أية مسؤولية لحزب العدالة والتنمية في تغول التحكم؟

خالد أوباعمر
إذا ما انطلقنا من تصريحات المسؤولين الحزبيين ومن بلاغات الأحزاب السياسية التي كانت طرفا في مفاوضات تشكيل الحكومة مع السيد عبد الإله بن كيران، رئيس الحكومة المعين، وفقا لمقتضيات الفصل 47 من الدستور، سيظهر لنا أن هذه الأحزاب لم تكن تجري أي مفاوضات سياسية لتشكيل الحكومة المقبلة بل كانت تمارس لعبة الابتزاز السياسي من أجل لي ذراع الحزب المتصدر للانتخابات وقد كان رهانها في هذا السياق هو تبخيس نتائج الانتخابات التي تصدرها حزب العدالة والتنمية.
إن ما يحدث الآن في المغرب من ممارسات سياسوية مسيئة للاختيار الديمقراطي كثابت دستوري من ثوابت الدولة الدستورية هو نتاج لصراع إرادتين: إرادة تمثل سلطة الدولة العميقة التي ترغب في تطويع المؤسسات الدستورية واحتكار كل مراكز القرار في البلاد، وهناك إرادة نابعة من صندوق الاقتراع تصارع من أجل الحفاظ على موقعها في تدبير الشأن العام بعد أن ذاقت حلاوة السلطة، عوض أن تصارع من أجل إحقاق الديمقراطية أو توسيع الهامش الديمقراطي.
إن أسباب عرقلة تشكيل الحكومة لا يمكن فهمها إلا من خلال فهم طبيعة النظام السياسي في المغرب كنظام ملكية تنفيذية تهيمن فيها سلطة الدولة على كل السلط بما في ذلك سلطة الحكومة المنبثقة عن صندوق الاقتراع، ولا يمكن فهمها أيضا، إلا من خلال التوقف عند المتغيرات التي حدثت خلال الثلاث سنوات المنصرمة على المستويين الإقليمي والدولي.
السياق الذي أفرز حزب العدالة والتنمية كقوة سياسة في 2011 كان مغايرا تماما للسياق الذي أفرزه اليوم كقوة سياسية متصدرة للانتخابات بالمغرب في 2016. هناك أطراف داخل المغرب تعتبر أن سياق الحراك تغير وأن قواعد اللعبة السياسية نفسها ينبغي أن تتغير أو تخضع لتوازنات سلطة الدولة بعيدا عن نتائج صندوق الاقتراع رغم الشكليات الدستورية التي ترتبط بتعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر لهذه النتائج وفقا لمقتضيات الفصل 47 من الدستور.

هل يحق للعدالة والتنمية التشكي من التحكم؟
في هذا السياق لا بد من التذكير أن حزب العدالة والتنمية الذي يشتكي اليوم من التحكم، قَدَّمَ لهذا التحكم خدمات جليلة وفق تعبير محمد الساسي، نذكر منها ما يلي:
1 لقد تجنب هذا الحزب خوض حرب منهجية شاملة ضد الفساد وجامل المفسدين؛

