حزب العدالة والتنمية يحقق الانتصار..إنّ في ذلك لعبرة لأولي الأبصار!

شريف السليماني

انتهى الاستحقاق الانتخابي الذي شهدته المملكة المغربية يوم الجمعة 7 أكتوبرعلى نتيجة تقدّم حزب العدالة والتنمية وبفارق كبير عن أقرب منافسيه. ورغم تصدّر الحزب نفسه لآخر انتخابات تشريعية سنة 2011، إلا أن الكثيرين كانوا يستبعدون أن يفوز الحزب هذه المرة نظرا لاعتبارات عدة منها:القرارات “اللاشعبية” التي اتخذتها الحكومة التي يرأسها الحزب واللتي وظن البعض أنها ستؤثر بالسلب علي كتلته الناخبة. ومنها كذالك الحملة الإعلامية الشرسة التي تعرض لها الحزب منذ توليه رئاسة الحكومة بل ومنذ تأسيسه، لتزداد شراسة قبيل موعد الانتخابات الأخيرة. ناهيك عن الأساليب الملتوية التي انتهجها بعض خصومه أثناء الحملة الانتخابية كاستخدام السلطة والمال لاستمالة الناخبين. لكن أهم عامل كان يدفع إلى التشكيك في فوز الحزب إضافة إلى ما ذكر، هو تخوف البعض من أن الجهات النافذة في الدولة لن تسمح له بالفوز مرة ثانية أبدا! رغم كل هذا، انتصر الحزب وحاز على المرتبة الأولى في الانتخابات.هذا الفوز الكبير وفي ظل هذه الظروف بالذات وما سبقها من تخوفات وتكهنات لا بد أن فيه دروسا وعبرا سأحاول أن أذكر منها ما يلي:
أولا، رغبة الملك الصادقة في الإصلاح.لقد سبق أن انتقدت في مقالتي ما قبل الأخيرة والتي كان عنوانها:”لماذا التشكيك في نزاهة انتخابات 7 أكتوبر؟” تشكيك الكثيرين المسبق في نزاهة هذا الاستحقاق الانتخابي وقلت إن هناك مؤشرات ودلائل عدة يمكن لكل منصف أن يستنتج من خلالها أن الدولة ستلتزم بوعودها في ما يخص شفافية ونزاهة الانتخابات، تماما كما حدث في آخر استحقاقين انتخابيين سنتي 2011 و2015،وذلك ما حصل بالفعل. لقد التزمت الدولة في شخص وزارة الداخلية الحياد طبقا لمقتضيات الدستورواستجابة لأوامر ملك البلاد الصارمة كما أكد وزير الداخلية. ولم نسمع انحيازا أو تدخلا لصالح هذه الجهة أو تلك إلا في ما ندر. وما وقع من خروقات يبدو أنها معزولة ولا تمثل موقف ولا توجه الوزارة. علما أن هذه الخروقات الطفيفة يمكن أن يلجأ إلى القضاء للبث فيها وكيفما كان الحال فإن هذه الاختلالات لم تؤثر بشكل كبير على النتائج النهائية للانتخابات. وبناء عليه، فلا يجوز بعد اليوم التشكيك في رغبة المؤسسة الملكية الصادقة في الإصلاح. ولا يجوز أيضا بعد اليوم وصف القصر بمحاباة حزب على حساب أحزاب أخرى أو تيار على حساب تيارات أخرى. لقد اتضح بالملموس أن القصر يقف على نفس المسافة من كل الفاعلين السياسيين. فالمرجو من هؤلاء الفاعلين أن لا يحشروا اسم القصر بعد اليوم وهم يتنافسون بينهم. فالملك حكم فوق الجميع وليس خصما لأحد كما هو منصوص عليه في الدستور وقد تأكد بالملموس من خلال هذه الانتخابات.
