محمد الناجي يكتب: التعليم العتيق…مغارة أهل الكهف؟

محمد الناجي

imagesلسنا مجبرين على التزام الصمت كلما تعلق الأمر بالقرآن وما والاه. لقد خرجنا من ظلمة الليل ومن الآن فصاعدا قبسنا منير، نقيم الحسابات والتوقعات على الأقل فيما يخص حياتنا الدنيا. زمن السحرة والمشعوذين ولى وانقضى. بالتأكيد يظل السر سماويا، لكن ينبغي تركه حيث هو، ونهتم بشأننا العام. من هذا المنطلق، يجب أن نتمعن بدقة في دور ومكانة الدين في حياتنا. الأمر يتجاوز الكتاب المقدس نفسه ويتعلق بطريقة استخدامنا له، التي يجب أن نعيد فيها النظر. القداسة تكمن في الكتاب نفسه وليس في الأيدي الملوحة به حقا وباطلا. القرآن لا يمنح كل الحقوق لهؤلاء الأشخاص فقط لأنهم يحفظونه عن ظهر قلب ويرددونه، وإلا لكان تقتيل الإرهابي الأبرياء وهو يرتله فعلا مشروعا، ويدخل في هذا الإطار كل من يتعسف في استعماله.
يعتبر هذا السؤال مركزيا في الفترة الحالية المضطربة التي نعايشها، بل إنه تساؤل ملح. مجتمعنا يشهد تحولا ملحوظا لكي لا نقول قطيعة، والدين يفسح المجال لبعض المواقف المتطرفة. هناك الآن فئتان اثنتان: فئة تستنكر الدين وتنتقده دون أن تتوفر لها الحجج الضرورية والكافية لهذا النقد، وفئة أخرى تتبناه بطريقة عمياء باعتباره شفاء سرمديا. قطاع التعليم هو من بين المجالات التي يتواجه فيها ما هو حداثي بما هو تقليدي، وبالتالي هو الفضاء الأمثل لتجاوز التناقضات، وبناء الجسور بين الماضي والحاضر، تفاديا لتصادم الثقافات التي نحملها في داخلنا وتحيط بنا في تكويننا وحياتنا. التعليم هو الذي يكون الأجيال الصاعدة، يمكنه أن يجعل منهم مواطنين متنورين أو متعصبين.
يبدو أن التعليم لا يستطيع أن يؤدي هذا الدور المنوط به، ليس فقط لتبنيه بعض المناهج التعليمية ولكن أيضا لغياب مسالك تربوية تنوّر عقول الشباب، تعوّدهم على النقد الدقيق ومساءلة التراث الثقافي. قطاع التعليم يشكو من آفة عدم الانسجام، لازال يحتفظ بمناهج ومضامين لا تتلاءم مع الإشكالات التربوية الحديثة، مما قد ينعكس سلبا على مستقبل البلاد، وما أقصده بالضبط التعليم العتيق التقليدي.
هذا النمط من التعليم ينطلق من المدرسة القرآنية، ويعتبر تعليما منغلقا على نفسه، وصيغة جامدة مسكوكة منذ قرون، لكونه لا يتغذى إلا مما هو ديني، وإن أقحمت فيه بعض المواد الحديثة يعطي نفس المفعول. الإحصائيات التي تنشرها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، لا يمكن تجاهلها. فخلال السنة الدراسية 2016-2015، هناك حوالي 12241 كتاتيب قرآنية، حيث “يتمدرس” 317784 تلميذ. المدارس العتيقة تستقبل من جانبها 27852 تلميذ وطالب من الجنسين. مع الإشارة إلى أن 83% من الكتاتيب القرآنية يوجد في القرى، و92.5% تتبع للمساجد.
