هل بوريطة وأمثاله مقدسون مثل الوطن؟

فصل المقال فيما بين الساسة والوطن من اتصال

العربي محمودي

“أنت خائن.. أنت تسيئ للوطن.. ألا تملك غيرة على وطنك.. كيف سولت لك نفسك التنكيل بوطنك؟؟؟”
عبارات غالبا ما نسمعها ممن ينصبون أنفسهم وطنيين فوق العادة ويخلطون بين رجال السياسة والوطن ويعتقدون أن رجل السياسة أو ممثلها الديبلوماسي هو صورة طبق الأصل للوطن وأن انتقاده أو الإساءة إليه هي إساءة للوطن بالضرورة. ولعل العبارات أعلاه تكررت غير ما مرة قبل أيام مع واقعة “الاعتداء” على وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بالموزمبيق، حينما قام بعض الفيسبوكيون بالاستهزاء بكفاءة السيد الوزير وسوء تدبيره ووصف ديبلوماسيتة بالفاشلة، لينبري لهم بعض “الوطنيين” مشككين في وطنيتهم معتبرين أن الإساءة إلى السيد الوزير هي إساءة للوطن.

قد نفهم ردات الفعل المتشنجة هاته التي تروم تخوين كل من انتقد مسؤولا يمثل الدولة، لكن ما لا نستطيع هضمه هو انجراف بعض أساتذة العلوم السياسية وراء هذه الموجة وكأنهم لا يفقهون أبجديات الدولة ودواليبها وعلاقتها بالشعب؛ هم الآخرون لم يتلكؤوا في معاتبة كل من انتقد الوزير أو أي مسؤول آخر مطالبين إياه بمراجعة وطنيته ضاربين عرض الحائط بكل الأسس الموضوعية للدولة الحديثة وكأنهم يطالبوننا بالعودة إلى لازمة “الدولة أنا وأنا الدولة” بل الأسوأ من ذلك نحن تعدينا هذه المقولة لنصل إلى صيغة “الوطن أنا وأنا الوطن”. المغاربة لديهم أزمة مخيال سياسي حقيقية، خصوصا في تمثلهم للوطن.

هذا المخيال الذي تشرب اعتقادات سياسية فاسدة منذ الصغر واحيانا متناقضة عبر وسائل التنشئة الاجتماعية التي أوهمتنا ونحن صغار بأن كل شخص مسؤول في بنية الدولة وخصوصا العميقة هو شخص محاط بهيبة وقداسة وأن انتقاده او المس بقدسيته قد يجر إلى مساءلة قضائية أو على الأقل إلى مساءلة اجتماعية عبر الاستهجان والتخوين والإقصاء الرمزي.

المشكل يكمن كذلك في غياب نموذج مثالي نستطيع من خلاله وضع حدود صارمة بين الوطن وبين الشخص أو الفاعل السياسي، وفي غياب هذا النموذج فقط يحدث ان يتشابه كل شيئ بكل شيء فيصبح الفاعل مماثلا للوطن بل مقدسا كما الوطن. هكذ أخلت قدسية رجال الدولة مكانها في أذهاننا نحن المغاربة وأصبحنا مهيئين للدفاع عنها تحت ذريعة الدفاع عن الوطن ولكن في الحقيقة هو دفاع عن وثن وصنم انغرس فينا ونحن صغار معتقدين أن الوطنية هي ان ننافح عن رجال الدولة حتى في حالة فلتانهم وهفواتهم والوطنية.

لا أجد تعبيرا عن الوطنية أبلغ من مقولة “الوطنية هي ان تؤيد الحاكم حينما يكون على صواب وأن تعارضه حينما يكون على خطأ”، فالتفكير في القضايا السياسية يحتاج إلى مرونة لا إلى تصلب في المواقف أو استحضار المقدسات والمحاججة بها كلما أعيتنا الحيلة في إفحام الطرف الاخر. فقد يكون الوطن مقدسا دون أن تنسحب القداسة عمن  يدبرون قضاياه؛ إذن المسألة تحتاج إلى تدريب فكري وإعادة نظر في وسائل التنشئة السياسية؛ قد تكون مسألة صعبة لكنها ليست مستحيلة