هل سقطت فزاعة الإضراب العام ؟

هل سقطت هالة الإضراب العام، لماذا لم تعد السلطة تخاف من الإعلان عنه من قبل المركزيات النقابية ؟ وكيف لم يعد التلويح والتهديد بالإضراب يحقق مكاسب للنقابات والحركات الاجتماعية ؟ أسئلة أصبحت تطرح من قبل الفاعلين والمتتبعين للشأن النقابي والاجتماعي في المغرب خصوصا في زمن “حكومة الإسلاميين”؟

في التمثل الاجتماعي للإضراب

عبد الرحمن رشيق الباحث المتخصص في الحركات الاجتماعية، اعتبر في تصريحه لموقع “الأول” أن سقوط هالة الإضراب العام، الذي كان الإعلان عنه في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، يخلق جوا مشحونا للمجتمع والسلطة على السواء، له عدة أسباب :

تغيير التمثلات الاجتماعية التي كانت لدى المجتمع للإضراب العام، وارتباطه في الماضي بحدوث القلاقل وأحداث الشغب، وهو ما حدث في إضرابات 1981 و1990، ليصبح، نوعا من التطبيع للمجتمع مع الاحتجاجات والإضرابات، وهو ما ظهر في العديد من المحطات الاحتجاجية التي عرفها المغرب والتي لم تسجل أي أحداث عنف.

ويضيف رشيق أيضا، أن سقوط هالة الإضراب العام،  يرجع أيضا إلى بنية السلطة التي تغيرت وأصبحت أكثر انفتاحا على التعبير عن الرأي والإضراب وممارسة الحقوق السياسية والمدنية، على عكس زمن الثمانينات التي أكثر تحكما وسلطوية.

كما أشار رشيق في ذات التصريح إلى ما اعتبره تطور الأجهزة الأمنية، التي أصبحت تتميز باحترافية كبيرة، لتدبير الحركات الاحتجاجية والإضرابات في الشارع، بحيث أصبح وجود الحركات الاحتجاجية موازيا لسير الحياة العامة وليس إلغاء لها.

الحكومة خلقت وضعا غير طبيعيا !

من جانبه اعتبر علال بلعربي عضو المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أنه “إذا كان الإضراب العام مقترن في نظر البعض بالخروج إلى الشارع وإحداث الشغب فهو خاطئ، وعلى من يقوم بهذا النوع من التفكير أن يقوم بإعادة النظر فيه”، معتبرا أنه “في ظل ما هو سائد عالميا، يكفي العمال القيام بالاحتجاج بوضع الشارة لتجلس الحكومة لطاولة الحوار والاستجابة لمطالب الطبقة العاملة”.

وفي جوابه على سؤال ما إن كان التلويح من قبل النقابات بالإضراب العام، لم يعد يخيف ويحقق مكاسب نقابية، قال بلعربي “أن هذا السؤال يجب طرحه على الحكومة الحالية التي لا تستجيب لمطالب الحوار الاجتماعي والسياسي والحقوقي” معتبرا ” أن هذا يظهر لأي حقل ثقافي تنتمي الحكومة الحالية التي خلقت “وضعا غير طبيعي” بعدم التقاطها للإشارات التي ترسلها النقابات..”.

البلقنة النقابية وتراجع هيبة الإضراب

بدوره اعتبر رشيد البوصيري، الباحث في القانون العام، أن  “التنظيمات العمالية استعملت  سلاح الإضراب من أجل ثلاثة خيارات رئيسية، وهي: الأجرة، التحرر، والحكم”.

مطالب الأجرة ومتعلقاتها، يضيف البوصيري “لا تزال محفزات للإضرابات القطاعية، أما مطالب التحرر فتطورت بعد العصور القديمة والمتوسطة من مقاومة بؤس العبودية إلى معارضة بأس الرأسمالية المتوحشة، فيما تحول مطلب الحكم من شعارات ثورية، إلى رغبات من أجل الاستقرار في أجهزة الحكم”.

ولعبت النقابات التاريخية على الخيارات الثلاث في كل لحظة من لحظات المغرب المعاصر، يوضح البوصيري بحيث “عرّف الاتحاد المغربي للشغل نفسه قبيل الاستقلال، بأنه في طليعة حركة التحرير الوطني، وبعد الاستقلال استقرت النقابة في أجهزة الدولة كأكبر قوة منظمة اجتماعيا واقتصاديا، وبقيت تلعب هذا الدور حتى شتتها النظام بعوامل الصراعات الحزبية مع الحكم والتي استعمل فيها سلاح البلقنة النقابية”.

و”مع نهاية  التاريخ النقابي”، يقول البوصيري  “رضيت النقابات بمواقع في المجالس التمثيلية، والتشريعية ومجالس المقاولات… كتعويضات عن كل مشاكسة غير محسوبة المخاطر، لهذا كانت الإضرابات العامة (1981 و1990) تقابل بردود عنيفة ليس لأنها تهدد النظام، بل لأن أصحابها، في أعين الحكم، لازالوا يحنون لشعارات بائدة عفا عليها الزمن السياسي”.

ويضيف ذات المتحدث أنه  “بعد الربيع المغربي، اضطر النظام أن يفصل شكليا بين منصب رئاسة الحكومة وأجهزة الحكم التقليدية، ففي الوقت الذي تعمل أجهزة الحكم على ترسيخ هيبتها في المخيال الشعبي، تترك العنان لجميع الفاعلين لكي يقولوا في بنكيران ما عجز مالك عن قوله في الخمر”،  معتبرا أن “الكل يعلم أن بنكيران لا يحكم، وحكومته وصفها الأموي “بحكومة الدراري”، ومع ذلك تجتمع النقابات بكل ألوانها لكي تقول له “تجربتك في الحكم فاشلة”، وتستعمل معه – على حذر – الأسلحة المعروفة ومنها الإضراب العام الذي تم إخراجه من منطق العمل الجماعي حتى أصبح مبتذلا وغير عقلاني”.

ووصف البوصيري حال الإضراب العام في المغرب “كمن يصطاد فأرا أجربا بإستعمال سلاح كيماوي”.

محمد الوافي، عضو الأمانة الوطنية للاتحاد المغربي للشغل، وجوابا على سؤال تراجع الإضراب العام، قال أن “هذا الإشكال يوجد في المشهد السياسي والاجتماعي والثقافي الحالي، معتبرا أن “تعامل الحكومة الحالية مع موضوع الإضراب له جذور ثقافية للحزب الحاكم، الذي لا يعترف بالمشروعية التاريخية للإضراب الذي يعتبر مكسبا، لأزيد من قرنين، للطبقة العاملة”.

وأضاف الوافي أن “الإضراب في المغرب هو حق دستوري وقانوني مشروع تكفله القوانين الدولية والوطنية”. لكن هذه الحكومة، يوضح الوافي “تضرب المشروعية التاريخية لهذا الحق لأن ليس لها ثقافة عمالية، ومرجعيتها تدور في فلك المساجد والوعض والإرشاد، وهذا ما يفسر تعاملها بعنجهية مع حق الإضراب”، معتبرا أن “تصرف هذه الحكومة، محتاج إلى تحليل سريري سيكولوجي لفهم تعاملها مع هذه الظاهرة المعترف بها من قبل كل دول العالم”.

 

 

 



بدون تعليقات

اترك رد