بوشعيب دو الكيفل

حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين

مقولة ظهـرت في عصر الأنوار وتبلورت في كتابات مفكري الأنوار ثم ذهبت مثلا. من الناس من ينسبها إلى جون ستيوارت ميل، روحها تجسدت في مواد إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر في غشت 1789:

La liberté consiste à pouvoir faire tout ce qui ne nuit pas à autrui

إنها الحرية، إحدى أولى وأكبر ضحايا كوفي 19، التي لم تتضمنها الجداول الإحصائية اليومية لحصيلة الجائحة عبر العالم، والتي أدمن متابعتها العديد من الناس، هي “الحرية” التي تعرضت لعدوان بشع عبر العالم وبدرجات متفاوتة بين البلدان، لكن الضرر كان عاما وشاملا، تساوى فيه الجميع، من أقصى الغنى إلى أقاصي الفقر.

وقد لامس الجميع قيمة الحرية وهو يُحرم منها بسبب التدابير الاحترازية والتضييقات التي فرضها التعاطي مع خطورة الجائحة وآثارها المدمرة بسرعة البرق؛

كثيرون اكتشفوا طعم حرية التنقل دون قيود، وحلاوة أن لا تحتاج لإذن وأنت ترغب أو ترغبين في قضاء حاجة أو متعة أو روتين قار دون إذن أو ترخيص، حاجة لا تتطلب سوى توفر الرغبة ووسيلة إشباعها دون الحاجة لطلب إذن أو نيل موافقة، أو مراقبة لحركاتك وسكناتك في الفضاءات العامة أو التزام إجراءات الوقاية وأنت في أعمق حميمياتك.

كثيرون اكتشفوا، مع كورونا، بشاعة الرقابة وثقلها على النفس الحرة؛

كثيرون لم يفكروا يوما في أن حريتهم تنتهي عندما تبدأ حرية الآخريـن؛

كثيرون لم يسمعوا بأنه لا يمكن تقييد الحرية إلا بالقانون؛

كثيرون لا يعرفون أن مقتضيات قانونية قبل وبعد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نصت على عدم تقييد الحرية إلا بمقتضى القانون؛

وكثيرون يقدرون اليوم مذاق الحرية، طعمها، نكهتها، لونها، شساعتها، اتساع آفاقها، كرمهاوقيمتها وأنها لا ثمن لها وللذة توفرها وصيانتها، وأنها لا تقدر بثمن بأي عملة كانت؛

لكن الكثيرين سيذكُرون أن الدرس الأساسي المستخلص من تجربة كورونا هو الحرية كقيمة، كحق، كممارسة نمارسها مثلما نتنفس الهواء، الحرية التي تغنى بها وغنى لها الشعراء والفنانون والمبدعون و… منذ قديم الأزمان، الحرية التي استرخص من أجلها الكثيرون حياتهم لينالها غيرهم، الحرية التي ارتبطت ولا زالت بأسماء نساء ورجال ناضلوا من أجل أن تبقى خالدة كإحدى أرفع القيم الإنسانية والأغلى ثمنا والمطلوبة دوما وأبدا.

هذه الحرية جعلتنا تجربة المعاناة لشهور مع كورونا نعيد تقييم علاقاتنا بها، علاقاتها بنا؛

كل ذلك لأن حرية كورونا تهديد لحرياتنا بصيغة الجمع؛

كورونا تحتاج مواجهتها إلى تقييد لبعض حرياتنا، نعم، لكن ليس إلى الأبد؛

حرياتنا تحتاج لتأطير بواسطة القانون ولا شيء غير القانون للتعامل مع كورونا؛

لأن كورونا وباء، دمار، آلة جبارة لخلق المآسي وإنتاجها بغزارة، مع سبق الإصرار والترصد؛

كورونا وباء وقح لا يميز بين الناس، وباء لم يتورع عن مهاجمة حتى الأطباء ومهنيي الصحة الموجودين في مواجهة مباشرة معه، وهو بذلك يخرق القانون الدولي الإنساني الذي يقر باحترام الأطقم الطبية وتوقيرها.

