا، أزمة قناة السويس و الخلاف الجوهري مع الولايات المتحدة الأمريكية سيدفع المسؤول البريطاني إلى إعادة قراءة العلاقات مع الجيران الأوربيين لاسيما و أن خلفه على رأس الحكومة البريطانية سنة 1957 ، ” هارولد ماكملان” ” Harold Macmillan “، سيعيش لحظة أساسية ضمن البناء المؤسساتي الأوربي و نقصد بذلك ظهور ما سمي آنذاك بالإتحاد الإقتصادي الأوربي ثم بروز هيئة الإتحاد الأوربي الخاصة بالطاقة النووية، بعد ذلك جاء التوقيع على ميثاق روما في 25 مارس 1957 من طرف الدول الست المؤسسة و المتحكمة في البناء الأوربي الجديد،من هنا لاحظ ” ماكملان” أن لندن قد تتعرض لعزلة في محيطها الأوربي خاصة في سياق جيو إستراتيجي تميز ببداية العد العكسي لنهاية المرحلة الإستعمارية، إنطلاقا من هذه الخلفيات تقدم بأول طلب للإنخراط في غشت 1961، بدعم من الحكومة و من حزب المحافظين و بموافقة مجلس العموم البريطاني، في 3 غشت من نفس السنة ، إنطلقت المفاوضات بين الجانبين في ظروف صعبة ، ذلك أن بريطانيا ظلت متشبة بمسألة الإستثناءات فيما يخص الرسوم الجمركية حفاظا على علاقتها مع دول الكومنويلت ، خمس دول مؤسسة للنواة الأولى للمبادرة الوحدوية الأوربية أظهرت ليونة في شروط التفاوض لإلتحاق لندن بمشروع الشراكة الأوربية، باريس عارضت ذلك بواسطة فيتو رئيس الجمهورية الجنيرال ” دوغول” في 14 يناير 1963.
رئيس الوزراء ” هارول ويلسون” ” Harol Wilson ” الذي ترأس الجهاز التنفيذي البريطاني ما بين 1964 و 1970 ، قدم طلبا جديدا للإنخراط في المجموعة الأوربية ، بدأ سلسلة مفاوضات مع الدول الست الأعضاء ، في 26 ماي 1967 ، الرئيس الفرنسي “شارل دوغول” يعلن بأن باريس لا رغبة لها في إتخاد قرار فيتو ثاني ضد إلتحاق لندن بمبادرة الشراكة الأوربية، و في سنة 1969 فرنسا تنتخب رئيسا جديدا هو ” جورج بونبيدو” ” Georges Pompidou “، هذا الأخير بمجرد تسلمه السلطة ودخوله قصر الإيليزي، شجع لندن على إستئناف المفاوضات للإلتحاق بالمشروع الوحدوي الأوربي، لم يقتصر على ذلك بل إن القمة الأوربية المنعقدة في بداية دجنبر 1969 بلاهاي، عبرت علانية على دعم فكرة توسيع المشروع الأوربي ليشمل دول أخرى منها بريطانيا .
المفاوضات إنطلقت تحت إشراف رئيس الحكومة ” إيدوارد هورت” ” Edward Heath ” خلال فترة ولايته ما بين 1970 و 1974 ، في 28 أكتوبر 1971 مجلس العموم البريطاني يعطي الضوء الأخضر لإنخراط بريطانيا في المجموعة الأوربية وسط إنقسام في أوساط الرأي العام بين مؤيد و معارض ، في 22 يناير 1972 رئيس الحكومة “إيدوارد هورد” يوقع على مرسوم الإلتحاق بدون أي إستشارة إستفتائية بالرغم من أن إستطلاعا للرأي أنجزته مؤسسة “غالوب” ” Gallup ” سنة 1970 ، أكد أن 55% من البريطانيين لا يرغبون في الإنضمام للمجموعة الأوربية ، لندن إلتحقت رسميا بالمجموعة الأوربية في يناير 1973 وسط بالرغ من رفض عدد كبير من السياسيين، مما إضطر ” هارولد ويلسون” الذي عاد إلى رئاسة الحكومة ،إلى الإعلان سنة 1975 على تنظيم إستفتاء لمعرفة هل البلد سيبقى في الإتحاد الأوربي أم سيغادره، و بالفعل إلتزم بوعده و قاد حملة نعم تاركا لوزرائه حرية التعبير عن إختياراتهم خلال الحملة الإستفتائية ، من أهم رموز الحزب العمالي الرافضة آنذاك البقاء في الإتحاد نجد ” طوني بن” ” Tony Benn ” وزير الصناعة رفقة وزير التشغيل ” مكائيل فوت” ” Michael Foot ” ، النتائج كانت واضحة إنتصار الداعمين للبقاء ضمن حظيرة المجموعة الأوربية ب 67% مقابل 33%، يجب الإشارة هنا إلى أن صناع القرار في لندن إنتظروا سنتين بعد دخولهم لتنظيم هذا الإستفتاء الشعبي ، مما يؤكد الإرتباك الحاصل آنذاك داخل أوساط النخب السياسية بيمينها و يسارها ، زد على هذا أن دخول البريطانيين إلى السوق الأوربية المشتركة تزامن مع نهاية المرحلة الذهبية لتطور إقتصاديات أوربا.

