جزائريون: الحدود مع المغرب.. اللعب بالنار

“روبورطاج” أنجزته جريدة “الخبر” الجزائرية

جيوش الشباب والشيوخ والكهول ممن مارسوا لعبة التهريب على مدى العشريات الماضية، وطبقوا قاعدة “انتظر واسمع” لعل الدولة تتراجع عن خيارها في فرض إجراءاتها الرقابية الصارمة على الحدود، خاب أملهم اليوم. هؤلاء رفقة الآلاف من عائلاتهم، يستيقظون يوميا على ضجيج حفارات وماكنات الجيش الوطني الشعبي، العاكف على حفر خندق بعرض 8 أمتار وعمق يصل إلى 7 أمتار على طول الشريط الحدودي مع المغرب، في إطار محاربة التهريب والجريمة المنظمة بشكل عام. وعلى هذا النحو، تأكد سكان الشريط الحدودي أن الدولة “لا تمزح” وهي ماضية بشكل جاد في تغيير كثير من المعطيات إيذانا بنهاية عهد في المنطقة وبداية آخر.

يقول القائمون على تسيير الشأن العام في عدد من بلديات الشريط الحدودي (مغنية، وبني بوسعيد، ولعشاش…): إن مسألة غلق الحدود وضعت مستقبل آلاف العائلات التي كانت تقتات من ريع تهريب الوقود وبعض البضائع في حكم المجهول، على اعتبار أن برنامج التنمية الذي أقرته وزارة الداخلية في تلك المناطق الحدودية (تهيئة الطرقات وفتح الطرقات، وإيصال مياه الشرب، وإيصال الغاز الطبيعي، وانجاز فضاءات للترفيه..)، لا يعتبر بديلا للرد على الانشغالات الاجتماعية للسكان، ويقولون إن هذا الوضع عرى مئات العائلات، نجم عنه ضغط اجتماعي، لا يستبعدون انفجاره في أي وقت بعد تفاقم البطالة. وعلى هذا الأساس، يرون أن الدولة لابد أن تلتفت من حولها لتأطير الضغط الاجتماعي المتنامي على الشريط الحدودي.
نشطاء التهريب على الشريط الحدودي مع المغرب، أبدعوا في تطوير قاموسهم بعد أن جنّدوا واستعملوا كامل الأشياء المتحركة لنقل البضائع والسلع من مكان إلى آخر، من أحمرة وسيارات وشاحنات خلال السنوات الماضية، وأطلقوا اسم (المقاتلة) على سيارات من نوع (رونو 25) و(رونو 21) و(مرسيدس) و(رونو 18)، نظير الخدمات المسندة إليها، فهي تحمل أكبر الكميات الممكنة من الوقود في خزانها الذي أدخلت عليه بعض التعديلات، وكذا العمل الاستعراضي الهوليودي في الطريق.

