في هذا الجزء الأول من الحوار الذي أجراه الإعلامي والباحث في التاريخ، المغربي المقيم في قطر، الحاج محمد الناسك، وخص به موقع “الأول”، يتحدث الفيلسوف والمفكر التونسي أبو يعرب المرزوقي عن قراءته للربيع العربي، ويقول إن أفضل اسم مطابق للظاهرة التي شهدتها المنطقة العربي بدء من نهاية 2010 هي “ثورة التحرير العربي” بمعنى التحرير من الاستعمار وأذياله وتحرير الإنسان العربي من الانحطاطين: الانحطاك الذاتي (النخب التي تدعي الأصالة والفهم الجاهلي لقيم القرآن) والانحطاط الاستعماري (النخب التي تدعي الحداثة والفهم الاستعماري لقيم الحداثة).
أبو يعرب المرزوقي حاصل على الدكتوراه في الفلسفة العربية واليونانية تخصص في الفلسفة العربية واليونانية والألمانية، له توجه فلسفي إسلامي في إطار وحدة الفكر الإنساني.

أجرى الحوار: الحاج محمد الناسك
– تعددت التسميات لوصف ما شهده العالم العربي منذ 2011 من أحداث ويشهده:”الربيع العربي”،”الثورات العربية””الاحتجاجات “الحراك”أي المصطلحات في نظرك أدق؟ وما تفسيرك لـ “الربيع العربي”؟ (التسمية التي اخترتها)؟
يشترك الاسمان الأولان في النسبة إلى العرب الدالة على شمول الظاهرة للوطن العربي ويختلفان بكون أولهما استعارة عامة تفيد التفاؤل بالظاهرة رغم أنها قد بدأت في الشتاء لكنها تواصلت في الربيع والثاني محدد لطبيعتها مع ذكرها بالجمع لأنها لم تحدث دفعة واحدة بل توالت في أقطار الوطن. وهي لا تزال جارية.
أما الاسمان الثانيان ففيهما شيء من الحد من سمة التفاؤل الأولى بعد أن حصل التعثر والنكوص مع تردد بين شيء من التشاؤم (مجرد احتجاجات) وشيء من التفاؤل (حراك). وكل هذه التسميات موجودة وتتردد كثيرا في الإعلام العربي والغربي.
فأيها أكثر مطابقة لحقيقة الظاهرة نفسها مطابقة تجعله يتجاوز الأحكام عليها من منطلق التفاؤل والتشاؤم؟ ينبغي أن نبني الجواب على معطيات موضوعية تجعل الأوصاف السابقة ذات دلالة غير كافية حتى وإن صدقت من بعض الوجوه.

abou yaareb marzoukiفلو اكتفينا بالموجة الأولى من الظاهرة واعتبرناها قد انتهت لصحت كل هذه الأحكام. لكن الظاهرة ما تزال جارية ولعلها الآن في ذروة الموجة الثانية وخاصة في مصر وليبيا أي بعد تدخل العسكر بالانقلابين اللذين لم يسيطر أصحابهما بعد على الوضع بل هم بدأوا يخسرون المعركة. كما أن تواصل الصمود الثوري في سوريا رغم تحول المعركة إلى معركة دولية بين غالبية الشعب وكل حلفاء النظام من مليشيات إيران العربية والسند الإيراني والروسي. وأفضل اسم مطابق للظاهرة هو إذن “ثورة التحرير العربي” بمعنى التحرير من الاستعمار وأذياله وتحرير الإنسان العربي من الانحطاطين: الانحطاك الذاتي (النخب التي تدعي الأصالة والفهم الجاهلي لقيم القرآن) والانحطاط الاستعماري (النخب التي تدعي الحداثة والفهم الاستعماري لقيم الحداثة). ويتبين ذلك خاصة في شعارات الثورة من يومها الاول:
فالتحرر من الانحطاط الذاتي يرمز إليه بيتا الشابي الدالان على العودة إلى الفهم القرآني السليم لمعنى القضاء والقدر معناه الذي لا يتنافى مع دور الإنسان في صنع تاريخه بحرية
والتحرر من الانحطاط الموروث عن الاستعمار يرمز إليه شعارا الحرية والكرامة اللذان يرفضان معاملة نواب الاستعمار للشعوب وكأنها أنديجان يحكمونها بالاستبداد والفساد ويدعون تحديثها رغم أنفها تحديثا لا يحقق قيم الحداثة بل هو يمسخ الشعوب بسطحياتها التي توطد التبعية وتفقد الشعوب هوياتها الحضارية.