– بداية المواجهة

خلال ولاية “ماركاريت تاتشر” Margaret Thatcher ” مابين 1979 و 1990 ، لاحظت المرأة الحديدية أن المساهمة البريطانية في ميزانية الإتحاد الأوربي تفوق بكثير ما تتلقاه لندن من تمويلات لقطاعات أساسية خاصة الفلاحة ، هذا ما عبرت عنه في إجتماع القمة الأوربية أيام 29 و 30 نونبر 1979 بدوبلان، بمداخلتها الشهيرة ” I want my money Back ” محققة أول مكتسب يقضي بتخفيض مساهمة بريطانيا في ميزانية الإتحاد الأوربي ، منعرج أخر قادته ” تاتشر” داخل المجال الأوربي، تجلى ذلك في تأثيرها لإعادة صياغة ميثاق الوحدة الأوربية ، محاولة فرض رؤية نيو ليبرالية خوفا من أن يتحول الإتحاد إلى دولة فيدرالية مما يتنافى مع خياراتها السياسية و الإقتصادية .
ما بين 1990 و 1997 و خلال ولاية “جون ميجر” ” John Major ” ، تم التوقيع في 7 فبراير 1992 على إتفاقية ” ماستريخت” ، إستطاع رئيس الوزراء البريطاني التفاوض على مجموعة من الإستثناءات على المستوى الإجتماعي و النقدي بحيث رفضت بريطانيا الإنخراط في العملة الموحدة الأورو مفضلة الحفاظ على عملتها الوطنية ، كما فاوض ” مايجر” على إزاحة مفهوم “أوربا الفيدرالية” مطالبا ببقاء السياسة الخارجية و الدفاع ضمن المجالات السيادية الخاضعة للتعاون بين الحكومات الأوربية دون تدخل بروكسيل ، وصل الأمر برئيس وزراء بريطانيا إلى رفض سنة 1994 تعيين ” جون لوك ديان” ” Jean-Luc Dehaene ” رئيسا للمفوضية الأوربية، نظرا لإيمان هذا الأخير بأوربا ذات عمق فيدرالي ، طيلة التسعينات من القرن الماضي بريطانيا ظلت تشكل حسب الملاحظين و المختصين عائقا أمام إندماج أوربي حقيقي .
ما بين سنة 1997 و 2007 ، حزب العمال يعود للحكم ، ” طوني بليير” ” Tony Blair ” حاول الحفاظ على علاقات جيدة مع بروكسيل ، مركزا على ضرورة مفاوضات جديدة حول ميزانية الإتحاد، لا سيما الشطر المتعلق بالسياسة الفلاحية المشتركة التي تستفيد منها دول على حساب أخرى ، لكن عندما تولى ” دافيد كاميرون” ” David Cameron ” دفة الحكم سنة 2010 ، مواقف لندن أصبحت أكثر تشددا اتجاه الإتحاد الأوربي، رفض “كاميرون” التوقيع على ميثاق الميزانية المصادق عليه من طرف المجلس الأوربي المنعقد في 9 دجنبر 2011 مهددا سنة 2013 بإستعمال الفيتو ضد ميزانية الإتحاد الأوربي لسنوات 2011 / 2020 ، بعد ذلك أعلن أنه في حالة إستحالة القيام بإصلاحات عميقة تمس مؤسسات وهياكل الإتحاد الأوربي بأجمعها فإنه سيضطر إذا ما تم إعادة إنتخابه سنة 2015 إلى إستشارة