انتهى دور “المقاتلات”!
“المقاتلات” تتجاوز باقي السيارات الأخرى بسرعتها، وبالتالي الإفلات قدر الإمكان من أعوان الرقابة، سواء أكانوا جمارك أو حرس الحدود أو شرطة، زيادة على كونها مطيعة عندما يسند لها مهمة تهريب البضائع على مستوى المسالك الضيقة والوعرة. كما أطلقوا اسم (الكشافة) على الأشخاص الذين يكشفون الطريق ويقدمون كامل المعلومات للمهربين بشأنها، أي عما إذا كانت هناك حواجز للجمارك وحرس الحدود والشرطة، أو عما إذا كانت هناك شكوك تحوم حول الطريق المبتغى ارتياده.
لكن اليوم وبعد أن مضت الدولة بشكل جاد في إنهاء تهريب الوقود، والمواد الغذائية، والنحاس وغيرها إلى المغرب، مقابل تهريب المخدرات والمشروبات الكحولية وأغراض أخرى، باتخاذ إجراءات صارمة تضع حتى مستقبل المهربين وعائلاتهم في حكم المجهول، من جانب إقبال الجيش الوطني الشعبي على حفر خندق على طول الشريط الحدودي يفصل بين الضفتين الجزائرية والمغربية، عرضه 8 أمتار وعمقه 7 أمتار، مع إقرار إجراءات قانونية لمنع التزود بأكثر من 50 لترا من الوقود في اليوم، لم يعد بوسع هذه “المقاتلات” فعل أي شيء، بل أصبحت جزءا من الماضي ويمكن إدخالها متحف التهريب، على اعتبار أن ما وقفنا عليه على طول الطريق الممتد من دائرة مغنية إلى بلدية مرسى بن مهيدي على مسافة نحو 60 كيلومتر، أن هذه “المقاتلات” وجدنا معظمها مركونا في أماكن تعطي الانطباع بأن مجال استخدامها تقلص. هؤلاء المهربين بعدما كانوا يناورون ويعملون بقاعدة “انتظر واسمع”، لعل الدولة تتخلى عن مسعاها في مكافحة التهريب بالتراجع عن إجراءات الرقابة التي فرضتها على الحدود، سقطت قلاعهم اليوم وخاب أملهم وراحت تسكنهم مخاوف من المستقبل بعد أن مضي الجيش على نحو جاد في مواصلة حفر الخندق، استدعى هدم منازلهم، وحتى مستودعاتهم التي استعملت لتخزين السلع والبضائع والوقود والمخدرات، الواقعة على خط التماس مع التراب المغربي. بل إن الزائر لبلديات مغنية، وباب العسة، وبني بوسعيد، ولعشاش، وسيدي بوجنان، وصولا إلى مرسى بن مهيدي، بوسعه أن يلمس الجو الذي يأخذ شكل حصار يعيشه من امتهنوا التهريب لسنوات طويلة، لأن “مقاتلاتهم” محاصرة بإطار قانوني، كونها ممنوعة من دخول مدينة تلمسان (رونو 21، رونو 25، رونو 18، لاغونا، 406، مرسيدس…). كما يمنع بيعها لأشخاص آخرين، مثلما يمنع تجهيزها ببرميل الوقود.
بعض الشباب ممن تحدثنا إليهم في باب العسة ومغنية ومرسى بن مهيدي، يقولون إن الإجراءات القانونية والأمنية المعمول بها في مناطق الشريط الحدودي ليست في محلها، على اعتبار أن هذه المناطق لم تلامسها التنمية ولم تستفد من مشروع بارز على نحو يمتص البطالة المتفشية.

المهربون يتخلون عن 150 حمار
والحقيقة أن المصير الذي لقيته هذه “المقاتلات” التي لم يعد لها دور، عرفته أيضا عشرات الحمير التي أبدع المهربون خلال العشريات الماضية في استغلالها، بتثبيت حتى تجهيزات إلكترونية فوق ظهرها لتنبيهها وتوجيهها في المسالك الوعرة والمنحدرات والهضاب والجبال، ومن ثمة تضليل حتى عناصر الرقابة. الحمير تلك كانت تستعمل في تهريب السلع والبضائع والوقود، وحتى المخدرات، تخلى عنها أصحابها على نحو أشاع جوا من الفوضى في محيط بلديات الشريط الحدودي والطرقات.
ويقول رئيس المجلس الشعبي البلدي للعشاش (السواني) جمال بن أحمد: “قصد وضع حد لتلك المشاهد المشينة، قمنا بحملة لجمع 150 حمار تخلى عنها أصحابها عبر تراب الشريط الحدودي، وقمنا بإدخالها إلى الغابة”. لكن رئيس المجلس يشير في الوقت ذاته إلى أن الصرامة التي أقدمت بها الدولة على غلق الحدود البرية مع المغرب، أدخلت الناس، وعلى اختلاف أطيافهم، في عنق الزجاجة وراح يثير فيهم مخاوف بشأن آفاق صيرورتهم المستقبلية: “هناك وضع اجتماعي ضاغط للغاية، كل يوم يتقدم إلى البلدية 4 إلى 5 شباب يطالبون بالحصول على مناصب شغل، ولكن هذه المناصب غير متوفرة، لأن عدد الطلبات أكبر من المناصب المتوفرة. أما بخصوص السكن، فماعدا السكن الريفي، فليس لدينا أي نوع آخر نعد به المواطنين، زيادة على النقص الكبير الذي نعانيه بشأن التهيئة الحضرية وكذا مراكز الترفيه”. وعلى هذا الأساس يقول “نطالب السلطات العمومية بالالتفات إلى المنطقة قصد توفير مناصب شغل”.