– ما العناصر المشتركة بين هذه (التسمية التي اخترتها) التي شهدتها دول عربية وما العبر التي يمكن استخلاصها منها، وما خصوصية كل حالة، وخاصة التونسية؟
يمكن أن نقسم المشترك بين تعينات الثورة العربية في أقطار الوطن تساوقا وتواليا إلى مستويين: أحدهما تمثله الشعارات المشتركة المعبرة عن الأهداف المباشرة للثورة أعني شعاري الحرية والكرامة والشغل والعدالة الاجتماعية.
والثاني يمثله ما وراء هذه الشعارات المعبر عن الأهداف غير المباشرة التي تبينت شروطا للأهداف المباشرة.
فالشعارات بجنسيها المباشر وغير المباشر تنقسم إلى زوجين اثنين أحدهما يرد إلى شعاري الحرية والكرامة ويمكن اعتبارهما ممثلين للمطالب المباشرة المتعلقة بالحاجة السياسية والاجتماعية المباشرة والثاني يرد إلى بيتي الشابي ويتعلق بما بسببه اعتبرت الثورة تعبيرا عن إرادة حياة.
لكن هذا التوصيف للزوجين الأولين الحرية والكرامة بالزوجين الثانيين الإرادة والحياة يحيلنا إلى الأعماق السابقة (علل الثورة الفاعلية) والأعماق اللاحقة (علل الثورة الغائية) الأعماق المحيطة بهذه الأهداف المباشرة ماضيا ومستقبلا. فالثورة ثورة تكون بمقتضى أولاها نابتة في الحضارة العربية الإسلامية التي تسعى بمقتضى ثانيتها إلى الانبعاث لاستئناف دورها في المستقبل.
فالبيتان بتركيزهما على الإرادة والحياة تردان على تصور منحرف لمفهوم القضاء والقدر. وبذلك ففيهما وعي بعلة الانحطاط التي أدت إلى موت الشعب وفقدانه الإرادة. ومن ثم فهما استئناف لفهم القضاء والقدر فهما قويما يطابق حقيقته القرآنية التي تتعلق بصلته بدور الإنسان في التاريخ: إذ إن البيتين صوغ شعري جميل لآية قرآنية تتعلق بتغير الشؤون البشرية كيف يكون. فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ومن ثم فإرادة الحياة تغيير في النفوس يؤدي حتما إلى تغيير في ما بالبشر لأن القضاء والقدر لا يلغي دور الإنسان في التاريخ بل هو يأخذه بعين الاعتبار.
4363554لكن الوصل بين مطالب الثورة المباشرة وعلل الانحطاط التي ينبغي التخلص منها يعني الانتباه إلى أسباب غياب ما يحقق هذه المطالب أعني شروط الكرامة والحرية: التخلص من علل التبعية المادية والروحية ومن قابلية الاستعمار. ومن ثم عموم الوعي بأسباب التبعية والقابلية للاستعمار واعتبارهما أسباب غياب شروط الكرامة والحرية. ولا يمكن فصل هذا الوعي بإدراك ما يترتب على الإبقاء على الجغرافيا الاستعمارية التي تحول دون شروط القوة المادية وعلى التاريخ الاستعماري يحول دون شروط القوة الروحية:
فالاستعمار فتت وحدة الأمة الجغرافية فحول أقطارها إلى كيانات هزيلة لا يمكن أن تحقق شروط التنمية العلمية والاقتصادية: فما من قطر عربي بقادر على حماية ذاته ورعايتها بإمكانات هزيلة في عصر لا يستطيع الاستقلال فيه إلا العماليق (مثال اضطرار أوروبا للوحدة من أجل استعادة دورها بعد الحرب الثانية).
والاستعمار شتت وحدة الأمة التاريخي فحول أقطارها إلى كيانات تتحدد بنفي ما يوحدها تاريخيا وحضاريا لأن شرعية الدول القطرية صارت تطلب مما تقدم على التاريخ المشترك (التبعية لماض سابق على الإسلام: الفرعونية والبابلية والقرطاجنية والفينيقية إلخ..) أو مما تلاه (التبعية للمستعمر ازدادت بعد الاستقلال الشكلي وخاصة في المجالين الثقافي والاقتصادي وما يترتب عليهما سياسيا).