دون الدخول في مزيد من تفاصيل هذه الإحصائيات وفي الفوارق الشاسعة الموجودة حاليا بين التعليمين العتيق والعصري، لابد من الإشارة إلى عناصر أساسية: هناك تركيز كبير لهذا النوع من التعليم في العالم القروي مما يبرز طبيعته ودلالاته. فهذا المعطى يولد الانطباع أن الدولة تتعامل مع هذا القطاع بالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع الفلاحين الصغار الذين يملكون قطعا أرضية صغيرة أو لا أرض لهم، و تتركهم لمصيرهم. فطبيعة الساكنة المعنية بهذا التعليم، وتشتتها الجغرافي، وضعف الوسائل وانحسار الأفق، يجعل الأطفال في غياب آفاق أخرى أكثر مردودية، يتجهون نحو التعليم التقليدي، الذي لا يتقاطع مع نمط حياتهم ومعتقداتهم. الأمر لا يتعلق إذن باختيار ناجم عن سياسة مفكر فيها للحفاظ على موروث معين، بل بعجز عن تعميم التعليم العمومي العصري على جلّ الساكنة.
هذا الواقع يصيب بالدهشة ولا ينبئ بالخير. الساكنة المتمدرسة على النظام لم تختره، بل وجدت نفسها وقد ألقيت فيه رغما عنها في سبيل ليست فيه آفاق كبيرة في عالم الشغل. هذا المسار يكرّس أيضا إقصاء المنخرطين فيه من دوائر الحياة العصرية التي يعيش فيها نظراؤهم المسجلون في التعليم العصري. هذا النوع من التهميش يجعل هذا التعليم نوعا من “الغيتو”، يبتلع تلاميذ لم يعبروا يوما عن الرغبة في الانخراط فيه.
نحن أبعد ما يكون عن الصورة النمطية التي تقول إن هذا النوع من التعليم يحافظ على القواعد التقليدية للسلطة وأساسها الديني. يتعلّق الأمر أكثر بعجز الدولة عن تعميم التعليم العصري، وربما أيضا بتخليها عن هؤلاء الأطفال الفقراء وتركهم بين أيدي مكونين يحتفظون بطرق تعود إلى القرون الوسطى، تعتمد على الذاكرة والغياب التام للفكر النقدي. يجب التذكير هنا بأن المدارس القرآنية تنتمي في غالبيتها إلى نفس بناية المسجد، ما يعكس ربط مستقبل التلاميذ بما هو ديني طيلة حياتهم.
المدرسة القرآنية والتعليم العالي الذي يليها، كان في السابق منسجما مع المجتمع، بحيث يعكس نموذج التربية السائدة. ومع ظهور المدرسة العصرية، واصلت المدرسة القرآنية تكوين تلاميذ يمكنهم الولوج إلى النظام الجديد، باعتبارهم غير أميين ويحفظون على الأقل جزءا من النص المقدس. في هذا السياق، ساهمت المدرسة القرآنية في تكوين الأطر العصرية الذين لا يمثلون قطيعة مع الموروث الثقافي الذي يحمله تكوينهم العقلاني.
اليوم، أصبح التعليم التقليدي يمثل نوعا من الأنظمة المدرسية التي تضم أبناء الفئة الأضعف اجتماعيا. حيث يتم إقصاؤهم ماديا ومجاليا من المدرسة العصرية، وكذلك ايديولوجيا. هذا الوضع يخلّف لديهم طعم المرارة، قد يحولها امتلاك المعرفة الدينية الأكثر شرعية في الساحة، إلى رغبة في إعادة النظام للمجتمع الآخذ في الانحلال بالنظر إلى المناهج التي تقدم لتلاميذ المدرسة العمومية. نظام التعليم التقليدي، أصبح بذلك أرضا خصبة لاستنبات السلفية الخالصة، والتي هي ردة فعل على العزلة المفروضة عليهم. الأعداد التي تقدّر بعشرات الآلاف في مرحلة ما بعد الكتاتيب القرآنية، تكفي لوحدها لتوليد سلفيين متطرفين بأعداد كبيرة. فهؤلاء يظهرون في مثل هذه الأنظمة الرجعية، معتقدين أنهم المالكون الشرعيون للمعرفة الحقة الموصلة إلى الله، وهم أيضا مكونون بشكل يؤهلهم ليكونوا شهداء العقيدة. السلطة في المغرب وجّهتهم نحو هذه الوجهة دون أن تكون واعية بذلك.

بدون تعليقات

اترك رد