70 في المائة من العائلات كانت تقتات من تهريب الوقود
الداخل اليوم إلى مغنية ومرسى بن مهيدي وباب العسة وبني بوسعيد، وغيرها، يدرك أن هذه المناطق التي كانت في وقت سابق مناطق ساخنة بزوارها وحركتها التجارية، فقدت اليوم حرارتها ولم تعد كما كانت، إذ ليس بوسعك أن تعثر على جيوش الشباب القادمين من ولايات شرق ووسط البلاد وغربها، مثلما هجرها الوسطاء والسماسرة الغامضون وعادوا إلى ولاياتهم وبلدانهم الأصلية، بعد أن ضاق الحزام عليهم.
ففي دائرة بني بوسعيد التي تستوي على 40 كيلومترا من شريطها الحدودي، وبها قرى الزوية، وسيدي امبارك، وأولاد موسى، وروبان.. وكانت تحتل صدارة المناطق المعروفة بالتهريب لقربها من خط التماس مع التراب المغربي، بدليل الشهرة التي حاز عليها سوق الزوية، يواجه اليوم سكان تلك المناطق واقعا صعبا بعدما وجدوا أنفسهم محاصرين بوضع جديد لم يخططوا له، بل ويقول “محمد” شاب…

“المأساة الناجمة عن غلق الحدود ستبرز في رمضان”
… تجاوز الـ40 عاما من عمره “إن الأمر يتعلق بقوت عائلات…”، أي من أي مصدر ستقتات هذه العائلات في المستقبل؟ في معرض إجابته على هذا السؤال، قال لنا عضو المجلس الشعبي البلدي لبلدية بني بوسعيد محمد ما حمداوي “إن تهريب الوقود والبنزين كان يضمن تغطية الحاجات الاجتماعية لسكان الجهة الغربية للجزائر.. التهريب شارك فيه شيوخ وكهول، بل إن 70 في المائة من العائلات في مرسى بن مهيدي إلى بني سنوس كانت تعيش من التهريب”. يقول محمد ماحمداوي إنه ابن المنطقة الحدودية وكان شاهدا على ما يحدث “التهريب لعب دورا في ظاهرة التسرب المدرسي في مناطق الشريط الحدودي، بينها بني بوسعيد، كان هناك أطفال كثيرون يمارسون التهريب وبتشجيع من عائلاتهم”. لكن هؤلاء الأطفال، حسبه، بإمكانهم التفكير في مستقبلهم اعتبارا من اليوم على عكس الشريحة الشبانية التي ألفت التهريب منذ عشريات من الزمن، لاسيما تلك التي يتراوح عمرها بين 40 و55 سنة؛ إذ أن 10 في المائة من الفئة الشبانية المهربة كانت تستثمر في تجارة الجملة، وباقي الشباب المهرب يشتغل ليأتي بقوت يومه ويعيل عائلته.
لكن عضو المجلس الشعبي البلدي يرتقب أن تبرز وتتضح أكثر نتائج الوضع الجديد الناجم عن غلق الحدود، خلال شهر رمضان الكريم المقبل “في غضون شهر رمضان، ستتضح المأساة الاجتماعية الناجمة عن غلق الحدود”.

“برنامج التنمية في الحدود لا يحل المشاكل الاجتماعية..”
والواقع أن الدولة لما أقدمت على غلق الحدود واتخاذ إجراءات صارمة لسد كامل المنافذ أمام المهربين، لاسيما مضي الجيش في هدم بعض المنازل والمستودعات نظير تعويض أصحابها قصد مواصلة حفر الخندق على طول الشريط الحدودي، أقرت وزارة الداخلية والجماعات المحلية برنامجا تنمويا خاصا في مناطق الشريط الحدودي، يشمل إقامة التهيئة الحضرية وقنوات الصرف وإنجاز ملاعب جوارية ومراكز للترفيه، مع شق الطرقات والمسالك بين القرى والمداشر لتسهيل العيش للساكنة. إلا أن المسؤولين القائمين على تسيير الشأن العام في بلديات ودوائر الشريط الحدودي، وإن كانوا يرون في الإجراءات التي اتخذتها الدولة لحماية الحدود على أنها خطوة مستحسنة، لأنها تتضمن حلا للجيل القادم المطالب بالتفكير في مستقبله خارج لعبة التهريب، فإنهم يقولون “إن برنامج التنمية المسطر من قبل وزارة الداخلية لا يكفي إذا لم نفكر في توفير مناصب الشغل، لأن الأمر يتعلق بتقديم البديل الاجتماعي لشكان المنطقة”، على اعتبار أن محمد ماحمداوي يقول “إننا نستقبل يوميا شبابا يطالب بالحصول على مناصب شغل ولا نستطيع أن نقدم له شيئا.. نحن في بني بوسعيد ليس لدينا لا وحدة إنتاج ولا مصنع، كل ما لدينا هو منطقة نشاطات لا تزال في مرحلة الدراسة”، ومع ذلك يراهن القائمون على تسيير الشأن العام في بلدية بني بوسعيد على الفلاحة كخيار لإيجاد مناصب شغل للشباب، بالنظر إلى توفر قرى ومداشر بني بوسعيد على أراضٍ فلاحية وكذا زراعة أشجار الزيتون، ولو أنهم يتساءلون عن أسباب عدم التفات السلطات العمومية إلى جبل عصفور لجعله واحدة من الوجهات السياحية بامتياز في الشريط الحدودي، كونه يطل على مدينة وجدة المغربية.