والجمع بين المفعولين التفتيت الجغرافي والتشتيت التاريخي يجعل الأمة إن لم تتدارك أمرها فاقدة للحصانة الروحية التي هي شرط بقائها فضلا عن كونها ما لا يمكن من دونه أن تستأنف دورها. فلا يمكن للقوة المادية التي تحقق الكرامة فتحرر من التبعية أن تحصل لكيانات قزمة عاجزة عن حماية نفسها فضلا عن إعالتها. ولا يمكن للقوة الروحية التي تحقق الحرية فتحرر من العبودية أن تحصل لكيانات تابعة في شروط البقاء حماية ورعاية. لذلك فأهداف الثورة البعيدة وغير المباشرة هي شروط أهدافها القريبة والمباشرة ما يجعل الثوار يدركون أن الوحدة الجغرافية والتاريخية للأمة هما شرطا استعادة القوتين المادية والروحية القوتين اللتني من دونها لا تتحقق الكرامة ولا الحرية.
– كيف تفسر السقوط السريع للأنظمة في تونس ومصر وليبيا، ولماذا الحالة السورية أكثر تعقيدا ودموية؟
في الحقيقة لا تزال الأنظمة في هذه الأقطار لم تسقط لأن سقوط رؤوسها الظاهرة لا يعني أن محركيها الخفيين سقطوا بدليل ما نراه من قوة للدولة العميقة المنبثة في أجهزة الدولة القضائية والأمنية والدبلوماسية والدفاعية وفي إدراتها وفي سلطان نخبها التي بادرت فتحالفت مع العسكر والاستعمار لتكوين صف الثورة المضادة الذي قام بالانقلابات واستعادة النفوذ الذي كان لهم بل وأكثر بسبب ميل الاستعمار إلى مساعدتهم خوفا من الثورة التي بدأت تحرر الإرادة الوطنية في أقطار الأمة.
والفرق والوحيد بين ما جرى في مصر وتونس من جهة أولى وما يجري في سوريا وليبيا من جهة ثانية هو أن رأس النظام في الحالتين الأوليين سقط بسرعة لأن الدولة العميقة هي التي بادرت بالتخلص منه لتقود المعركة بصورة أكثر دهاء (بقيادة الجيش في مصر وبقيادة النقابات في تونس). أما في سوريا وفي ليبيا فإن الدولة السطحية هي عينها الدولة العميقة لأن الدولة فيهما انحصرت في عاملين هما الأجهزة الأمنية والحامي الأجنبي وخاصة في سوريا أعني إيران ومليشياتها العربية.
لذلك فالثورة مرت فيها مباشرة إلى الصراع مع الدولة العميقة التي هي عينها الدولة السطحية. ومن ثم فهي من البداية في سوريا وليبيا ثورة جذرية تجمع بين ما يمكن أن يحصل في الموجة الثانية في تونس ومصر وما حصل فيهما في الموجة الأولى. لذلك فالدولة في سوريا وليبيا ليست شيئا آخر وراء النظام بل هي النظام ذاته بخلاف مصر وتونس.
لكن نفس الأمر سيحصل في تونس ومصر بسبب النكوص الحالي الذي لن يطول رغم أنه صراع مباشر مع الدولة العميقة التي تصارع الآن بعد حيلة التخلي المؤقت على رأس النظام: لأن الثورة بصدد الانتقال إلى موجتها الثانية ولعل التغييرات التي تحدث حاليا في الخليج وفي سعر البترول ستكون مساعدة على الحد من سلطان الثورة المضادة وتقوية صف الثورة.
