“جحود” دولة.. حتى لا يظلم الأسطورة ظلمي مرتين

مصطفى الفن

أعترف أن معلوماتي متواضعة جدا عن الرياضة والرياضيين. ولا أتذكر أني دخلت ملعبا ولو مرة واحدة لأشاهد مباراة في أي نوع من أنواع الرياضات.

ولعلي هنا أشبه الشاعر والأديب إدريس أبوزيد الذي كتب ذات يوم في زاويته “لا مجال” بأسبوعية “الأيام” إنه معجب برياضة المسايفة ليس لأنه يزاولها أو يعرف قوانينها، بل لأن ممارسيها يلبسون بذلة ناصعة البياض.

لكن لا يمكن أن يغادرنا أسطورة وهرم كبير مثل عبد المجيد ظلمي دون أن أشعر بالحزن والألم.

نعم إن الأمر كذلك لأني واحد من هذا الجيل الذي لا يعرف من نجوم كرة القدم إلا نجوم المنتخب الوطني المغربي، الذين شاركوا في نهائيات “ميكسيكو 86″.

عدا هذه المحطة الكروية الخالدة في تاريخ الكرة المغربية، فلا أعرف حاليا عن هذه اللعبة الشعبية ولا عن نجومها أو الفاعلين فيها “إلا اللمم” أو ما دون ذلك.

ومع ذلك، فما أن انتشر خبر وفاة الأسطورة ظلمي حتى وجدت نفسي داخل منزل أصهاره بزنقة أكادير بالدار البيضاء، حيث أدركه الموت.

ويا ليتني لم أفعل لأني عدت بحزن مزدوج عندما علمت أن هذا الهرم الكبير، الذي كان بحق “فلتة زمن”، مات وفي جيبه صفر درهم وجبال من المشاكل المادية وأربعة أبناء مهددون بالتوقف عن الدراسة لأن “العين بصيرة واليد قصيرة”.

وما جدوى هذه النجومية التي تعجز معها حتى عن تأمين مقعد بئيس في حجرة درس لأحب الناس إليك وهم فلذات كبدك؟

نجم موهوب وصاحب مجد كروي ثقيل ورمز من رموز الوطن مثل الأيقونة ظلمي ينبغي أن يكون أغنى الناس لا شخصا معدما لا يملك حتى ثمن شراء قبر يواري فيه جثمانه.

صحيح أن الراحل كان يملك مأذونية نقل زائد تقاعد من مكتب استغلال المواني، لكن القيمة المالية لكل هذه العائدات يبقى ضعيفا جدا ولا يليق بكرامة وعيش نجم كبير مثل ظلمي مسؤول عن أسرة وأربعة أطفال وله عائلة بانتماء اجتماعي فقير.

وسامح الله بعض “الأصدقاء” المقربين من ظلمي. أو لا سامحهم الله لأنهم استغلوا عفته العالية وزهده الزائد عن اللزوم ليراكموا “الثروات الطائلة” باسمه الكبير.

وليس سرا اليوم أن السي مصطفى الحداوي واحد من هؤلاء “المقربين” الذين استغلوا اسم ظلمي وكان يصطحبه معه في “جولات تسولية” على الولاة والعمال وبعض مسؤولي المؤسسات العمومية ليتسول به الدعم المالي وكل أنواع الامتيازات لجمعياته المتعددة التي لم تقدم ولو مرة واحدة تقريرا دقيقا عن ماليتها الغامضة وغير الشفافة.

بالمناسبة، الحداوي يرأس أكثر من جمعية لكنه لا يعرف أي شيء عن ماليتها ولا عن أوجه صرفها لأن هذه المهمة أسندها إلى غيره.

وهذه قصة أخرى، لأني شاهدت بأم عيني ما لا يعجب.

وكان الحداوي يصطحب معه ظلمي في هذه “الجولات التسولية” ليس لأنه صديق حميم أو لخدمة الرياضة المغربية، بل كان يصطحبه معه حتى لا يرفض له هؤلاء المسؤولون العموميون “أي طلب” لأن اسم ظلمي ثقيل في الميزان والوجدان معا.

أكثر من هذا، الحداوي كان له دور حاسم في إفشال مباراة تكريمية تليق بتاريخ واسم ونجومية ظلمي.

نعم الحداوي أفشل هذا الحفل التكريمي لأنه أراد أن تكون جمعيته هي صاحبة الكلمة الأخيرة في تنظيم هذا النوع من الحفلات التكريمية.

وهذه الصورة التي نشرها الحداوي رفقة ظلمي في الفضاء الأزرق لم تأت امتدادا لعشرة وصداقة قوية، بل جاءت بعد قطيعة طويلة بين الإثنين.

بل أستطيع أن أقول إن تعميم هذه الصورة من طرف الحداوي لا يعدو أن يكون وخزة ضمير متأخرة.

والواقع أن الحداوي ليس وحده من لم يقف إلى جانب ظلمي في أوقات العسر والشدة ومساعدته على تنظيم تكريم يليق باسمه.

بل كلنا مسؤولون عن هذه النهاية الحزينة لجبل شامخ يستحق أن نبني له تمثالا في أكبر ساحة عمومية حتى يقتدي به الشباب.

ولا أخفي أني أحسست بالغبن عندما لم أر أي مسؤول وازن في الدولة في منزل الراحل لتقديم واجب العزاء إلى أسرته الصغيرة لأن الميت اسم كبير، بل إن بعض المسؤولين على قطاع الرياضة لم يكلفوا أنفسهم حتى عناء الاتصال عبر الهاتف.

إننا فعلا أمام “جحود” دولة عندما نتنكر لعطاء الرجال والنساء الذين ارتبطت أسماؤهم باسم المغرب، فيما نكرم سفلة القوم بالأوسمة الرفيعة.

وظلمي واحد من هؤلاء الذين رفعوا راية الوطن عاليا في محافل دولية وأعطى كل شيء دون أن يأخذ أي شيء.

لقد عاش الرجل عفيفا وظل يعاني في صمت. وحتى عندما التقى الملك محمد السادس في آخر لقاء مع فريق الرجاء البيضاوي فإن كبرياءه منعه من أن يطلب أي شيء رغم أن الملك سأله عن أحواله.

بقي فقط أن أقول ما يقوله المغاربة في مثل هذه المناسبات: “لبكا من ورا الميت خسارة”. وعلينا أن نعترف اليوم أننا ظلمنا ظلمي في حياته، لكن كل ما نتمناه ألا يظلم مرة أخرى بعد مماته.

وهذا ممكن جدا لأن الراحل ترك أسرة وأطفالا صغارا بلا معيل.

رحم الله الفقيد وإنا لله وإنا إليه راجعون.