تنبيه إلى ناصر الزفزافي ورفاقه

ملاحظات حول حراك الحسيمة

نوفل البعمري

لاشك أن الحراك الذي انطلق منذ 7 أشهر بإقليم الحسيمة هو حراك له جانب من المشروعية على مستوى مضمون المطالب الاجتماعية التي تمركزت حول بناء مستشفى لمحاربة السرطان؛ ملحقة أو نواة جامعية؛ التشغيل… وهي مطالب لا اختلاف حول مشروعيتها ولا حول سياقها التاريخي أو الاجتماعي خاصة مع ما عانته المنطقة ككل من تهميش لأكثر من 30 سنة؛ التي انطلقت بعض محاولات تصحيح الوضع منذ زلزال الحسيمة وزيارة الملك لها.

تتبعنا جميعا الحراك؛ وسجلنا بإيجابية سلميتها؛ لكن هذا لا يمنع من باب النقاش بصراحة مع قيادات الحراك خاصة مع الخطاب الذي يتم تصريفه في الإعلام والاعتصامات التي يتم تنظيمها.

– ناصر زفزافي أصبح هو الناطق باسم الحراك؛ هذا الأمر لا نجادل فيه مادام أصحاب الشأن وهم المعتصمون فوضوا له الحديث باسمهم، وتصريف مواقفهم والتعبير عن مطالبهم؛ وإن كان التجربة علمتنا أن تمركز الحراك في يد شخص واحد يؤدي في النهاية إلى الاستبداد بالرأي والموقف وإسقاط الذاتي على الجماهيري؛ ويحمل في الكثير من الأحيان “قائد” الحراك مسؤولية مآلاته.

– الزفزافي في خطابه صرح بأن الاستعمار الاسباني أرحم من الاستعمار العروبي؛ وهو تصريح كان يقتضي أن يعمل هو نفسه على التراجع عنه وتقديم اعتذار للمغاربة لان منهم العربي  منهم الامازيغي ومنهم الاندلسي ومنهم الصحراوي ومنهم المورسكي… بالتالي هذا التصريح كان هفوة خطيرة؛ لان الوضع الحالي لا يتعلق باستعمار عروبي؛ بل ببلد تتداخله تعبيرات اجتماعية وثقافية متداخلة؛ تعايشت وتزاوجت دون أي عقد اجتماعية أو إثنية؛ كما أن مطلب بناء مستشفى لمحاربة السرطان هو ناتج على جريمة الاستعمار الاسباني في المنطقة؛ وليس بفعل عمل الدولة المغربية؛ لذلك لا يمكن مقارنة أي تواجد مؤسساتي منذ الاستقلال إلى الآن بتواجد كولونيالي في المنطقة.

– ناصر زفزافي رفض كل مطالب الوساطة مع الحكومة التي تظل الجهة الوحيدة المعنية بتلبية وتنفيذ المطالب الاجتماعية؛ فالمسؤول على بناء مستشفى هو وزير الصحة؛ المسؤول على بناء نواة جامعية هو وزير التعليم العالي المسؤول على توفير مناصب شغل في المنطقة هو وزير التشغيل المسؤول على توفير منطقة صناعية هو وزير الصناعة… وليس مؤسسة أخرى؛ لذلك فرفض الوساطة غير مفهوم؛ ويدفع في اتجاه اللاحل وتأزيم الوضع أكثر بمبرر غير منطقي؛ بل هذا الرفض لمختلف الوسائط سواء كانت نقابية أو حزبية أو مدَنية أو مؤسساتية لا معنى له إلا أن هناك رغبة في جعل المواجهة مباشرة مع الدولة ومع رأسها؛ من خلال رفض المؤسسات الوسائطية التي يظل هذا هو دورها الدستوري والسياسي؛ حتى لو ذهبنا مع موقف ناصر زفزافي ورفضه لمختلف المؤسسات ومطالبته بالحديث مباشرة إلى الملك؛ هو طلب لا يخدم الديموقراطية؛ بل يساهم في الرجوع للوراء وتقويض وضعية المؤسسات التشريعية والتنفيذية؛ لصالح مؤسسة اختارت أن تتراجع للوراء في العديد من الملفات لتقوية الجانب التنفيذي للحكومة، وعلى فرض أن هناك رغبة في لقاء الملك فالأمر سيتم عادة من خلال وسيط مؤسساتي و ليس رفض كل الاقتراحات.

– الحراك في الداخل في إقليم الحسيمة حالة التضامن مطلوبة لكن بناء هياكل تنظيمية بأوروبا مع ما يتداول من أنباء حولها وبعض مرجعيات مسؤوليها لا تخدم الحراك؛ ولا يجب أن نجعلها بديلا عنه؛ فمن هو في الميدان وفي ساحة الاحتجاج هو من يقرر في مصير معركته الاجتماعية و ليس من هو في عواصم أوروبا.

– الحراك يتعلق بإقليم واحد من المنطقة الشمالية وليس بالريف كما يصور زفزافي في خطابه؛ وهي مطالب تهم اقليم الحسيمة و ليس الريف؛ تصوير الأمر وكانه احتجاج جماعي لجهة ترابية أو ثقافية ضد الحكومة مناف للحقيقة ويضخم من الحراك بل لا يساعد على الإنصات إليه من طرف الجهات المعنية وأظن أن الكثير من الشكوك وإن كانت غير صحيحة حول أهداف الحراك تجد سندها في هكذا ادعاء لأنه غير صائب و مناف للواقع.

لقد كنت أتمنى أن يقبلوا بتدخل المجلس الوطني لحقوق الإنسان كآلية مستقلة على الحكومة والبرلمان ليقوم بدوره في حماية حقوق المنطقة الاقتصادية والاجتماعية وتقريب وجهات النظر مع الحكومة التي تظل الجهة الوحيدة المعنية بتنفيذ تلك المطالب لان هذه هي مهمتها من خلال وزراءها.

– كل حراك مشروعيته تتأتى ليس من التصعيد بل من القدرة على تحقيق المطالب؛ والشراسة لا تكون فقط في الشارع، بل إن الشراسة في الحوار وفي انتزاع الحقوق لا تقل أهمية عن النزول للشارع بل المزاوحة بينهما أثبت التاريخ أنها المنهجية الأكثر قدرة على إحراج الدول والحكومات؛ ليس فقط النزول للشارع رغم قوته خاصة مع تماسكه.

لست محتاجا للتذكير برفض أي تدخل أمني؛ ولا في البحث على تغطية حزبية وسياسية له؛ وأن أي تدخل أمني قد تكون له عواقب وخيمة وقد تأجج من الغضب؛ لذلك فالدولة حافظت على هدوئها ويجب أن تستمر في ذلك لأن واجبها هو الحفاظ على الأمن، وأمن المدينة وإقليمها يكمن في ضبط النفس.

كما أنه من مصلحة الحراك، أن ننبه قادته، مثلما نتضامن معهم، من باب المسؤولية؛ رغم لهذا الاختيار من تكلفة لأنه تعودنا على تقديس الاحتجاج الاجتماعي والمغالات في محاباته والنفخ فيه؛ لأنه في نهاية المطاف نحن نرحل عن وسائل التواصل الاجتماعي ونترك أهل الحسيمة لمصيرهم أن يعيدوا التفكير في الموقف من الحوار ومقترحات الوساطة بينهم وبين الحكومة؛ لان الحوار هو الحل.