الحرابة السياسية

خالد أوباعمر
الحرابة – وتسمى أيضا قطع الطريق – وفق التعريفات التي أعطيت لها في الفقه الإسلامي، هي خروج طائفة مسلحة في دار الإسلام، لإحداث الفوضى، وسفك الدماء، وسلب الأموال، وهتك الأعراض، وإهلاك الحرث والنسل، متحدية بذلك الذين والأخلاق والنظام العام.
ويدخل في مفهوم الحرابة العصابات المختلفة، كعصابة القتل، وعصابة خطف الأطفال، وعصابة اللصوص للسطو على البيوت، والبنوك، وعصابة خطف النساء واغتصابهن، وعصابة اغتيال الحكام ابتغاء الفتنة واضطراب الأمن، وعصابات إتلاف الزرع وقتل المواشي وإحراق الغابات.
أما في كتب التاريخ فهناك الكثير من المؤلفات التي تناولت ممارسات قطع الطريق، وكيف كانت تتم عمليات اعتراض القوافل وسلبها؟ وكيف كان الأفراد يستعينون بخدمات “الزطاطة” الذين كانوا يؤمنون الأفراد والجماعات من محترفي قطع الطرقات بمقابل مادي بالنظر إلى قوتهم البدنية وقدرتهم وخبرتهم على مواجهة هؤلاء الأشرار؟
رغم أن التحديد الديني و التأصيل التاريخي لمفهوم الحرابة أو قطع الطريق يحيلان معا على أن أعمال الحرابة كانت عدوانية وكان ينتج عنها سلب حقوق الغير بطرق غير مشروعة، فإنه من باب الإسقاط، يمكن لنا إخراج هذا المفهوم من السياقين الديني والتاريخي إلى السياق السياسي للحديث عن مفهوم الحرابة السياسية، وذلك باستحضار محطات سياسية معينة لها معناها في هذا السياق.
في سنة 2002 عاش المغاربة لحظة حرابة سياسية مؤلمة تجسدت في خروج الحكم عن المنهجية الديمقراطية لإبعاد الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي من رئاسة الحكومة في الوقت الذي كان يتطلع فيه الديمقراطين المغاربة إلى تكريس عرف التناوب.
تعيين التقنقراطي إدريس جطو وزيرا أولا عوض تجديد الثقة في الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي كوزير أول لولاية ثانية يمكن وصفه بالحرابة السياسية الناعمة، لا سيما، وأن الحزب الذي ينتمي إليه اليوسفي استطاع أن يتصدر نتائج الانتخابات خلال تلك السنة.
فالحكم إبان هذه المرحلة مارس الحرابة السياسية بأداة دستورية هي الفصل 24 من دستور 13 شتنبر 1996 الممنوح والذي كان لا يشترط تعيين الوزير الأول من الحزب الفائز في الانتخابات كما هو الشأن اليوم في ظل الوثيقة الدستورية الحالية. إذ أن الملك كان حرا في اختيار من يريده أن يكون وزيرا أولا سواء تعلق الأمر بشخصية سياسية أو بشخصية تقنقراطية لا انتماء سياسي لها.
المحطة الثانية التي تم اللجوء فيها إلى أعمال الحرابة السياسية دون استعمال الأدوات العنفية، هي الانتخابات التي أجريت في سنة 2009. فخلال هذه المحطة الانتخابية اكتسح حزب الأصالة والمعاصرة، الذي أسسه صديق الملك فؤاد عالي الهمة، نتائج الانتخابات بطريقة أخافت الطبقة السياسية المغربية وجعلتها متخوفة من مستقبل العملية السياسية برمتها في البلاد.
لقد كان أعيان المخزن ورجال السلطة أهم الأدوات التي استعملت في فعل الحرابة السياسية هذا بهدف قطع الطريق على إسلاميي العدالة والتنمية لمنع تفوقهم الانتخابي وللحيلولة دون ترأسهم لعمادات عدد من المدن الكبرى مثل وجدة والرباط والدار البيضاء وطنجة.
المحطة الثالثة هي استحقاقات انتخابات رؤساء الجهات على ضوء ما أسفرت عنه نتائج انتخابات 4 شتنبر 2015 حيث كان للمغاربة موعدا آخرا مع الحرابة السياسية التي تجسدت هذه المرة بشكل فظيع في كيفية فوز بعض الشخصيات الحزبية النافذة برئاسة بعض الجهات مثل جهة الدار البيضاء سطات التي كانت من نصيب مصطفى بكوري الذي مني بخسارة فادحة في مدينة المحمدية مسقط رأسه رغم دعم الأعيان الكبير له وجهة طنجة الحسيمة التي كانت من نصيب الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة الياس العماري الذي ترشح بدون منافس في أحد دواوير جماعة الكود بالحسيمة.
أداة الحرابة السياسية التي مورست لتمكين الرجلين من رئاسة أهم جهات المملكة هي التحالفات الهجينة التي لا تحترم إرادة الناخبين ولا تحترم منطق الأغلبية والمعارضة دون الحديث عن ممارسات أخرى يندى لها الجبين.
لقاء المغاربة مع أعمال الحرابة السياسية سيتجدد مباشرة بعد إعلان نتائج انتخابات 7 أكتوبر التي بوأت العدالة والتنمية الصدارة والفاعل هذه المرة أحزاب سياسية صنعت في دهاليز الإدارة عبر مراحل مختلفة للحيلولة دون تشكيل الأغلبية الحكومية من طرف عبد الإله بنكيران الذي عينه الملك محمد السادس رئيسا للحكومة في احترام تام لمقتضيات الفصل 47 من دستور فاتح يوليوز.
للأسف الشديد، أعمال الحرابة السياسية التي تمارس اليوم عبر أدوات سياسية فاسدة ولا مصداقية لها أصبحت مقلقة ومحفوفة بالكثير من المخاطر لأن الطبيعة تخشى الفراغ، والخوف كل الخوف أن تتحول هذه الممارسات غير المسؤولة، من طابعها السياسي الناعم، إلى طابعها السياسي العنيف، لاسيما، وأن خطاب الفاعل الحزبي بدأ يخرج عن السيطرة، في ظل احتقان اجتماعي بعدة مناطق لا يستحمل هذا النوع من الممارسات التحكمية.
المغرب، لا يحتاج إلى الحرابة السياسية، وما يقع اليوم من ممارسات لا تليق بمغرب القرن 21، يشي بأن الحياة السياسية أصبحت بدون طعم وعبثية أكثر من اللزوم. كما يشي بأن الخيار الديمقراطي كثابت دستوري لن يعود له أي معنى في ظل هذه الحرابة.
كفى من العبث !!