الشعب البريطاني حول البقاء أو مغادرة سفينة بروكسيل ، البعض إعتقد آنذاك أنها مجرد إستراتيجية إنتخابية الهدف منها البحث عن أغلبية منسجمة داخل حزب المحافظين، ثم الوقوف أمام المد الصاعد لحزب “UKIP” ” United Kingdom Independence Party ” المعارض لتوجهات الإتحاد الأوربي و المنافس الشرس لحزب المحافظين ، قبل ذلك في ماي 2013 حزب المحافظين يقدم مقترح قانون حول الإستفتاء لخروج بريطانيا من الإتحاد الأوربي ، هذا المشروع المدعم من طرف رئيس الوزراء ” دافيد كامرون” لم يستطع الحصول على الدعم نظرا لتحفظ الحزب العمالي بالإضافة إلى الليبراليين الديمقراطيين ، جواب بروكسيل على هذه المبادرة هو تقديم طلب للحكومة البريطانية للمساهمة في ميزانية الإتحاد بمليارين من الأورو ، رئيس حكومة بريطانيا رفض ذلك معتبرا أن الأمر غير مقبول ، مؤكدا أن لندن لن تلتزم بدفع ما قرره صناع القرار داخل الإتحاد الأوربي ، هذا الموقف المتشدد من طرف “كامرون” خلق تعاطفا كبيرا في أوساط الناخبين ، بحيث إستطاع حزب المحافظين الحصول على أغلبية مريحة في إنتخابات 7 ماي 2015 ، من هنا إقتنع الوزير الأول بضرورة الإلتزام بالوعد الإنتخابي المتمثل في تنظيم إستفتاء شعبي حول البقاء أو الخروج من الإتحاد الإوربي ، هذا ما حصل عندما قدمت الحكومة البريطانية في 28 ماي 2015 مشروع قانون لتنظيم الإستفتاء مع تحديد تاريخ 23 يونيو 2016 يوما للإقتراع ، النتائج النهائية لهذه الإستشارة الشعبية أكدت على أن 51.9%من البريطانيين يحبذون مغادرة بروكسيل ، رئيس الوزراء إلتزم بإحترام إرادة الشعب البريطاني مقدما إستقالته تاركا لمن سيأتي بعده مسؤولية تحضير شروط الإنسحاب النهائي من الإتحاد الأوربي. في هذه الفترة حزب المحافظين يختار ” تريزا ماي” ” Theresa May ” وزيرة الداخلية السابقة رئيسة للحكومة البريطانية ، هذه الأخيرة بمجرد تحمل مسؤولياتها التنفيذية صرحت بأن الإنسحاب يجب أن يكون شاملا بدءا من السوق الأوربية المشتركة مرورا بالإتحاد الجمركي و صولا إلى محكمة العدل الأوربية مؤكدة على أن مجلس العموم البريطاني مطالب هو الأخر بالتصويت على عملية ” البريكسيت” ، في 26 يناير 2017 رئيسة الوزراء تقوم بزيارة لواشنطن تلتقي خلالها بالرئيس الأمريكي “ترامب” المتحمس و المدعم لعميلة “البركسيت ” ، في خضم هذه الأحداث البرلمان البريطاني يصوت على مشروع القانون الذي يسمح للحكومة بتفعيل المادة 50 من ميثاق الوحدة الأوربية بأغلبية مطلقة وصلت إلى 494 صوت مقابل 122 .