لا يعترفون أبدا بالحدود الجغرافية
وإن كان الزائر لمدينة مغنية يلحظ في بعض المحلات التجارية منتوجات فلاحية مغربية كالبرتقال والليمون والفلفل، مرورا بالتوابل المغربية التي اشتهر بها السوق المغطى في المدينة، زيادة على الألبسة المختزلة في الجلابة المغربية المخصصة للنساء، وحتى الأحذية الموجهة للشباب، ما يعني أن هناك تجارة حدودية متبادلة، برغم إجراءات الرقابة الصارمة بين سكان الضفتين من الشعبين، الجزائري والمغربي، اللذان لا يعترفان بالحدود الجغرافية تبعا لعلاقات القرابة، فإنه يلحظ ويلمس من جهة أخرى شعورا متناميا بالخوف من المستقبل لدى الشباب وتذمرا وسخطا من الوضع السائد، ويقولون: “مغنية تعيش حصارا غير معلن، بدليل أن أسعار مختلف المواد مضاعفة.. هل نحن جزائريون أم مغاربة؟”.

34 مليارا لا تسد حاجة التنمية.. وهو غلاف ضعيف
يستوي الشريط الحدودي لمغنية الواقعة على بعد 60 كيلومترا إلى غرب تلمسان، على 29 كيلومترا، ويقول رئيس المجلس الشعبي البلدي لمغنية متير حبالي “إن دور الحكومة في محاربة التهريب والقضاء على الجريمة المنظمة، أفضى إلى حفر خندق أمني على مستوى الشريط الحدودي، وهو خندق ضد التهريب والإرهاب، يقارب طوله 300 كيلومتر على طول الشريط الحدودي مع المغرب، وقد قامت الولاية بتسخير القوة العمومية لهدم عدد من البنايات على مستوى الشريط حتى يتم مواصلة حفر الخندق، بينها 6 بنايات بمغنية و24 أخرى ببني بوسعيد، بينها منازل ومستودعات، إلى جانب أخرى في السواني، وسيدي بوجنان، وباب العسة، ومرسى بن مهيدي، مع إحضار خبراء لتقييم ما هدم قصد تعويض أصحابها.
واستنادا إلى ما يشير إليه المسؤول ذاته، فإن القائمين على تسيير الشأن العام في مغنية استبشروا خيرا بهذا الإجراء، لأنه “يعود بالمنفعة العامة على المنطقة من جانب مكافحة التهريب والمحافظة على النظام العام”. لكن مقابل هذه الإجراءات الصارمة في مكافحة التهريب، ماذا قدمت السلطات العمومية بديلا لسكان المنطقة ممن وجدوا أنفسهم في وضع لم يحسبوا له أي حساب؟”، يقول رئيس المجلس الشعبي البلدي لمغنية. مقابل ذلك، خصصت وزارة الداخلية علافا ماليا لكل بلديات الشريط الحدودي لأجل إعادة بعث التنمية المحلية فيها، بينها بلدية مغنية التي خصص لها 7،34 مليار سنتيم، مع أننا طلبنا 173 مليار سنتيم، لذلك فهذا الغلاف ضعيف جدا مقارنة بالكثافة السكانية لمغنية”.
وتابع المتحدث “عدد السكان المصرح بهم رسميا في مغنية هو 125 ألف نسمة، ولكن الحقيقة هي أن عدد السكان يقارب 250 ألف نسمة”. ويتمثل برنامج التنمية المحلية الذي أقرته وزارة الداخلية في بلديات الشريط الحدودي في التهيئة الخارجية، وتعبيد الطرقات، والإنارة العمومية، وإيصال مياه الشرب وإنجاز قنوات الصرف الصحي وإقامة فضاءات للترفيه.