ثانيا، ارتفاع منسوب الثقة بين القصر وحزب العدالة والتنمية. يصف البعض السيد عبد الإله ابن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية بأنه ملكي أكثر من الملك. إذا لا يكاد الرجل يتوقف في جل خطاباته عن تكرار القول بأن الملك هو الذي يحكم المغرب وبأن المغاربة يريدون ملكهم يسود ويحكم. كما يصرح السيد ابن كيران مرارا بأنه لم يأت لينازع الملك سلطته وإنما جاء ليعمل معه وتحت إمرتهولو طلب منه الملك الرحيل لفعل ذلك ودون تردد. بل لا يكاد الرجل يذكر اسم الملك مجردا ومتى ذكر اسمه في الغالب أتبعه بكلمة (سيدنا). تصرفات السيد ابن كيران هاته التي يعاتبه عليها البعض وإصراره المتكرر على إبداء موقفه الإيجابي من الملك وسلطاته، ليس أمرا اعتباطيا ولا تملقا أو انبطاحا كما قد يفهم البعض! إنه تصرف مدروس ومبرّر على ما يبدو. هذا التصرف نابع من تخوف حزب العدالة والتنمية في شخص أمينه العام من أن يكون لدى الملك ارتياب حول نوايا الحزب وأهدافه. هذا التخوف من طرف السيد ابن كيران له ما يبرره. فحزب العدالة والتننمية يرأس الحكومة. وهو وافد جديد على الساحة السياسة مقارنة بباقي الأحزاب المشاركة في الحكومة. فمن الطبيعي أن تمر علاقة الحزب مع القصر بمرحلة جس النبض. ولا ننسى أيضا أن علاقة الإسلاميين مع أنظمة الحكم بشكل عام ليست على ما يرام، نظرا لسعي الكثير منهم إلى إقامة نظام الخلافة الذي لا ينسجم تماما مع أنظمة الحكم القائمة.خصوصا وأن في المغرب نفسه تيارا إسلاميا آخر (متمثلا في جماعة العدل والإحسان) يسعى إلى ذلك ويؤمن به. ناهيك على أن مستشاري الملك والمحيطين به لا يبدون في أغلبهم من المقربين من حزب العدالة والتنمية. وخصوم الحزب السياسيين والإيديولوجيين يعملون ليلا ونهارا لإيقاد نار الفتنة وإفساد ذات البين بين القصر والحزب. هذا كله يجعل السيد ابن كيران يبالغ في إرسال إشارات الاطمئنان إلى الملك بمناسبة وبدون مناسبة ليكسب الحزب “الإسلامي” ثقة الملك وتزول كل التخوفات والشكوك الممكنة حول رغبة الحزب المبيتتة في إسقاط نظام الحكم. السيد ابن كيران وإن كان يفعل ذلك اقتناعا (لأنني شخصيا لا أشك في صدق الرجل فيما يتعلق بموقفه من الملكية) فإنه يفعل ذلك أيضا لعلمه ويقينه بأن سوء العلاقة مع القصر هو الأمر الوحيد الذي يمكن أن يقف في طريق الحزب نحو تحقيق هدفه المتمثل في سيادة المشهد السياسي في المغرب. أما الأحزاب المنافسة فيبدو أن السيد ابن كيران كان متأكدا أنها لن تصمد أمام حزبه. لذلك كان تركيزه على توطيد العلاقة مع القصر! وإن موقف القصر المحايد خلال هذه الانتخابات وقبوله بفوز حزب العدالة والتنمية بالأغلبية التي تخوله قيادة الحكومة مرة ثانية (بعد المرة الأولى التي قد يراها البعض فلتة)لدليل على أن إشارات ابن كيران تجاه الملك قد أتت أكلها وأن الحزب بالفعل قد كسب ثقة القصر. هذا هو الداهية ابن كيران الذي يحلو للبعض وصفه ب(الشعبوي والحلايقي والمهرج)! طبعا، ليس الكل سيرضى عن هذا التقارب بين الطرفين. وسيعمل الكثيرون على تشويه هذه العلاقة ووصفها بأسوء النعوت. لكننا لا يمكن إلا أن نفرح ونستبشر خيرا بمنسوب الثقة المتزايد بين مؤسسة القصر من جهة وبين الحزب الذي يمثل أكبر عدد من المواطنين. لأن هذا من شأنه أن يؤثربالإيجاب على مستوى ما تقدمه المؤسستان للشعب.
ثالثا، الوعي السياسي لدى المواطن المغربي في تنام مستمر.لا أقصد بهذا أن الذين صوتوا للعدالة والتنمية أكثر وعيا من غيرهم! كلا. فحتى لو فاز حزب آخر وبنفس الطريقة التي فاز بها حزب العدالة والتنمية لقلت نفس الكلام. إن الذي أقصده بتنامي الوعي السياسي لدى المواطن هو أن الكثير من المواطنين أصبحوا يصوتون بناء على قناعاتهم وما عادت تؤثر فيهم الإغراءات المادية ولا الحملات الإعلامية ولا الاتهامات الثابتة منها والمفبركة. أصبح أغلب الناس ولله الحمد يحكّمون ضمائرهم وعقولهم وأصبح الكثيرون يتحركون بدافع حسهم الوطني وليس بدوافع شخصية أو من أجل مصالح ضيقة. نعم، لا يزال منا دون ذلك، والذين خرجوا في المظاهرة “اليتيمة” أفضل دليل. ولكن أغلبية الشعب برهنت فعلا على مستوى عال من الوعي السياسي. فمثلا، وبالرغم من الزيادات التي أقرتها الحكومة التي كان يرأسها حزب العدالة والتنمية في بعض المواد ورغم رفع سن التقاعد والاقتطاعات من الأجور وغيرها من القرارات “اللاشعبية “والتي رأى الكثيرون أنها مست جيوب المواطن، رغم هذا كله منح غالبية الناخبين أصواتهم للحزب الذي يتحمل المسؤولية الكبرى في اتخاذ هذه القررات! مما يعني أن هؤلاء الذين صوتوا للحزب اقتنعوا بمبررات هذه القررات والإجراءات كما أوردتها الحكومة. اقتنعوا فعلا أن إنقاذ صناديق الدولة من الإفلاس أمر لا بد منه وإن كان فيه ضرر على بعضهم. تغليب الصالح العام على المصالح الخاصة هو ما جعل المواطنين يكافئون حزب العدالة والتنمية على هذه القرارات وقد ظن البعض ممن استصغروا وعي الشعب أنهم سيعاقبونه!