كورونا يضعنا في سجن واحد، كورونا يجعلنا في حالة سراح مؤقت، وكلنا ضحايا محتملون؛

كورونا غيًب لونا من اللوحة التي دأبنا على تأملها؛

كورونا خلط كل أوراقنا، وغاص في أعماقنا؛

كورونا ذكرني بفيلم سينمائي بصم تاريخ السينما الإيطالية Nous sommes tous en liberté provisoire

وهو فيلم من إخراج المبدع الإيطالي داميانو دامياني سنة 1973 ، يستعرض بشاعة السجن والاعتقال، وكأن كورونا يدعوننا لإعادة مشاهدته، كي لا ننساه.

بإنجازاته البشعة دخل كورونا التاريخ من بابه الواسع وفرض نفسه على العالم، على الإعلام، على الطبيعة، وأمامه رفع الكثيرون راية الاستسلام، إلى درجة أنه أصبح في أيامنا هذه أشهر من نار على علم، حاضر في نومنا وصحونا، في خبزنا اليومي الموجود أو المفقود.

كما دخل كورونا التاريخ من باب الاقتصاد الأوسع، حيث حول حياة البشرية إلى بورصة ضخمة تــرتفع فيها أسهم الضحايا إصابات ووفيات ومآسي وأيتام ….بورصة تنزل فيها أسهم المتعافين والناجين

كورونا حظر التجول والتنقل في الفضاءات العامة وبين المدن وبين أقطار العالم؛

كورونا قتل السياحة بخنجره المسموم

كورونا احتجــز القطارات في محطاتها

كورونا احتجــز السفن في الموانئ

كورونا جمد الطائرات على أرضية المطارات

كورونا هزم التأشيرات، وأذل الفيزا وأسقط أسهمها إلى الحضيض الأسفل

كورونا أقفل حقائب السفر وأدخلها دهاليز النسيان

كورونا احتجــز ملابس السهرة والحفلات في خزانات الملابس الباردة

كورونا هزم جوازات السفــر العادية والدبلوماسية والتي فوق العادة

كورونا اغتال الــفرح بمنعه الحفلات الفنية

كورونا احتجز عائلات ممتدة في أمتار معدودة، وبدون نوافذ أحيانا

كورونا تحكم في حجم الجنائــز ولوائح المعزين، وفي العشاء الأخير لوداع الأموات

كورونا كمم الأفواه….. خارج القانون وبواسطة القانون وبمقتضاه، ويعاقب على من رفض التكميم أو اعترض عليه

ولكن….

ولكن مع ذلك ينبغي الاعتراف أن لكورونا فوائد تستحق أن تُذكر، فقد أوقف تقريبا كل الحروب عبر العالم، وهو ما عجـزت عنه هيأة الأمم المتحدة منذ إحداثها سنة 1945، ورفضه الجبابرة وتجار السلاح، لكن مع كورونا كل الأصوات أضحت تعلو فوق صوت المعركة، إذ استرجعت كل الأسلحة راحتها ونامت نومة هنية، وغادر المتحاربون خنادقهم ورفعوا أصبعهم على الزناد، وصمتت المدافع والصواريخ، وارتاحت الطائرات من عبء القصف العشوائي، وقرفصت أيضا الأسلحة الكيماويةتسترجع أنفاسها، وتراجعت أعداد الضحايا مدنيين وعسكريين ومحايدين، وكائنات غير بشرية لا يحصيها عادة تجار الحروب.

وهذه كلها نقط إيجابية لكورونا وقد يستحق عليها جائزة نوبل للسلام برسم سنة 2020،

كما قد ينال مختبر أو أطباء وطبيبات ناضلوا ضد كورونا جائزة نوبل للطب 2020، وهذه قد تُحسب أيضا، مع ذلك، لكورونا،

وتفرغ الصليب الأحمر والهلال الأحمر للعمل مع كورونا…. ، وتفرغت صافرات سيارات الإسعاف للزغردة كل حين وأوان خصيصا لكورونا….

كما ينبغي أن نعترف لكورونا  بكونه استطاع أن يحول العالم، على شساعته وبشاعته، إلى زنزانة واحدة من الحجم الكبير يتحكم فيها جلاد واحد يحمل إسما مستعارا يعرفه به الجميع “كوفي 19”دون أن ينجح حتى اليوم في كشف هويته الحقيقية وملامحه الدقيقة، التي لا زالت رهن التحقيق، وهو يراوغ ويتمنع عن الاعتراف بما ارتكب، وهذه ينبغي أن تُحسب له بكل موضوعية وحياد وبروح رياضية عالية.