“الوضع لا يبشر بالخير في مغنية..”
ويعترف رئيس المجلس الشعبي البلدي أن الإجراءات الخاصة بغلق الحدود، والأخرى الصارمة لمراقبتها، ألحقت أضرارا كبيرة بشرائح واسعة من الشباب والعائلات “في الحقيقة، هناك شرائح واسعة من الشباب تضررت من غلق الحدود، لأن الأمر الذي قاده إلى ممارسة التهريب هو حرمانه من منصب شغل، لذلك نطالب الدولة بأن تلتفت إلى المنطقة وتوفر مناصب شغل لهؤاتء”. بل ويذهب المسؤول الأول في بلدية مغنية إلى أبعد من ذلك؛ عندما أثار مسألة التهميش التي طالت مغنية على مدى الـ30 سنة الماضية “الوضع الحالي لمغنية يتطلب جهدا كبيرا من السلطات لإعطاء دفعة قوية للتنمية في المنطقة، لأن مغنية كانت مهملة ومهمشة طيلة 30 سنة. فعلى المستوى الاجتماعي، لدينا ما يقارب 17 ألف طلب خاص بالسكن، مع العلم أن الوحدات السكنية التي تم إنجازها هي 1300 وحدة فقط”. أما بالنسبة للشغل، يضيف “وفرنا 147 منصب دائم، وهذا يعتبر قليلا جدا قياسا بنسبة الشباب الموجود، فقد بلغت نسبة البطالة في مغنية 27 في المائة”.
وتبعا لهذا الوضع، يرى منتخبون آخرون أن الدولة يجب أن تتدخل لإشراك مرقين عقاريين خواص في عملية انجاز السكنات، خاصة وأن البلدية تلقت طلبات من بعض الخواص لإنجاز بعض المشاريع.
الأجواء الآخذة في التشكل في مغنية والبلديات الحدودية المجاورة، يقول عنها رئيس المجلس “إنها لا تبشر بالخير، فهذا الوضع الاجتماعي والاقتصادي الناجم عن غلق الحدود قد يولّد انفجارا نتيجة الضغط الاجتماعي، ولو أن شعب مغنية عرف بتماسكه خلال عشرية الإرهاب”، يقول رئيس البلدية، وتابع “نطالب السلطات بالالتفات إلى مغنية قبل انفجار الوضع”.
عندما تسأل الناس في مغنية عن المواطنين الذين كانوا يمارسون التهريب، يقولون لك، “معظمهم فلاحون.. أما الدخلاء القادمون من ولايات أخرى، فقد عادوا إلى ولاياتهم”.

الفلاحة هي الحل…
الوضع الضاغط يشغل بال الناس ويملأ عليهم الآفاق كالوسواس.. وفي الجهة المقابلة، جهة المسؤولين، فالخيار والرهان المطروح حاليا لمواجهة الوضع بمعطياته الجديدة؛ هو الرجوع إلى الفلاحة، على اعتبار أن الأراضي الصالحة للزراعة في مغنية تقدر مساحتها بـ6 آلاف هكتار، وهي ملك خاص للدولة، عبارة عن مستثمرات فردية وجماعية، تأخذ شكل سهل تنتج به الخضراوات، والحبوب وأشجار الزيتون. وقد استفادت المنطقة من محيط الحوض المسقي الذي رصد له 400 مليار سنتيم من أجل تفعيل وبعث النشاط الفلاحي.
هذا المشروع، حسب رئيس البلدية، صودق عليه، لكن هناك إلحاحا من قبل البلدية بغية تسريع عملية إنجازه لأجل امتصاص الضغط الاجتماعي. وموازاة مع ذلك، تم فتح عدة تخصصات في الميدان الفلاحي مثل غرس الأشجار وتربية النحل، ولقيت العملية إقبالا من طرف الشباب ممن أنشأوا جمعيات فلاحية وبدأوا يدركون أن الرهان الحقيقي هو الفلاحة.
أما في الجانب الصناعي، فقد خصصت الدولة 101 هكتار لانجاز منطقة صناعية على مستوى مغنية مكونة من 48 قطعة مخصصة لانجاز ورشات في الصناعات الثقيلة،وهو مكان مهيئ يتلاءم مع المنشآت الأخرى كالمطار، وميناء الغزوات.