– ذهب البعض في تفسير ما حدث ويحدث مذهب المؤامرة، أي سايس بيكو جديدة، ما رأيك؟
قبل حصول الانقلاب المصري ورغم تعثر الثورة في سوريا وليبيا واليمن ظلت دعوى أن الثورة مؤامرة غربية ضد الأنظمة التي حدثت عليها الثورة قابلة للتصديق بسبب ما بدا وكأنه ترحيب أمريكي بالثورة على الأقل في بداياتها. ظن الكثير أن المهادنة الغربية لامتصاص الموجة الأولى من الثورة دليلا على أنها من صنعه. وقد ناقشت أطروحة أشهر القائلين بهذه القراءة لأحداث الثورة في لقاء بينه وبيني عُقد بسويسرا قصدت الأستاذ طارق رمضان بمناسبة الاحتفال بسنة الثورة الأولى. ولسوء الحظ فالنقاش كان بالفرنسية ولذلك لم يطلع عليه القراء العرب إلا القلة منهم. وقد بينت في هذا النقاش عدم قابلية هذه الرؤية للتصديق لعلتين على الأقل:
الأولى هي أن الأنظمة التي وقعت عليها الثورة لم تكن معادية للغرب حتى يتآمر عليها فضلا عن كون وجود دور للعامل الخارجي لا يعني أنه المحدد وأن من أعدتهم أمريكا لاستباق ما كانت تتوقعه من ثورة بحيث تجعلهم هم أبطالها لم يكونوا هم أصحاب الثورة: فلا المجتمع المدني الممول من أمريكا ولا الأجهزة التي تسيطر عليها مخابرات الأنظمة التي هي في خدمة مخابرات أمريكا وإسرائيل هي التي قامت بالثورة كالحال في ثورات العسكر خلال القرن الماضي بل الثورة حدثت في الطبقات الشعبية الأدنى وفي المناطق والضواحي المحرومة.
الثانية هي دلالة تبدل الموقف الغربي عامة والأمريكي والإسرائيلي والإيراني خاصة من الثورة في تونس ومصر بمجرد أن رأوا أن خيارات الشعب لم تكن في الاتجاه الذي كانوا ينتظرونه بل كانت في الاتجاه المقابل تماما: فاختيار الشعب للأحزاب ذات المرجعية الإسلامية وتوجهات هذه الأحزاب السياسية اعتبرت سعيا إلى تحقيق شروط الاستقلال والتخلص من التبعية كما يرمز إلى ذلك الكلام على إنتاج الغذاء والدواء والسلاح أي التحرر في وظيفتي الحماية والرعاية وهو ما جعل الثورة المضادة هي التي باتت بوضوح ممثلة للمؤامرة الغربية وليس الثورة.
وذلك ما كان وخاصة بعد الانقلاب المصري وسكوت الغرب على جرائم السيسي وبشار ومليشيات إيران العربية في لبنان وسوريا والعراق واليمن. فهذا كله يبين أن المؤامرة هي الثورة المضادة وليست الثورة: فمن هب الجميع لمساعدته للقضاء على الثورة في مصر وتونس وتعثير الثورة في سوريا واليمن وليبيا هو رموز النظام القديم وخدم الاستعمار من الجنرالات الذي أطلقت أيديهم في التنكيل بالشعوب بكل الأسلحة تمزيقا وتحريقا وتهجيرا.
– ما رأيك في استجابة الغرب لما حدث ويحدث في العالم العربي، وخاصة الولايات المتحدة؟ التي يصف البعض موقفها بالمتخبط وخاصة في حالة سوريا؟
لا أعتقد أن استجابة الغرب لما حدث ويحدث في الوطن العربي وخاصة الولايات المتحدة منه متخبطة أو مترددة وخاصة في حالة سوريا. فالموقف الأول من الثورة كل موقف من يريد أن يهادن ليفهم ويوجه الأحداث في الاتجاه الذي يمكنه من تدارك ما لعله كان مفاجئا لتوقعاته مما يحاوله من ترتيب أوضاع المنطقة.
وقد لا حظت ذلك بنفسي خلال مشاركتي في حكومة الثورة الأولى لاحظته في زيارات الشيوخ الأمريكيين وما يحاولون القيام به من إغراء بالمساعدة اللامحدودة مقابل توجيه الخيارات. ولما فشلت محاولات الإحاطة بالثورة وتوجيهها نحو التطبيع مع إسرائيل وحصرها في مجرد تبديل السياسيين الذين فقدوا البريق بغيرهم ممن يمكن أن يخدم مصالح أمريكا بصورة أفضل مع شعارات ثورية كما حدث في القرن الماضي انقلب المزاج الأمريكي وخاصة بعد أن شعرت بالخطر الذي قد يصبح محيطا باسرائيل من أنظمة ديموقراطية حقيقية يكون فيها لرأي الشعب وإرادته دور المحدد الأول للمواقف والسياسات. وأذكر أني نصحت الحركة الإسلامية في تونس سرا وعلنا بعدم التسرع في المشاركة في الحكم مشيرا إلى عائقين لا بد أولا من تحقيق شروط التغلب عليهما:
فأمريكا والغرب سيطلبون من النظام الثوري أن يكون في علاقة مع إسرائيل تكون على الأقل من جنس ما كان موجودا في النظام القديم
والابتزاز والضغوط ستحاول فرض مواصلة سياسة التبعية بل وتمكين أمريكا من قواعد للتغلغل في إفريقيا بدعوى التصدي للإرهاب صراحة والصين التي انتشرت فيها بصورة ضمنية.