سؤال كبير يؤرقني: حين سيلقون القبض على كورونا هل سيحاكمونه محاكمة عادلة، هل سيقررون إعدامه. وإن أعدموه، وبما أنه ليس له أهل ولا أقارب لتسلمه ولا وطن يقبل باحتضان جثمانه أو رماده، هل سيدفنون جثمانه أو رماده؟ وهل سيحتــرمون طقوس الدفن وعلى أي طقوس سيستقرون ويتوافقون؟؟؟

ولكن قد لا يتفقون حول صياغة صك الوفاة، ومن سينال شرف توقيعه؛

لا لن يدفنوه ولن يكشفوا عن مكان دفنه حتى لا يتحول مدفنه إلى مزار أو معبد، لأن حراس المعابد سيستبدون بهذه السلطة الجديدة وغير المسبوقة، ويحولونها إلى استثمار يعــوضهم عما أفلتوه من مكاسب ضيعها عليهم زمن الحجر الصحي ومنع التجوال.

كما قد لا يتفق العالم على مكان الدفن ولا على تقاسم إرث كورونا غير المشرِف، وهل له أصلا ورثة؟ نعم  لأن ورثته هم تجار المآسي الذين لم يترددوا في السطو على الغنيمة والسبي المنهجي للضحايا، وانتهاز الفُــرص دون أن يكتـرثوا لمعانات الأبرياء من دمار نفسي واقتصادي واجتماعي و….و…..

ورغم ذلك من المؤكد أن كورونا سيحزم حقائبه ويرحل غير مأسوف عليه؛

لكنه قد يستغني عن حقائبه التي قد تذكره بفظاعة ما اقترف.

حين سيرحل كورونا سيبتسم العالم مجددا ، مثلما نبتسم للمصور بناء على طلبه، مثل كائن نجا من حكم بالسجن مع الأشغال الشاقة المؤبدة، يلملم جراحه، ويتحسس مفاصله وما أفلت من الجسد من بطش الجائحة.

لكن المُحبِط والمؤسف جدا هو أن لا يستخلص العالم كل العبر من تجربته المريرة مع كورونا؛

والمفرح الجميل أن يستعيد الناس حرياتهم التي لا ثمن لها.

أن يرتادوا الأماكن التي يحبون، أن يتنقلوا بحرية، كيف ومتى شاؤوا، دون الحاجة لإذن مكتوب، ولا لقناع أو ترخيص أو خوف دفين، أو أن يتسكعـــوا بدون وجهة محددة

أن يلتمس الناس سواسية بحرية ما يسعون إليه دون رقيب ولا حسيب إلا ما يقره القانون.

وهذا جوهر الحرية وأحد تجلياتها  وتفاصيلها الصغيرة التي لا ينتبه إليها الإنسان وهو في لجة الروتين المكين.

وأخيرا ينبغي، رغم كل ما سلف، الاعتراف أن لجائحة كورونا فوائد منها أنها:

حفزت البحث العلمي في مجالات الصحة لإيجاد عقار أو لقاح لمواجهة جبروت كورونا؛
أطلقت العنان للخيال البشري، المبدع دوما، لإبداع السخرية والنكات الرائعة حول الفيروس في صراعه مع الإنسان بصيغته الكونية.

وأخيرا متى ستقول لنا يا كورونا وداعا أيها البشرية، ونقول لك بصوت واحد، اذهب إلى الجحيم.

يضا ينبغي الاعتراف له ينبغي أيضا أن يُحسب له بكل موضوعية وحياد وروح رياضيةي

التعليقات على كورونا والحرية.. الجائحة التي جعلتنا في حالة سراح مؤقت مغلقة

‫شاهد أيضًا‬

فاس- مكناس.. تعبئة قاعات مغطاة ومدرجات جامعية لتنظيم امتحانات الباكالوريا

قال مدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لفاس- مكناس، محسن الزواق، إن 13 قاعة مغطاة وم…