– بين الإستفتاء و التوصل إلى توقيع الإتفاق، إنقسام في المجتمع البريطاني

الإستفتاء أحدث حسب العارفين بالمجتمع البريطاني إنقساما واضحا على المستوى الترابي و الإجتماعي ، ففي المدن الكبرى تصدرت أصوات الناخبين شرائح المطالبين بالبقاء ضمن حظيرة الإتحاد الأوربي، في حين أن المدن الصغرى و المناطق القروية صوتت بكثافة لصالح مغادرة المشروع الوحدوي الأوربي ، بالإضافة إلى هذا الإنقسام السوسيو عمراني، هناك كذلك شرخ على مستوى الفئات العمرية، ذلك أن أقل من 45 سنة لا سيما ما بين 18 و 24 سنة صوتوا لصالح ” Remain ” أي البقاء في الإتحاد، في حين أن الفئة العمرية لأكثر من 65 سنة، كانت متحمسة لمغادرة الإتحاد بكل مؤسساته ” Le Leave ” أي الخروج، كذالك الأطر العليا الذين يمثلون الفئات المتوسطة لسكان الأحياء الراقية صوتوا لصالح البقاء، عكس سكان المناطق المعروفة بكثافة عمالية و بحضور قوي لأحياء السكن الإجتماعي صوتوا من أجل مغادرة الإتحاد الأوربي ، و أخيرا البريطانيون ذوي الأصول الأجنبية المختلفة، جزء كبير منهم تعبئوا لصالح البقاء ضمن حظيرة الشراكة الأوربية ، زد على هذا أن الحملة الإستفتائية إنصبت أساسا على مواضيع خلافية تهم بالخصوص قضايا الهجرة و المشاكل الإقتصادية ثم إشكالية الهوية، ثلاثة إتجاهات برزت إلى الوجود خلال الحملة الإنتخابية ، تيار مدافع عن “البريكسيت” معارض لمبدأ السوق الأوربية المشتركة ، رافض لكل مؤسسة الإتحاد، يطالب بوضع يشبه الوضع الحالي للدولة السويسرية، ثم إتجاه ثاني يلح على ضرورة القطيعة مع المشروع الأوربي، يتبنى ثقافة حماية الحدود الوطنية ، معارض لكل أنواع الهجرة ، له خطاب شعبوي يعتمد على زرع الشك و الخوف في أوساط المواطنين لاسيما الفئات الهشة إقتصاديا و إجتماعيا، و أخيرا مقاربة تمثل الإتجاه الثالث برزت مع ” بوريس جونسون” الوزير الأول الحالي، تعتمد على براغماتية نيو ليبرالية بخطاب تقنوقراطي تعتبر الإتحاد الأوربي بنية بيروقراطية جامدة غير قادرة على مسايرة الديناميكية الإقتصادية، هذه الأخيرة يجب أن ترتكز في نظرهم على قليل من الدولة وذلكبإتاحة الفرصة لمنافسة قوية مع التركيز على توقيع إتفاقيات تجارية صالحة لكل الأطراف تعتمد على مبدأ المناقشة الصريحة و الشفافة دفاعا على مصالح كل الأطراف .
منذ إستفتاء البريكسيت في يوينو 2016 إلى حدود إيجاد إتفاق بين الطرفين في 24 دجنبر من السنة الماضية ، أربع سنوات ونصف من المفاوضات الصعبة و الشاقة في جل الأحيان، ثلاثة رؤساء حكومات بريطاينا تعاقبوا على الحكم قبل هذا الإتفاق ، رئيس المفوضية الأوربية السابق ” جون كلود جانكير” ” Jean-Claude Junker ” هو من إقترح الفرنسي ” ميشال بارني” ” Michel Barnier ” على رأس الفريق الأوربي لقيادة المفاوضات مع الجانب البريطاني ، هذا الأخير يعرف جيدا خريطة الحكم في لندن ، هو الذي أشرف بإسم بروكسيل على وضع اللمسات النهائية على مشروع تقنين القطاع المالي و البنكي الأوربي بعد أزمة 2008، كان وزيرا للفلاحة ثم وزيرا للخارجية في فرنسا ، محسوب على الإتجاه المرتبط بإرث و مرجعية الجنيرال ” دوغول” ، يميني معتدل له علاقات جيدة مع مجموعة من رؤساء دول و حكومات الإتحاد الأوربي ، الجانب البريطاني و بعد إستقالة ” دافيد كامرون” الذي تعرض بالمناسبة حسب الملاحظين لضربة سياسية موجعة ، ذلك أنه دعم طيلة حملة الإستفتاء بقاء بريطانيا في حظيرة المجموعة الأوربية ، إلا أن الجناح المؤيد لخروج لندن و الطلاق مع بروكسيل بقيادة كل من ” بوريس جونسن” قبل أن يكون وزيرا أولا و ” مكايل كوف” ، لم يتوقعا الإنتصار الإستفتائي، بدليل عدم توفرهم على أي مشروع لمواجهة مرحلة المفاوضات ، لذلك فضلا ترك المجال “لتريزا ماي ” و التي سقطت بدورها في إرتباك سياسي بعدما أعلنت عن تنظيم إنتخابات سابقة لأوانها معتقدة أنها ستحصل على أغلبية مريحة تساعدها على تمرير مشروع البريكست ، النتيجة كانت عكسية بحيث تقوى حزب العمال و أصبحت هي سجينة لأحزاب عديدة تحتاجها لتكوين أغلبية داعمة لحكومتها .
