لسنا في أمريكا كي يعين الملك رئيس مؤسسة لا يكون مسؤولا أمامه

تأخر مشاريع الريف.. “قتل” السحرة لا يعني نهاية السحر

مصطفى الفن

انتشرت في صحافتنا المغربية عناوين عريضة تتحدث عن قرب سقوط رؤوس كبيرة في هرم الدولة بعد هذا الاستقبال الملكي قبل ثلاثة أيام لرئيس المجلس الأعلى للحسابات، بل وأيضا بعد هذا التقرير الذي قدمه وزيرا المالية والداخلية بين يدي الملك حول تأخر مشاريع الريف.

وذهبت بعض العناوين بعيدا حتى أنها توقعت نهاية “عاد وثمود” لوزراء ومسؤولين من مختلف مؤسسات الدولة لأن لهم مسؤولية في تأخر هذه المشاريع.

أكثر من هذا، فقد كادت بعض الكتابات المنفلتة من عقالها أن تتوقع “اعتقال” رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران لأنه “المسؤول المعنوي” عن كل المصائب التي حلت بالمغرب سواء في عهده أو حتى قبل مجيئه.

شخصيا، أستبعد أن ينساق عقلاء الدولة ورجالها وراء هذا التجييش الإعلامي الفارغ أو هذا الانخراط الأعمى في تصفية الحسابات الصغيرة ضد هذا الفاعل السياسي أو ذاك الموظف العمومي.

الدولة لها منطقها الخاص في معالجة الاختلالات التي قد تحدث في هذه المؤسسة أو ذلك القطاع ولن تتحرك أبدا بمنطق الانتقام والثأر من “خدامها” وموظفيها ومسؤوليها وسياسييها.

نعم قد يحدث أن تتدخل الدولة لوضع حد لبعض التجاوزات إذا ما تأكد لها أن هذه التجاوزات قد تفتح الباب نحو المجهول، لكن ليس بأي ثمن من سمعتها في الداخل والخارج.

وما هو ثابت في هذا المنحى وهو أن الدولة لم تلجأ أبدا، وطيلة 18 سنة من حكم محمد السادس، إلى “أسلوب بائد” انتهى مع نهاية الراحل إدريس البصري ونظام الحسن الثاني رحمه الله.

وأقصد هنا أسلوب الحملات التطهيرية الذي تسبب في الكثير من الآلام والمحن لأناس أبرياء لازال بعضهم يضمد جراحاته إلى اليوم.

ومعروف أن أسلوب الحملات قد يضبب الرؤية ويزرع الشك والخوف في نفوس المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال، بل قد يمنع أي مواطن كفؤ من أن يقول إلى من يهمه الأمر “اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم”.

وأتوقع ألا تتجاوز “القرارات” في اختلالات مشاريع الريف بعض “قرصات الأذن” التي تندرج في إطار تفعيل دور مؤسسات المحاسبة انسجاما مع الدستور وروحه ولا شيء آخر.

أي أستبعد أن تتصرف الدولة بمنطق “مطاردة الساحرات” لأن عقلاءها وهم كثر يعرفون جيدا أن “قتل” السحرة جميعا لا يعني نهاية السحر وسط “مجتمع” يكاد يفوض أمره إلى هؤلاء “السحرة” في لحظات الشدة والتيه.

ولا أفهم شخصيا كيف أن بعض الكتابات رفعت سقف التنبؤ عاليا ولوت عنق النص ليا لتنزع عن الاستقبال الملكي لرئيس المجلس الأعلى للحسابات صبغته الدستورية.

وأنا لا أعتقد أن الإنسان يحتاج إلى ثقافة قانونية كي يعرف أن الملك مارس هنا صلاحياته الدستورية عندما أحال تقرير وزارتي المالية والداخلية على رئيس مؤسسة دستورية معين بظهير ملكي هو إدريس جطو.

فلسنا في أمريكا كي يعين الملك رئيسا لمؤسسة من مؤسسات الدولة دون أن يكون هذا الرئيس مسؤولا أمام جلالته.

فالأصل في الأشياء الإباحة ولا تحريم إلا بنص ينتزع هذا الاختصاص من الملك ويمنحه لرئيس الحكومة حصريا.

أكثر من هذا، فمن حق الملك أيضا أن يحدد أجلا لعمل مؤسسة أو لجنة في قضية ذات طبيعة استعجالية تتطلبها المصلحة العليا للدولة.

ثم إن الملك هو رئيس الدولة وهو المخول له “تفسير النص” لحماية للمؤمنين في هذا البلد باعتباره أميرا لهم.

صحيح أن تقرير وزيري المالية والداخلية لا يكتسي صبغة قضائية حتى يبرئ هذه الجهة أو تلك ولو أن المفتشية العامة للمالية لها بعض الخصوصية الإلزامية لأن مجال اشتغالها يتجاوز مبنى هذه الوزارة.

لكن لا ينبغي أن ننسى أن تقرير هذين الوزيرين لا يعدو أن يكون في نهاية المطاف مجرد “عمل تنفيذي” لا غير.

وبالطبع، فهذا “العمل التنفيذي” لن تكون له صبغة قانونية وقضائية إلا بعد أن يحال على قضاة المجلس الأعلى للحسابات.

وهذا ما قام به الملك بالحرف عندما كلف السيد إدريس جطو بهذه المهمة في تناغم تام مع دستور المملكة.

وعلى ذكر السي إدريس جطو، تذكرت الآن أني أجريت معه حوارا قبل ثمان سنوات عندما وجهت له اتهامات ثقيلة بتحريف الطريق السيار المحاذية لأرض من أراضيه بضواحي الدار البيضاء.

وأتذكر أن السي جطو ذكره الله بخير أعجب كثيرا بهذا الحوار الذي نزل في اليوم الموالي بجريدة “المساء” في سياق سياسي صعب.

فماذا وقع بعد ذلك؟

لقد اتصل بي ابن دكالة الخلوق ليس ليعبر لي عن إعجابه بأسلوبي في الكتابة بلغة الضاد ثم يشكرني على أمانتي في نقل تصريحاته فحسب، بل اتصل بي أيضا ليقترح علي في أدب عال أن أكتب له سيرته الذاتية.

وكم راقني هذا الاقتراح ولو أني فهمت من ذلك أن الرجل انتهى إلى الأبد، لكن ها هو اليوم إدريس جطو على رأس مؤسسة دستورية قد ترسل حتى الوزراء الوزراء وكبار المسؤولين في الدولة إلى السجن.