رالعا، ما كان لحزب العدالة والتنمية أن يحقق هذا الانتصار لولا تواصله الإعلامي الجيد. الذي تتبّع بعض المنابر الإعلامية (والتي تقدم نفسها على أنها مستقلة) قبل الانتخابات الأخيرة يكاد يجزم بأن أكثر من 90% من الشعب المغربي لا يريدون ابن كيران!لأن معظم الأخبار التي كانت تبثها تلك المنابرعن حكومته وعن حزبه وحتى عن شخصه، كانت في غاية السلبية. ومعظم التعليقات التي كان يتركها زوار تلك المنابر أيضا تبعث على التشاؤم. بل حتى تقييم التعليقات يوحي بأن كل من يزور تلك المواقع ضد ابن كيران! لكن ما أكدته وقائع 7 اكتوبر شيء آخر. وهنا أقول: الحمد لله أن هذه المنابر الإعلامية لم تؤثر بشكل كبير على إرادة الناخبين كما أثرت المنابر الإعلامية على المواطنين في مصر قبيل الإطاحة بالرئيس مرسي، فأخرجتهم إلى الشوارع ثم رمت بهم وبمصر كلها إلى المجهول. إنني لأ أنفي أن هناك منابر إعلامية تشتغل بمهنية وتحرص على تقديم المعلومة الصحيحة. لكن الغالب الأعمّ مع الأسف موجه ولا يخدم الحقيقة أو المعلومة بقدر ما يخدم أجندات وجهات معينة. هناك منابر إعلامية معروفة الولاء لأصحابها، هي بنفسها لا تنكر ذلك ولا تدّعي الحياد . لكن عندما يقدم منبر إعلامي نفسه على أنه يحترم أخلاقيات المهنة ويشتغل بحياد ونزاهة، فعليه أن يلتزم بذلك. الذي جعل حزب العدالة والتنوية في نظري ينتصر في معركته الإعلامية رغم شراستها، هو إعلامه الموازي الخاص. لقد لعب موقع الحزب الإلكتروني وإذاعته وقناته التي تبث عبر الموقع دورا فعالا في نجاح الحزب. وكان الكتاب والصحفيون وحتى الناشطون على صفحات التواصل الاجتماعي التابعون للحزب يعملون بجد ومثابرة لدعم الحزب والرد على خصومه وبشتى الطرق. وهذا ما جعل الحزب يحافظ على صورته الإيجابية عند فئات كبيرة من المواطنين بل ويكسب مزيدا من الثقة رغم أنف الخصوم الإعلاميين. ولولا هذا التواصل الإعلامي الجيد لصدّق الناس روايات الخصوم ولفقدوا ثقتهم في الحزب.
خامسا، فوز حزب العدالة والتنمية يحرج أصحاب خيار مقاطعة الانتخابات.
كنت دائما ولا زلت ضدّ خيار المقاطعة. وقد ذكرت في مقالتي الأخيرة “لهذه الأسباب يجب أن لا نقاطع انتخابابت 7 أكنوبر” الأسباب التي تجعلني مع خيار المشاركة. وهذا الفوز الكبير الذي حققه حزب العدالة والتنمية خلال هذه الانتخابات أهم دليل على أن خيار المشاركة الذي اعتمده إسلاميو الحزب هو الصواب. عكس خيار المقاطعة الذي لا زالت تصر عليه بعض الاطراف كالعدل والإحسان. لقد كان الرافضون لخيار المشاركة في الانتخابات يفترضون سيناريوهات وتوقعات أكد الزمان أنها مجرد أضغاث أحلام. وإن النتائج التي حصل عليه الحزب لأكبر دليل على أنه لم يخسر شيئا بمشاركته في الانتخابات وبقيادته للحكومة بل ربح ربحا كثيرا يتجلى في زيادة شعبيته وكسبه للخبرة والتجربة وبلوغه مواطن التأثير والقوة داخل الدولة وغيرها من المكاسب الظاهرة والباطنة التي لا يمكن أبدا أن تقارن بحال أصحاب خيار المقاطعة الذين لم يبرحوا مكانهم منذ عشرات السنين. وإن الذي لا زال ينكر صواب وأفضلية خيار المشاركة رغم كل ما حققه وسيحققه حزب العدالة والتنمية في نظري، كالذي لا زال ينكر دوران الأرض بدعوى أنه لا يرى ذلك بأم عينيه!