عندما وصل ” بوريس جونسون” إلى قيادة الجهاز التنفيدي في بريطانيا ، تصرف بتشدد لكن برؤية برغماتية منطلقا من مرجعياته النيو ليبرالية البعيدة عن الدغمائية الإيديولوجية ، هدفه تحقق عندما أعلنت رئيسة المفوضية الأوربية الألمانية “إيرسولا فاندر ليين” ” Ursula Vonder Leyen ” عن التوصل إلى إتفاق تبادل حر بين بروكسيل و لندن و الذي أعتبر تاريخيا بكل المقاييس ، 700 مليار أورو هي قيمة المبادلات التجارية السنوية التي ستترتب عن هذا الإتفاق و الذي يعد حسب المختصين الأول من نوعه بين الإتحاد الأوربي و شراكاء أخرين، الطرفان في نهاية المطاف توصلا إلى توافق متجاوزين النقط الخلافية و التي تمحورت أساسا حول تخوف الأوربيين من منافسة بريطانية تجارية غير متساوية، و بالتالي ضرورة إلتزام لندن بالمعايير الإجتماعية و البيئية المطبقة في دول الإتحاد الأوربي ، الخلاف الثاني تمثل في ضرورة معالجة إشكالية الصيد البحري الذي يعد إقتصاديا مسألة رمزية لا تتعدى قيمتها 650 مليون أورو، بحيث لا يشكل هذا القطاع إلا 0.1%من الناتج الداخلي الخام في بريطانيا و 1.5% من الناتج الداخلي الخام لدول الإتحاد الأوربي،لكنه ملفيحمل في طياته دلالات سياسية، فبريطانيا كانت تطالب بسيادة كاملة على خيراتها البحرية ، في حين أن الأوربيين فاوضوا بشراسة حتى لا تتحول المياه البريطانية المليئة ببعض أنواع الأسماك إلى فضاء صيد بريطاني محض ، في نهاية المطاف الإتفاق الموقع أكد أن 25% من الأسماك المصطادة و لمدة 5 سنوات و نصف ستبقى لصالح لندن، هذه الأخيرة كانت تطالب بنسبة 60%، في مجال آخر الإتحاد الأوربي سيسمح بدخول السلع البريطانية إلى أسواقه بدون تعريفة جمركية و بدون كوطة محددة سلفا، لكن بعودة الإجراءات الجمركية التي تم إلغائها منذ سنة 1993 ، يجب التأكيد هنا على أن السوق الأوربية تتعدى 450 مليون مستهلك مع التذكير أن 54% من الصادرات البريطانية تتوجه أساسا نحو الأسواق الأوربية ، نهاية حرية التنقل بين الفضاء الأوربي و بريطانيا إبتدءا من فاتح يناير 2021، الأوربيون مطالبون بالتوفر على عقد عمل و على أجر سنوي يتعدى 29.500 أورو،أما بالنسبة لأربعة ملايين من الأوربيين المقيمين ببريطانيا فإنهم حسب الإتفاق سيحتفظون بمناصب شغلهم و بإقامتهم ونفس الشيء بالنسبة للبريطانيين ، نهاية ما كان يسمى بالجواز المالي الأوربي، الذي كان يميزو يعطي قوةتنافسية لأول مركز مالي في أوربا و نقصد بذلك لندن ، من هنا فإن المؤسسات المالية و البنكية المتواجدة في مركز لندن لا تستطيع بيع منتوجاتها إبتدءا من فاتح يناير الحالي ، مما يعني أن الأبناك و صناديق الإستثمار مطالبة بفتح مقرات جديدة لها في دول الإتحاد الأوربي، مع العلم أن المركز المالي في لندن يشغل حاليا أكثر من عشرة ألاف إطار ، على المستوى المعرفي و العلمي، طلبة الإتحاد الأوربي ملزمون إبتدءا من فاتح يناير الحالي بتأدية رسوم التسجيل في المدارس و المعاهد الجامعية البريطانية .
الإتحاد الأوربي خرج بإنتصار مستقبلي من المفاوضات مع بريطانيا ، العديد كان يتوقع أزمة داخلية قد تعصف بمكتسبات الوحدة الأوربية ، العكس هو الذي حصل كل الدول الأعضاء فضلوا التكتل وراء الفريق المفاوض ، كانوا على وعي بأن الخلافات حول الملفات الحساسة مثل الهجرة لازالت حاضرة بقوة في أدهان الرأي العام الأوربي ، و بالتالي كل عمل فردي أو أحادي قد يؤدي إلى إضعاف المشروع الوحدوي ، عملية البريكسيت جعلت بروكسيل تعجل بالموافقة الأولية على الإتفاق مع بكين حول دخول الإستثمارات الأوربية للأسواق الصينية .

*  وزير سابق و عضو مركز الدراسات الديبلوماسية و الإستراتيجية بباريس

التعليقات على بنعتيق يكتب: “البريكسيت” أو أكثر من أربعين سنة من العلاقات الصعبة و المعقدة مغلقة

‫شاهد أيضًا‬

التقدم والاشتراكية يؤكد مُقترح برلمانييه لمنع تزويج الطفلات ويعتبره خطوة في اتجاه “مراجعة” مدونة الأسرة

نَوَّه المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية،  بمبادرة مجموعته النيابية بمجلس النواب عبر …