2 لعب هذا الحزب دورا في إفراغ الشارع من الذين خرجوا للمطالبة برحيل التحكم وحاربهم وشيطنهم وقدمهم للمجتمع في صورة سلبية؛
3 حاول هذا الحزب إفراغ الشارع من المعطلين بدون أن يزيد في مناصب الشغل؛
4 دفع هذا الحزب في اتجاه الاقتطاع من أجور المضربين عن العمل كحق دستوري من دون أن يلبي مطالبهم؛
5 أجهز هذا الحزب على صندوق المقاصة، وأراد حل مشكلة التقاعد على حساب الموظفين؛
6 انتصرت قيادة هذا الحزب للأعراف على حساب الدستور، حيث أن رئيس الحكومة، ظل يعتبر نفسه مجرد مساعد للملك الذي يحكم ويسود، وأن ذلك هو الأصل، وأن الأشياء كانت كذلك ويجب أن تبقى على حالها؛
7 تبنى الوصفات الاقتصادية نفسها التي اعتُمدت على مدى عقود خلت، ورهن مستقبل الأجيال المقبلة باللجوء المفرط إلى المديونية.
على ضوء هذه المعطيات، من الصعب تصديق ما يتم ترويجه عن التحكم من طرف قيادة حزب العدالة والتنمية و كتائبه الالكترونية التي كانت بالأمس القريب تبرر قرارات مؤلمة للحكومة التي يقودها حزبها والتي كرست الظلم والحيف واستهدفت فئة حساسة تحافظ على توازن المجتمع، لأنه في الوقت الذي كان فيه الديمقراطيون ينبهون العدالة والتنمية إلى مخاطر التماهي مع المخزن والانصهار الكلي في بوتقته كانت أذرعه الحزبية والمدنية والنقابية تشيطن هذه التنبيهات وكان الأمين العام للحزب الذي يرأس الحكومة يرد عليها بمقولته الشهيرة أنا لم آتي للحكومة لكي أتنازع مع الملك!!
سناريوهات محتملة لتجاوز ” بلوكاج ” تشكيل الحكومة:
يمكن التمييز في هذا الإطار بين ثلاث سيناريوهات: هناك سيناريو الانتخابات السابقة لأوانها، وهذا السيناريو لن يتأتى إلا من خلال تقديم رئيس الحكومة لاستقالته أو من خلال حل البرلمان باستحضار الصلاحيات التي يخولها الدستور للمؤسسات الدستورية المعنية من الملك إلى الحكومة مرورا بالبرلمان. هذا السيناريو مستبعد جدا وفيه هدر إضافي للزمن السياسي والانتخابي. كما أن المستفيد منه سيكون هو حزب العدالة والتنمية الذي أصبحت له خبرة كبيرة في استثمار المظلومية انتخابيا.
تم هناك سيناريو إجراء تعديل دستوري جزئي وفق الإمكانات التي يتيحها النص الدستوري الجديد، والتعديل في هذا السياق، سينصب مما لا شك في ذلك على الفصل 47 من الدستور الذي ينص على أن رئيس الحكومة يعين من الحزب الذي تصدر نتائج الانتخابات، دون تحديد آجال فيما يخص تشكيل الحكومة، ودون تحديد أي آلية لتجاوز إشكالية عجز رئيس الحكومة المعين على تشكيل هذه الأخيرة كما هو حاصل اليوم. هذا التعديل يمكن أن يذهب في اتجاه اضافة فقرة تنص على أن الملك يمكن له تعيين رئيس الحكومة من الحزب الموالي في حالة عجز رئيس الحكومة المعين من الحزب المتصدر للانتخابات في تشكيل الحكومة داخل آجالا معينة.
وفي مستوى آخر، هناك إمكانية للاستمرار في مفاوضات تشكيل الحكومة مع أطراف سياسية أخرى، وفي هذا الإطار، فإنه على ضوء بلاغ “انتهى الكلام” هناك إمكانية لتحالف العدالة والتنمية مع غريمه السياسي حزب الأصالة والمعاصرة من أجل تشكيل الحكومة بدون خطوط حمراء.
فرغم وجود عدد من الفوارق بين الحزبين، فالبام والبيجيدي يحملان العديد من السمات الجوهرية المشتركة. فالحزبين كان لهما في آخر استحقاق انتخابي برنامجان انتخابيان متقاربان، ويعتبران معًا أن الملكية البرلمانية ليست ضرورة حيوية للتقدم السياسي في البلاد.
فما الذي سيمنعهما إذن من التحالف لتشكيل الحكومة، لاسيما، وأن الممارسة تثبت أن بنكيران كان يعتبر صلاح الدين مزوار وحزبه خطا أحمرا غير أنه بعد انسحاب حزب الاستقلال من الحكومة في سنة 2013، تحالف البيجيدي مع هذا الحزب وتحول أمينه العام من غريم سياسي فاسد وأداة للتحكم إلى حليف استراتيجي؟
في المغرب، ليست هناك مبادئ في الممارسة السياسية للأحزاب عندما يتعلق الأمر بتشكيل الحكومة والاستفادة من ريع الحقائب والمناصب والمسؤوليات، بل هناك حسابات دقيقة تظل محكومة بالحس البرغماتي لكل فاعل سياسي. لهذا من غير المستبعد أن يخضع البيجيدي لإرادة التحكم الذي يقف وراء سياسة العصا في العجلة ويتحالف في الأخير مع البام من دون أية خطوط حمراء وفي هذا التحالف سيكون الخاسر الأكبر هو الديمقراطية التي لا يناضل من أجلها البيجيدي للأسف الشديد استنادا لعدة مؤشرات يمكن التفصيل فيها لاحقا.