كاينة ظروف.. عاملات جنس في نهاية المشوار (روبورطاج)

بحلول اليوم العالمي للمرأة، ارتأى موقع “الأول” أن يصيخ السمع لنساء من نوع آخر، نساء يبعن السعادة وهن في منتهى البؤس والشقاء. نساء تصادفهن في أحقر حانات وسط المدينة. أو يتكئن على جدار رطب بشارع محمد الخامس أو زنقة أكادير بوسط الدار البيضاء.

 على وجوههن ندوب القهر والعنف وسوء الحظ.. وتجاعيد تبرئ العائلة منهن وتنكر المجتمع لهن.. تراهن يقهقهن، وما إن تسألهن عن “مسارهن المهني” حتى يكفكفن أدمعهن ويعقبن: وراه كاينة ظروف”.

مامون خلقي

تضع ما تبقى من ماكياجها الرخيص، تتأمل وجهها في مرآة مكسورة، تتأكد من ملابسها المهترئة، ثم تقف على قارعة الطريق أو تقصد بارا رخيصا تعرض ما تبقى من اللحم الأبيض في بورصة الدعارة  لمن يدفع “دراهم معدودات “تقيها برودة الجيب، تعلم علم اليقين أن حلاتها القصية” صارت معدودة وقد قاربت مدة  صلاحيتها الافتراضية في عوالم أقدم مهنة في التاريخ على
الإنتهاء ومغادرة “العالم” من بابه الخلفي دون ماتش تكريم.

 مشهد من مشاهد متكررة،  تختلف في الزمان والمكان وتتشابه في نهايات البؤسوالمجهول… كاينة ظروف .

Casablanca-Sour-Jdid-prostitution

ولد شيخ القبيلة
نعيمة، أربعينية السن، ستينية المظهر والملامح، غزا الشيب
كامل شعرها، وسكنت التجاعيد كلها الظاهر والباطن، لا تزال تحتفظ ببعض جمالها: “إيلا مشا الزين كيبقاو حروفو” كما يقول المثال الشعبي، تقول”نعيمة” وهي تستعيد شريط قصتها المؤلمة، وقد اغرورقت عيناها بدموع ساخنة لم تستطع أن تحبسها “كنت أستعد للزواج من إبن خالتي رغم عدم بلوغي السن القانونية لذلك، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان، تعرضت للاغتصاب من
طرف ولد شيخ القبيلة الذي لم يتقبل تفضيلي لابن خالتي عليه، لم تتقبل أسرتي و أسرة زوجي المفترض الأمر، طالبت برفع دعوى قضائية ضد ولد شيخ القبيلة لكن أسرتي تخلت عني بعدما تعرضت لضغوط  وتهديد شيخ القبيلة وطردتني خارج القبيلة “تغتاصبت جوج مرات، مرة من ولد شيخ القبيلة ومرة
من عند عائلتي”، تضيف “نعيمة” بحرقة “… هاجرت للدار البيضاء عند إحدى قريباتي بحي بوركون، وكأن الأقدار تتآمر ضدي: لقد طلعت قريبتي ” قوادة ، تُشغل أكثر من 17 فتاة في الدعارة أغلبهن قادمات من البادية، لأجد نفسي بين نارين، الشارع أو الدعارة، قضيت ثلاث أشهر رفقة قريبتي داخل شقتها
المعدة للدعارة دون أن أستجيب لطلباتها المتكررة، كنت أغادر البيت صباحا بحثا عن عمل وأعود في المساء لأجد الشقة  “نايضة” بالزبائن. لا تنتهي الليلة الحمراء حتى الساعات الأولى من النهار، اشتغلت نادلة في مقهى، ثم خادمة بيوت، تعرضت دائما للتحرش من طرف رب العمل، تنفث ما تبقى من سيجارتها وتقول بحسرة  “استسلمت لطلب قريبتي بعد أن خيرتني بين المساهمة في مصاريف البيت أو المغادرة، وغرقت في عالم الدعارة، لعشرين سنة.. مرت كأنها لم تكن “الله يغفر ليا”. تمرّغ سيجارتها في المرمدة ومعها تطفئ نارا مشتعلة تقفز من عينيها الغارقتين في الحزن .