الرأي العام المحلي يتساءل
الذي يسلك الطريق الرابط بين مغنية ومرسى بن مهيدي، يلحظ عند توقفه بباب العسة وسيدي بوجنان والسواني، مقاهي خاوية على عروشها إلا من أبناء المنطقة وباقي المداشر والقرى الأخرى، والأمر نفسه بالنسبة لباقي المطاعم وغيرها، بعد أن غادر الدخلاء القادمون من ولايات أخرى، كوهران، ومستغانم وبلعباس ومعسكر وسطيف وبرج بوعريريج والمسيلة وبومرداس… المنطقة بعد أن سدت باقي المنافذ التي كانت تغذي آمل عدد من مهربي الوقود والأسلاك النحاسية، مقابل إدخال المخدرات. لكن الحديث عن المخدرات في مغنية وباب العسة وسيدي بوجنان ومرسى بن مهيدي، ما يزال إلى غاية الساعة تلوكه ألسنة الرأي العام المحلي ويحتل حيزا من القيل والقال في المقاهي والشوارع، وحتى البيوت.. متسائلين عن الكميات الضخمة التي يتم ضبطها من يوم إلى آخر من قبل حرس الحدود والجمارك والشرطة، ويتم إظهارها للرأي العام على شاشة التلفزيون الرسمي، في وقت قطع الجيش الوطني الشعبي مرحلة هامة من حفر الخندق الأمني على مستوى الشريط الحدودي عرضه 8 أمتار وعمقه 7 أمتار.
بعض العارفين من أبناء المنطقة بقضية التهريب يقولون: إن ذلك يعني أن المخدرات كانت مخزنة قبل حفر الخندق، خاصة وأنه على مستوى خط التماس مع التراب المغربي توجد مستودعات أنجزت خصيصا لتخزين السلع والبضائع.

“أبناء المرسى لا يهرّبون!”
المخيال الجماعي لسكان الشريط الحدودي لا يستثني شباب بلدية مرسى بن مهيدي من لعبة التهريب التي كانت سائدة على مدى عشريات من الزمن، إلا أن بعض المسؤولين في هذه البلدية حرصوا قدر الإمكان خلال مقابلتنا لهم على تبييض صورته، وراحوا يقدمونه على أنه بريء من التهريب؛ على اعتبار أن فصل الاصطياف في المرسى يكفي لسد حاجيات الشباب طوال العام، ولو أن ذلك مجانب تماما للواقع الذي وقفنا عليه بهذه البلدية الساحلية، بدليل أن الحركة التجارية بقلب هذه المدينة تكاد تكون منعدمة، لأن المرسى هي وجهة مفضلة لدى الناس خلال الصيف فقط. وفيما يقول رئيس المجلس الشعبي البلدي السيد قروندة: إن “التهريب انتهى في مرسى بن مهيدي، لأن أغلب المهربين رجعوا إلى ولاياتهم”، يشير شبان يقيمون بقلب هذه المدينة إلى أن “هذه الإجراءات الصارمة لمراقبة الحدود وسد المنافذ المتبقية، جعلت كثيرا من الشباب هنا يواجه وضعا اجتماعيا صعبا، لأن بعض مداشر وقرى المرسى تتواجد بها منافذ سهلة للعبور إلى التراب المغربي، ومن ثمة إيصال وإدخال السلع والبضائع”.
ولكن السؤال يبقى مطروحا: لماذا أقرت وزارة الداخلية برنامجا تنمويا ببلدية مرسى بن مهيدي، على غرار باقي البلديات الحدودية، إن لم تكن تعرف أن سكان القرى والمداشر يعيشون التهميش والإقصاء والضياع، على خلاف ما يقوله رئيس البلدية من أن “سكان مرسى بن مهيدي لهم مداخيل مزدوجة، وشعبها يعيش من مداخيل السياحة التي يدخرها خلال موسم الاصطياف”، أي أن مداخيل شهرين يعيش بها مدة عام كامل. ويبرر استغناء شباب المرسى عن التهريب باستفادة 60 شابا من قوارب صيد صغيرة في إطار التضامن، زيادة على قوارب سياحية صغيرة، مع استفادة آخرين من كراء 60 محلا تجاريا.
لكن رئيس البلدية الذي يقول إنه يبارك مساعي الدولة لغلق الحدود، يعود للاعتراف بأن أبناء القرى والمداشر في مرسى بن مهيدي ممن كانوا يهربون الوقود إلى المغرب، قد عادوا إلى أراضيهم الفلاحية، وترتب البلدية لتحضير الجو العام لتحسيس الناس وتوعيتهم بضرورة الرجوع إلى الفلاحة مقابل منحهم دعما فلاحيا، تبعا لتعليمات قدمتها وزارة الداخلية لباقي مسؤولي بلديات الشريط الحدودي. تضم بلدية مرسى بن مهيدي 7 مداشر، بينها قرية شايب راسو التي حرر سكانها رسالة قبل بضعة أسابيع للتنديد بـ “الميزيرية” السائدة لديهم نتيجة غياب التنمية، ولم يشرع في تنفيذ برنامج وزارة الداخلية المتضمن شق الطرق والمسالك وإيصال الكهرباء ومياه الشرب وفضاءات الترفيه إلا مؤخرا، وهي مداشر معزولة تماما، بينها العنابرة، وخضيرة، ومريقة، وسرمرام.

