كديم ايزيك.. شجاعة المصالحة

 

مصطفى عماي

10857810_793831574032776_9040647669768289574_n11

” ليس وطني دائما على حق ولكني لا أستطيع أن أمارس حقا حقيقيا إلا في وطني”         

 محمود درويش

“اذهبوا فأنتم الطلقاء” هكذا خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم كفار قريش عند فتح مكة وهو يقود جيشا من عشرة آلاف جندي وبامكانه دكهم جميعاً وهم من آذوه ونكلوا به ووصفوه بالساحر والمجنون وأرغموه على الهجرة وعذبوا وقتلوا أتباعه لكن رغم كل هذا كان “أخ كريم وابن أخ كريم” ليؤسس لأشهر مصالحة عرفها التاريخ  فكانت أولى لبنات بناء الدولة المدنية اعتمدت طي صفحة الماضي وفتح صفحة المستقبل الذي يتسع للجميع. وبهاته المصالحة تقوت الجبهة الداخلية واستطاعت “دولة الإسلام” مواجهة وهزم إمبراطوريات الفرس والروم .

إن ما يعرفه المغرب اليوم من استقرار جعل رياح الربيع الديمقراطي تمر بسلام بل بات يقود حملة شراكات إستراتيجية مع عدة بلدان إفريقية وكل هذا نتيجة لشجاعة المصالحة التي قادها ملك البلاد وتجاوب معها الضحايا.

“ومع استحضار اختلاف التجارب الدولية في هذا المجال فإن المغرب قد أقدم، بحكمة وشجاعة، على ابتكار نهجه الخاص… وسنظل حريصين على الطي النهائي لهذا الملف، بتعزيز التسوية العادلة غير القضائية، وتضميد جراح الماضي، وجبر الضرر، بمقاربة شمولية، جريئة ومتبصرة، تعتمد الإنصاف ورد الاعتبار وإعادة الإدماج… وبقيم الإسلام في السماحة والعفو والصفح الجميل… من لدن شعب لا يتهرب من ماضيه، ولا يظل سجين سلبياته، عاملاً على تحويله، إلى مصدر قوة ودينامية لبناء مجتمع ديمقراطي وحداثي”. خطاب ملك البلاد بمناسبة تنصيب هيأة الإنصاف والمصالحة 7 يناير 2004.

شجاعة ملك وصبر شعب وتسامح الضحايا وأسرهم ونظرة للمستقبل بحكمة وتبصر واستحضار ماضي لجعله عبرة للمستقبل وتجاوز الرغبة في الانتقام من الجلادين… كلها عوامل جعلت المغرب اليوم في وضع مريح يسير – ولو بخطى بطيئة بسبب فرملة خفية- نحو مستقبل آمن يحضن الجميع.

حصل على جائزة نوبل للسلام و250 جائزة دولية أخرى و50 كتاب تناول مختلف جوانب سيرة حياته، تغنى به أشهر الفنانين العالميين وتناول كبار المخرجين السينمائيين قصة حياته، صار أيقونة للسلم والسلام وكان دائماً يردد ” لم أكن المسيح ولكن رجلاً عادياً أصبح زعيماً بسبب ظروف استثنائية”. إنه نلسون مانديلا وما كان له أن يصل إلى كل هذا لولا تسامحه وإيمانه الفعلي بالمصالحة، فالشجعان لا يخشون التسامح من أجل السلام- والتي بفضلها أصبحت جنوب إفريقيا قوة اقتصادية وسياسية وقبلة للصحفيين والكتاب وكبار المخرجين السينمائيين والفنانين… فالكل يريد معرفة هذا الرجل الذي سامح جلاديه وأراد بناء الوطن معهم الكل يريد الإطلاع على هاته التجربة الإنسانية الفريدة والاستفادة منها لأنه من الصعب تقبل أن  شخصا – منتصرا – سامح جلاديه ودعاهم لبناء مستقبل جديد خال من الكراهية والانتقام.

نعم إنه مانديلا ملهم أحرار العالم ومحبي السلم والسلام والتسامح ما كان ليصل لهذا لولا شجاعة المصالحة والتسامح ونسيان الماضي وجعله قوة للمستقبل صحيح نسيان الماضي صعب ويستلزم شجاعة وقوة ولململة الجراح تتطلب رجال دولة يحسبون للمستقبل قبل كل شيء فحتى في الطب فأصعب ما يواجه الجراح هو كيفية تضميد الجرح ولململته ثم خياطته بعناية فائقة مع الحرص على عدم ترك آثارا خارجية أو نسيان ضمادة بالداخل حتى وإن كانت بيضاء.

الوطن اليوم يواجه تحديات كبيرة بالخارج والأعداء يتربصون به ويغيظهم ما تحقق من نجاحات وما كانت لتكن لولا تراص الصفوف الداخلية وتجاوز الكثير منا عن أخطاء ارتكبت في حقه تصوروا معي لو أن عائلة حمدي لمباركي لم تصفح وأن عائلة رشيد الشين لم تسامح وان أب محسن فكري لم يقل ” إبني مات والوطن أكبر من كل شيء وأرفض الركوب على مقتله لضرب استقرار الوطن”. تصوروا لو أنهم بقوا متشبثين بالقصاص والثأر لكان اليوم جنوب وشمال المغرب بركان ولكنا منشغلين بالداخل فقط والأعداء يحاربوننا بأنفسنا،  كما فعلوا باستغلالهم لانتفاضة طانطان 1972 التي أصبحت (حركة تحررية) رغم عن إرادتها بعد ما كانت مطالبها وحدوية.

معتقلي اكديم ايزيك يحتاجون منا وقفة تأمل ونظرة للمستقبل وإن صححت محكمة النقض الخطأ القضائي وجب علينا أن نرتقي بالوطن ونصدر حكما لصالحه يسمو فوق أنانيتنا وتفويت الفرصة على من يريد النيل من مغربنا ” فبواسطة إطلاق وميض الضوء الذي لدينا ، نحن نقدم للآخرين فرصة للقيام بنفس الأمر”، نلسون مانديلا.