مداهمة-مقاهي-الشيشة-4
موسم الهجرة نحو الشمال
على بعد أمتار من “بنك المغرب” تقف “أفرام”، نيجيرية، كما قدمت نفسها -هي من تقدمت للحديث إلينا – هاربة من الحرب والفقر في
بلدها نيجيريا، اختارت المغرب قنطرة عبور نحو أوربا على أمل أن تلتحق بزميلاتها في المهنة جنوب فرنسا، لتؤمن لنفسها تقاعدا مريحا، كما تقول. سأمكث في المغرب إلى حدود إنتهاء الصيف لأوفر ثمن تذكرة السفر ذهابا لمطار أورلي تقول”أفرام” وتضيف: ثم أستقل الميترو في اتجاه مارسليا، هناك حيث زميلاتي
في انتظاري. عندما تنتبه “أفرام” إلى أنا لسنا الزبون الذي تنتظر، تقذف في وجوهنا: “في فرنسا يمكن تأمين تقاعد مريح خصوصا أن
سنوات العمل في “الدعارة” باتت معدودة “، وتغادر نحو وجهتها في اتجاه شارع أنفا .

3136396346_1_2_f7FaRfdI1
الشهبة
في أقصى كونطوار بار رخيص بشارع محمد الخامس وسط مدينة الدار البيضاء، تجلس “سكينة” فتاة شقراء في بداية الثلاثينيات، تتكلم لكنة شمالية، اشتهرت بين زميلاتها بـ”سكينة الشهبة “، هاجرت بلدتها نحو مدينة مكناس لدراسة الاقتصاد بجامعة مولاي إسماعيل، كلية العلوم القانونية والاقتصادية و الاجتماعية، تقول “سكينة الشهبة” كنت أنوي إكمال دراستي الجامعية والعودة للبحث عن عمل، فأنا أنحدر من أسرة فقيرة، لم تستطع مواكبة مصاريف دراستي الجامعتة.. قررت العودة إلى منزل العائلة بعد أن فشلت في توفير عمل مواز لدراستي، لكن زميلاتي في الدراسة اقترحن علي أكثر من مرة “كويرصات” لتوفير بعض المال يساعدني على إتمام دراستي، رفضت، وكنت دائما أتعرض للتحرش والابتزاز من طرف بعض أساتذتي “النقطة مقابل السرير ” تقول “سكينة”، كان جمالي نقمة أكثر منه نعمة، أقمت علاقة مع أحد أساتذتي
الذي كان يكبرني بعشر سنوات، وعدني بالزواج لكن بعد ثلاث أشهر تم نقله لجامعة أخرى، فلم أجد من يوفر لي بعض المال لإتمام دراستي، فكان القرار: الدعارة بعدما فقدت عذريتي ذات ليلة سوداء، أدمنت السهر والخمر والحشيش، تضيف “سكينة “، حتى إنني كنت أقضي شهرا أو أكثر ثملة “مبوقة “دون توقف. غادرت الجامعة بعد أن ساءت سمعتي، لم أقدر على العودة لمنزل
العائلة، تستطرد “سكينة “، لذلك قررت التوجه نحو الدار البيضاء رفقة اثنتين  من زميلاتي “المحترفات”، و أنا الآن في غياهب الدعارة حتى إشعار أخر تختم “سكينة الشهبة”.

8201511131026

هند والحيوانات السبع..
هند ذات 27 سنة، مأساة تمشي على رجلين، تناوب عليها 7 حيوانات، هكذا تقول هند، ذات ليلة واحدة، بعد ان تم إستدراجها تحت التهديد بالسلاح الأبيض إلى منطقة خلاء بنواحي سيدي بنور لتجد نفسها أمام الموت أو إشباع الرغبة الحيوانية لمختطفيها السبع. “هند والسبع حيوانات”، هكذا علقت “سكينة الشهبة” بضحكة تخفي وراءها ألما وهي تسمع مرة أخرى قصة زميلتها “هند”، حملت “هند” مأساتها بمفردها بعدما أفرغ مغتصبوها كبتهم داخل جسدها البريء، ولفظتها الأسرة خارج الدوار، استقلت “هند ” أول حافلة قادمة إلى الدار البيضاء، ” كازانيكرا” كما تسميها “هند “،
باتت ليلتها الأولى في محطة ” ولاد زيان “، ليلتها الثانية قضتها عند أحد “الكورتيا” الذي استضافها داخل غرفته، قبل أن تهرب من جحيم أخر، تقول هند: ” كان يغلق باب الغرفة بالقفل، ثم يغادر،  ولا يعود إلا سكرانا ليلا. عاشت هند اغتصابا يوميا، لمدة ثلاث أشهر أو ما يزيد. لم تكد هند تنفلت من سجن “الكورتي” المغتصب، إلى في اتجاه أسوار سجن عكاشة؛ بتهم الفساد والضرب والجرح والاتجار في المخدرات .