مرسى بن مهيدي بوجه جذاب
وتفيد المعلومات التي قدمت لنا من قبل رئيس المجلس الشعبي البلدي، أن مرسى بن مهيدي التي تقع على خط التماس البحري مع مدينة السعايدية المغربية، سيضفى عليها طابع أكثر جاذبية خلال موسم الاصطياف المقبل، حيث تجري أشغال استكمال الطريق المزدوج الممتد من مغنية إلى المرسى على طول 60 كيلومترا، لأجل تسليمه شهر جوان المقبل. فيما يرتقب تسليم مشروع آخر خلال موسم الاصطياف، يتمثل في مخيم الشباب الذي يتربع على 2 هكتار، ويتواجد به شاليهات وبانغالوهات ومطابخ ومستلزمات الترفيه والراحة. فيما لا تزال أشغال انجاز مسبح نصف أولمبي جارية، على أن يتم أيضا تسليم الطريق الساحلي الرابط بين الغزوات والمرسى خلال هذا الموسم. ويرتب القائمون على تسيير الشأن العام في مرسى بن مهيدي، اليوم، لإنجاز مركب سياحي للتداوي بمياه البحر، يضم فنادق وحظائر للسيارات ومسبحا وقرى سياحية صغيرة، يكون تابعا للدولة، وقد بوشرت الإجراءات القانونية لدراسة عملية انجازه. كما يشير رئيس المجلس إلى أنه يجري حاليا دراسة إنجاز عدد من مناطق التوسع السياحي، تشمل الجهة الغربية لمرسى بن مهيدي غرب ومرسى بن مهيدي وسط، موسكاردا 1 وموسكاردا 2 وشاطئ عين عجرود، وهي مناطق محمية قانونا، وهي مناطق تتربع على 11 هكتارا تابعة لقطاع السكن والعمران، ولكن يجري حاليا دراسة تصنيفها كمناطق سياحية.

المرسى محل أطماع
ولو أن مصادر هناك تقول إن أراضي مرسى بن مهيدي هي أيضا محل أطماع بعض السماسرة والبارونات ممن يحاولون انجاز مشاريع سياحية. ولعل ما يبين تلك المحاولات، إقدام بلدية مرسى بن مهيدي على هدم بناءات شيدها أشخاص فوق أراض تابعة لأملاك الدولة بمنطقة مولاي عبد القادر، حوالي 3 كيلومترا عن مرسى بن مهيدي، إذ استولى 14 شخصا، حسب رئيس البلدية، على هذه المساحة، 7 أشخاص بنوا دون رخصة فوق أرض تابعة لأملاك الدولة، فيما استولى الـ7 الآخرون على أرض تابعة للأملاك الخاصة للفلاحة، وتم هدم بناياتهم المكونة في حدود الساعة الخامسة صباحا، وتمت عملية البناء ليلا ونهارا.