– ما الذي غيره الربيع العربي على مستوى الأفكار والعقليات، وما الذي غيره بك شخصيا؟
الربيع العربي نتج عن تغير في الأفكار والعقليات وخاصة في الموقف الخلقي ثمرة لقرنين من محاولات الإحياء والإصلاح في مناخ من المقاومة الشعبية للاستعمار الاستيطاني في بعض أنحاء دار الإسلام ومن المقاومة الفكرية للاستعمار الحضاري في بعض قلاع روح الأمة الإسلامية ممثلة بالعلماء والمفكرين المنتسبين بصدق إلى قيمها الخالدة وخاصة بعد أن حصل الكثير من شبابها على الجمع بين هذا الرصيد والتكوين العلمي والفلسفي الحديث.
وإذن فالربيع كان نتيجة لهذا التغير ولم يكن علة بدليل بيتي الشابي اللذين أصبحا شعارا للثورة. لكنه أصبح ممثلا للمناخ الروحي الجديد الذي برزت فيه هذه التغيرات في وضح النهار ولم تعد مجرد شعور عاجز عن التعبير الصريح. وذلك ما وصفه الملاحظون بكونه زوال حاجز الخوف. وما صمود الشعوب كما في سوريا والعراق ومصر وليبيا وتونس واليمن إلا من الأدلة القاطعة على أن الثورة لن تتوقف حتى تشمل كل الأرض الأسلامية من مندناو إلى المغرب فتحررها من الاستعمار والاستبداد والفساد فتستعيد الأمة دورها الكوني في تحديد آفاق البشرية المقبلة.
أما بخصوص ما حصل عندي شخصيا فهو ليس تغيرا بل تحقق من أن التغير الذي توقعته منذ أكثر من عقدين كان فعلا بصدد الحصول التدريجي ليس في الأقطار التي حصل فيها ما يوصف بالربيع العربي بل في المنطقة وفي العالم. ومعنى ذلك أني منذ سنة 1979 كتبت في “الاجتماع النظري الخلدوني والتاريخ العربي” أن المسلمين بصدد العودة إلى دورهم التاريخي بقيادة عربية وأنهم سيمثلون القطب الخامس في المستقبل القريب أعني القطب الأوسط بين قطبي الغرب الأدنى (أوروبا) والأقصى (الولايات المتحدة) وقطبي الشرق الأدنى (الهند) والأقصى (الصين).
وطبعا فهذا من الآمال وليس بعد مما تحقق. لكنه آت لا محالة لأن أمة الوسط التي ستكون شاهدة على العالمين ليست مجرد عقيدة بل هي متحققة جغرافيا وتاريخيا: فدار الإسلام تشغل قلب العالم ووسطه وحضارة الإسلام تتوسط التاريخ جسرا بين قديمه وما قبله وحديثه وما بعده. وهي من ثم جامعة لفضائل مراحل التاريخ كلها لأن تكونها واستئنافها كان بالأساس مقاومة لما حل بها من رذائلها: لذلك فهي اليوم تمثل مصب كل “بلاوي” العالم الحديث. لكنها في آن هي الوحيدة التي لم تتوقف عن المقاومة لشرور العولمة التي تحيط بها من كل الجوانب. إنها تعاني من كل أمراض العالم دون أن تفيد من أي خير من أخياره. (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

ابتدائية سلا ترفض تمتيع الرابور “لكناوي” بالسراح المؤقت

رفضت ابتدائية سلا، مساء أمس الخميس، تمتيع مغني الراب محمد منير الملقب بـ”لكناوي̶…