هادي معزوز

لا أعرف لماذا تذكرت حدثا من الماضي السحيق فور تسجيل أول حالة إصابة بفيروس كورونا بالمغرب، وما رافقها من تداعيات وأمور قد تبدو غريبة بالنسبة للسواد الأعظم من الناس إلا أنها تحمل ما تحمل من معاني، ولا شك أن أهمها مسألة احتكار الكمامات أو ارتفاع ثمنها إلى أضعاف الأضعاف.. طبعا سيبدو لنا الأمر سُرياليا إذا ما قسناه بمكانة المواطن ومدى الاهتمام به، سنقول مثلا: كان لا بد من الضرب بيد من حديد ضد كل من سولت له نفسه بالمغامرة بأرواح الملايين من البشر، بل إن التهمة تدخل في إطار تهديد الأمن العام، إن لم نقل إنها تفوق بكثير ارتكاب جرائم وحشية ضد الإنسانية.. لكن وفي مقابل ذلك، أكاد أقول أن الأمر أكبر مما نتصور، وأنه كان من العادي حصول ما يحصل، مادام أن شروطنا وظروفنا التاريخية والثقافية والذهنية لا يمكن إلا أن تعطي ما تعطيه اليوم، من ثمة لنضرب عرض الحائط أحكامنا الأخلاقية ولنلتزم الصمت إذا فهمنا كيف تجري وتسير الأمور..

الفساد شيء متجذر فينا، يدخل في بنيتنا الحاكمة، إنه جزء لا يتجزأ من وجودنا الأنطولوجي، والحال أن أغلب الذين يقرؤون اللطيف على غرار الأجداد زمن الحماية الفرنسية، هم أنفسهم الذين يقولون ما لا يفعلون، لهم خطاب يختلف تمام الاختلاف مع الممارسة: هم الذين يرمون الأزبال في الشوارع. هم الذين يقدمون الرشوة من أجل الحصول على خدمة إدارية. هم الذين يغشون في السلع والبضائع ويزورون تاريخ نهاية صلاحيتها. هم الذين يلعنون الفساد ويستغلون مباريات كرة القدم الكبرى لاحتكار البطائق وإعادة بيعها في السوق السوداء. هم الذين استغلوا مأساة شعب يعيش الحرب كي يهاجروا نحو أوربا بدل مطالبتهم بحقوقه هنا والآن. هم الذين يستغلون انعدام الرقابة في القطاعات العمومية كي يقضوا بياض يومهم دون عمل أو بذل مجهود مقابل ما يتقاضونه من أجور. هم الذين أخذوا ورقة نقدية زهيدة مقابل منح صوتهم لمرشح ما. هم الذين يرفعون من ثمن المواد الغذائية في شهر رمضان أي شهر العبادة والتقرب إلى الله. هم الذين يسرقون الأشياء الثمينة في المساجد، وهم الذين حولوا مراحيضها إلى مرتع وجنة للأوساخ والقذارة وسائر أنواع الميكروبات.. لنقل إذن إن لكل منا فساده الخاص، ولا عزاء لمن يحكم على الأمور أخلاقيا وهو الجاهل والعارف في نفس الآن بقواعد اللعبة..

شيء مقيت حقا أن يحتكر أو يستغل البعض حاجة الناس إلى شيء ما، كي يصبح الطلب أكبر من العرض، حينها يعيدون بيعها بالثمن الذين يحبونه، صحيح أن الرأسمال يفكر بهذه الطريقة، إلا أن الأمور لا يجب أن تخرج عن إطار المنافسة وإلا فلنسقط القوانين ومن يمثلها، عائدين إلى حالة ما قبل الدولة حيث البقاء للأقوى وليس للذي يستغل القانون أو يشتري من يمثله..

إليكم تفاصيل الحدث الذي تذكرته: ” كنا ندرس في السنة الثانية إعدادي، وكان معنا فتى واعد هادئ الطباع ثقيل الخطى، كنا نلقبه بالشيخ الزاني وقد كنت من أطلق عليه هذا اللقب وإن لم أعرف سبب ذلك وعلاقته بصاحبنا، لا زلت أذكر أنه كان يجلس بجانبي في مادة اللغة الفرنسية وهو الجاهل بأبسط أبسط قواعدها، كان يعتبرها لغة الكفار عن اقتناع منقطع النظير، في المقابل وخلال أوقات فراغنا التي كنا نناقش فيها الأدب والعلم والفلسفة رغم صغر سننا، كان يحب أن يحدثنا عن “الطاغوت” لم نكن نعرف في البداية ما يرمي إليه، كان يقول شيئا ربما سمعه عن أشخاص دون أن يعرف له تفسيرا أو فهما، لكن إتقانه لفن الخطابة جعل كلامه دوما فوق كل اعتبار.. ذات يوم عند مادة الاجتماعيات وتحديدا في أحد دروس تاريخ المغرب، انتبه الأستاذ إلى أن صاحبنا لا يكتب “مولاي إسماعيل” مكتفيا فقط بالاسم دون ذكر الصفة، سأله عن السبب فأجابه الفتى الواعد بهدوئه المستفز: ـ مولاي هو الله وليس الطاغوت.. قالها بطريقة شجاعة أمام أستاذ قاس فانتظرنا بعدئذ رد فعل هذا الأخير حيث قال له: ـ سأمنحك وقتا تصلح فيه ما أفسدته وإلا.. مر وقت طويل من الحصة ولما أعاد الأستاذ مراقبة دفتر صاحبنا وجد أنه لم ينفذ ما طلب منه، حينها أوقفه وبدأ بضربه على يده وهو يصرخ: ـ قل “مولاي إسماعيل” كان الفتى يمد يده والدموع تنحصر أمام عينيه وكبرياءه يمنعه من قول ذلك، بعدها تدخلنا طالبين من الأستاذ التوقف لأن الفتى لم يعد يحتمل الضرب، ثم انتهت الحصة بانتصار صديقنا على الأستاذ، بعد ذلك عدنا إلى دفاترنا وشطبنا على كلمة “مولاي” ومنذ ذلك الحين ونحن نكتب أسماء السلاطين دون صفاتهم.. لكن وفي أحد الأيام وتحديدا عند مادة اللغة الفرنسية التي كنا نجتاز فيها الامتحان النهائي، أفاجأ بزميلي الصارم الحريص على تأدية واجباته الدينية رغم صغر سنه، يطلب مني أن أقدم له الأجوبة خلسة، وعندما رفضت ذلك قطع علاقته بي وقرر الجلوس في مقعد آخر..” إذا توجس المغاربة من فيروس كورونا وما رافقه من احتكار للكمامات، فإن هناك كورونا آخر عشش في أذهاننا منذ مئات السنين إلى الآن، إنه كورونا الفساد وتباين الفعل مع القول، إنه فيروس لا لقاح له.

 

التعليقات على فيروس “كورونا”.. درس في المواطنة مغلقة

‫شاهد أيضًا‬

قطر تستعين بالروبوت “العساس” في زمن انتشار فيروس “كورونا”

بدأت قطر الاستعانة، بروبوت أمني، أطلقت عليه اسم “العساس”؛ لتوفير التوعية المجت…