حين واجهت الجوع والموت مع القذافي

حكاية صحفية”.. زاوية نسعى من خلالها إلى استعادة وقائع ومواقف مفارِقة أو مفاجئة أو صعبة.. حدثت لصحفيات وصحفيين مغاربة خلال مسارهن ومسارهم المهني. يحكيها كل يوم زميل أو زميلة على موقع “الأول”

محمد الطالبي

كانت سنة 2009 محطة مهمة في تاريخ العلاقات المغربية الليبية. سنتين قبل إسقاط نظام الجماهيرية العظمى برعاية الراحل معمر القذافي، ففي هذه السنة وبالضبط في نهاية الصيف كانت ليبيا تحتفل بالذكرى الأربعين لثورة الفاتح وتحتضن أيضا قمة إفريقية، وكان كاتب هذه السطور ضمن العدد القليل من الصحفيين الذين حضروا القمة ممثلا لجريدة “الاتحاد الاشتراكي” كوافد جديد عليها من تجارب إعلامية اخرى.
كانت رحلة مثيرة بكل المقاييس فبعد أن نزلنا أرضية مطار طرابلس، أقلتنا سيارات “مراسيم” أي رسمية إلى ميناء بحري حيث وجدنا في استقبالنا عددا من المسئولين، ما لبثوا ان انسحبوا وتركونا للاستراحة، وفطنت حينها إلى أننا في مأزق حقيقي فمكان سكننا سيكون عبارة عن فندق فخم عائم، على متن باخرة يابانية. فكرت مباشرة أن المكان يعتبر منطقة عسكرية لا يمكن الدخول والخروج منه إلا بتصريح، مما يعني أن الليبيين كانوا يرغبون في التخلص منا كصحافيين. واجهنا الأمر بإحداث جلبة حقيقة تطلبت تدخل كبار المسئولين لتغيير مكان الاقامة مما يسهل عملية اشتغالنا كصحفيين.

في مساء نفس اليوم اليوم طلبنا عباس الفاسي الذي كان حينئذ وزيرا أول، بمقتظى نظرية “مولا نوبة”، للالتحاق بجناحه بالفندق وبشكل مستعجل أخبرنا وهو يصر على أهمية نقل كلامه متوجها للإعلام العمومي: “العلاقات المغربية الليبية تعيش تطورا إيجابيا”، وتحدث عن مضمون رسالة ملكية للعقيد القذافي… في الغد التحقنا بالخيمة الوثيرة والشهيرة للقذافي. جلس رؤساء الدول وممثلوهم في القاعة وبدأت الكلمات باسم الوفود. كانت الأمور تسير بشكل عاد إلى أن أخد القذافي الكلمة وأعطى توجيها للمشرفين بإحضار الطعام للوفود غير الصائمة وذكر بوجود مسيحيين، لنفاجأ بعد فترة وجيزة بالمشرفين يقدمون وجبة دسمة للقذافي شخصيا مما جعله ينتفض: “الغداء للضيوف يا..” (كلام نابي) فانفجرت القاعة ضحكا وحتى العقيد ضحك والرؤساء…
حين حل موعد الاختتام، وكان اللقاء بإحدى الساحات الكبيرة المحاذية لأحد المطارات العسكرية. نصبت منصة كبيرة للرؤساء وعلى جانبها الايسر خيمة خصصت للدبلوماسيين وفي الجانب الأيمن خيمة للعسكريين المسؤولين عن التشكيلات التي ستشارك في الاستعراض. إلى جانب القذافي جلس كل من الراحل تشافيز وعبد العزيز بوتفليقة ثم باقي القادة، فيما جلس ممثل المغرب في أعلى المنصة على جانبها الايمن، وقد فسر لي حينها مصدر ليبي بأن الامر مرتبط بالوضع الصحي للوزير الأول (عباس الفاسي) لكونه يعاني من مرض يلزمه أن يتنقل كثيرا للمرحاض.
ما هي إلا لحظات، حتى لاح محمد عبد العزيز (رئيس البوليساريو الراحل) داخل المنصة. صعد الأدرج حتى تجاوز الصفين الأولين ثم بادر بالسلام على عبد العزيز بوتفليقة ثم القذافي الذي مد يده للسلام عليه دون حتى أن ينظر فيه. وبحكم قربي من المنصة ووضوح المشهد فإنني أكاد أجزم أن القذافي لم يتعرف حتى على عبد العزيز.
انطلق العرض العسكري وكنا نتحرك بحرية، فجأة ومع اقتراب موعد الإفطار بدأ الارتباك واضحا على الزملاء العاملين في التلفزيونات لانهم لم يصوروا استعراض التجريدة المغربية، فساد وسطهم قلق كبير: هل مرت التجريدة أم لم تمر؟ واضطررنا إلى التنقل حيث مكان تواجد قيادة الجيش المغربي. وقبل أن نبادر بسؤالهم، أخبرنا ممثل وكالة المغرب العربي للأنباء بأن التشكيلة المغربية لن تشارك وأن الوكالة نشرت خبرا بذلك. حينها اتصل القادة العسكريون لتأكيد الخبر ومغادرة مكان الاحتفال بعدما احتج المغرب على حضور ممثل البوليساريو. رافقنا الوزير الأول إلى المطار فطلب منا العودة فورا إلى المغرب. وهو ما رفضته شخصيا لأنني اعتبرت نفسي في إطار مهمة صحفية تحتم علي إنهاء الأشغال ونقل ما يجري هناك.
عدنا إلى مكان الاحتفال بفضل سيارات المراسيم التي تسهل مهمة ولوجنا عبر اجتياز الكمائن الأمنية والعسكرية بسهولة، وحين كنا نشاهد عرضا للفروسية تشارك فيه مئات الخيول ويحاكي في استعراضاته فرسان عمر المختار كما يظهر القذافي في صورة ضخمة وكأنه يركب الخيل مع الفرسان… حدث ما لم يكن في الحسبان. ففي إحدى الجولات انزلقت عشرات الخيول نتيجة وجود عشب اصطناعي، وارتطمت بقوة بالمنصة حيث يجلس الرؤساء وكان الخطر أكبر على الصحفيين الذين كانوا يتواجدون في المقدمة، إلا أن الجميع فروا ولم يصب سوى راكبي الخيول والخيول التي استقدمت سيارات لحملها. هكذا أفلتنا من موت محقق.

استمر اللقاء، وكانت صدمتنا الأخرى عندما لم تقدم للضيوف وجبة الافطار رغم مرور آذان المغرب بساعات. حين استبد بي الجوع انسللت لأتدبر أمري. قصدت سيارة عسكرية سلمت على راكبيها من الجيش الليبي ومددت يدي إلى ما كان أمامهم من أكل، ثم استأذنتهم في حمل قليل منه لبعض الزملاء فلم يمانعوا.
حينها، كان المغرب يعول على طي صفحة الخلافات مع ليبيا، في وقت كانت الجماهيرية ترفع دعاوى قضائية ضد صحف مغربية، وكان نشطاء ونشيطات في مكتب الاخوة العربي الليبي يحرضون ضد المغرب في مسعى لاستباق رغبات الزعيم.