“درب الفقراء”.. حيٌّ في فيلم.. وفيلمٌ في حيٍّ

للمدن المغربية تواريخ وحكايات، وُثِّقت عبر الزمن من أناس شهدوها أو توارثوا تفاصيلها، ولكل مدينة قصص يرويها الكبار والصغار ولكن لا نعلم تفاصيلها أو حقيقتها.

 “قصة حي” زاوية نحاول من خلالها تسليط الضوء على قصص متوارثة ميزت أحياء مدننا المغربية

إعداد: أمين مساعد

يعد “درب الفقراء” أو “درب الفقرا”  كما يحلو للبيضاويين تسميته، من أعرق وأشهر الأحياء في منطقة درب السلطان بالدار البيضاء. يكفي أن نذكر رائعة محمد الركاب فيلم “حلاق درب الفقراء”. المثير في هذا “الدرب” هو أن حكايات عديدة حول تسميته “بالفقراء”، أغلبها تنفي ارتباط الإسم بالفقر.

يرجع بعض سكان “حي الفقراء” أصل التسمية إلى أن صاحب الأرض التي شيد عليه الحي، والذي كان اسمه عمر الفقرا، ويقولون بأنه قبل سنة 1955 كان درب الفقرا عبارة عن فدادين فلاحية، وكان الجزء الأكبر من الأراضي في ملكية عمر الفقرا، الذي كان معروفا بإنتاج شتى أنواع الخضار والحبوب، قبل أن تأتي سنوات الجفاف المتوالية على الطابع الفلاحي للدرب.

 ثمة تأويل آخر لتسمية الحي بدرب الفقراء، وهو أن الدار البيضاء عرفت، نهاية الأربعينات، عملية نزوح جماعي من منطقتي دكالة والشاوية، وكان من بين النازحين «الفقرا» (بضم الفاء وتسكين القاف)، أي المريدين الصوفيين، الذين سكنوا بالمنطقة التي يطلق عليها الآن درب الفقراء.

اشتهر الحي، وطنيا ودوليا بالفيلم الذي أنجزه المرحوم محمد الركاب سنة 1982 بعنوان “حلاق درب الفقراء” والذي يقول عنه الناقد السينمائي الراحل مصطفى المسناوي: “فيلم “حلاق درب الفقراء” ذكرى من ذكريات السينما المغربية مجسدة في المخرج الراحل محمد الركاب. هو صور لذلك الحي الذي جمع ذات زمن جميل بيتشو واسحيتة ومحمد حوراني ومحمد الطوزي وحسن رشيق… من درب السلطان انطلق الهوس السينمائي الخاص بالركاب ليصل إلى كل المغاربة، هناك عاش وتربى وخبر الحياة في هذا الحي الفقير”.

من جانبه، يونس الركاب، نجل المخرج الراحل محمد الركاب، يقول: “عشق محمد الركاب درب السلطان وتعلق به تكرس في التحفة السينمائية «حلاق درب الفقراء»: «رغم أنني كنت صغيرا حينما صور هذا الفيلم، فإنني أحفظ بعض أسراره، من بينها أن والدي بعد عودته من الاتحاد السوفياتي، وبعد خوضه لتجربة «رماد الزريبة» عاد الركاب إلى درب السلطان، وتأمل في واقعه وتناقضاته، فقرر أن ينقل أحاسيسه وذكرياته للجمهور المغربي عبر شخصيات فيلم «حلاق درب الفقراء» في قالب سينمائي واقعي وصادم. في سنة 1981، وأنا طفل صغير أتذكر صور محمد الحبشي، صلاح الدين بنموسى، عبد اللطيف الخمولي، مصطفى سلمات وعمر شنبوط.. أتذكر لحظات تصويرهم في حي درب الفقراء، حي البلدية وقهوة الوطن الشهيرة».”

جمع درب الفقرا أزيد من أربعمائة أسرة متوسطة الدخل أو ميسورة، واعتبر وجهة مفضلة للأسر التي تريد الاستقرار في الدارالبيضاء، وحملت سنوات التسعينات متغيرات كبيرة للحي، إذ انتقل من مجرد حي سكني إلى مركز للتجارة غير المنظمة.