ما بعد 7 أكتوبر

أسامة التلفاني

تعيش الساحة السياسية الوطنية قبيل استحقاقات 7 أكتوبر غليانا غير مسبوق. من منع وزارة الداخلية الجماعات الترابية من تقديم الخدمات التي أوكلها لها القانون لخدمة المواطنين، ومنع أنشطة جمعيات خيرية والتغاضي عن أخرى، وما يروج حول دعم حزب بعينه والضغط على سياسيين للحيلولة دون ترشحهم مع أحزاب أخرى، بالرغم من الصورة السلبية التي تنقلها هذه الممارسات التي تدل على الارتباك وعدم الاطمئنان للديمقراطية التمثيلية لصناديق الاقتراع، فلابد من إبراز معطى إيجابي سيسهم لا محالة في ضمان الانتقال الديمقراطي في بلادنا.

لم يعد خافيا وجود معسكرين سياسيين، الأول يمكن أن نطلق عليه “معسكر الحد الأدنى الديمقراطي” والثاني “معسكر التحكم او جناح النكوص ممثلا في الاصالة والمعاصرة”. وإذا كان جزء واسع من النخبة السياسية يعيب على عبد الإله بنكيران انصياعه لدفعه لتكريس هذه الثنائية داخل المشهد السياسي، وبالتالي قطع شعرة معاوية مع خصمه السياسي الأصالة والمعاصرة، واستعمال قاموس سياسي حاد في بعض الأحيان مما جعل هذا الأخير يسعى بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لمحاصرة العدالة والتنمية وكل من يتحالف معه.

وإذا كان هذا المعطى السياسي الجديد قد ساهم في تقليص هامش المناورة عند حزب العدالة والتنمية وحلفائه، وتلقيه ضربات تحت الحزام كضريبة على رفض التحكم..  فإننا نغفل عن مكسب تاريخي للمغرب ألا وهو تشكيل “كتلة ديمقراطية” بداية التسعينات تعيد إلى الأذهان “الكتلة التاريخية”.

يمكن تقسيم الزمن الدستوري إلى ثلاث مراحل: كتابة النص، قراءة النص، تفعيل النص. وإذا سلمنا أن مرحلتين قد انقضتا فإن المرحلة المفصلية هي التي نعيشها “مرحلة تفعيل النص”، وهو ما اصطلح عليه عبد الله العروي بالتأويل الديمقراطي للدستور. هذه المرحلة يمكن رسمها اليوم على مستقيم، يقع على طرفه الأول جناح التحكم سواء أكان شموليا أو سلطويا مغلقا، حكم فرد أو حكم قلة، ويقع على طرفه الآخر الجناح الذي يشكل الحد الأدنى للديمقراطية والذي سيكون عليه فك العزلة في أفق إقناع قوى أخرى بالانخراط في العمل السياسي بشكل ايجابي و إقناعها بإمكانية التغيير من الداخل.

كيفما كانت نتائج 7 أكتوبر، سواء سمح للمواطن فيها بممارسة الانتخاب أو اكتفى بالتصويت فقط، فإن المغرب قد ربح شوطا آخر في طريقه نحو الديمقراطية، برسم آفاق جديدة للعمل السياسي تتجاوز  فيها السياسة واجهة التدبير الحكومي إلى مزيد من الالتصاق بهموم المجتمع والتعبير عن إشكالياته.