نهاية التاريخ أم موت الحداثة؟

في عام 1992، غداة سقوط جدار برلين، نشر الفيلسوف الأمريكي فرنسيس فوكوياما كتابه نهاية التاريخ الذي يرى فيه أن الصراع الإيديولوجي حسم نهائيا لصالح الديمقراطية الغربية أي بتعبير آخر لصالح منظومة حقوق الإنسان الموروثة عن الثورات الفرنسية والأمريكية في نهاية القرن الثامن عشر.

في هذا المقال الذي يأتي بعد 24 عاما عن صدور هذا الكتاب نبين انه ليس فقط الصراع لم يحسم بعد إنما على عكس ما ذهب إليه فوكوياما جملة نرى أن منظومة حقوق الإنسان تكاد تكون دون مستقبل، سائرة إلى زوال وتهميش في حالة ما إذا انتهى الصراع، بين الغرب المتهاوي والشرق القديم المنتفض، بتفوق هذا الأخير وهذا مما لا شك فيه إذ هو عين ما تريده حتمية دورانية التاريخ وتداولية القوة كما قعد لها ابن خلدون.

وإليكم تعليل فكرة نهاية حقوق الإنسان التي هي في آخر المطاف نهاية للحداثة الغربية و عودة للعصر الوسيط بثوب من التقدم التكنولوجي و الرفاه المادي.

لعل أهم قطيعتين عرفهما تاريخ البشرية ويمكن لنا أن نكون شاهدين عليهما في زماننا الحاضر هما قطيعتا منظومة حقوق الإنسان و الرأسمالية كنظام إنتاج اقتصادي .

و كلاهما مرتبط بما يعرف في الفلسفة بالحداثة التي تتعدى نظام المفهوم الفلسفي لتصبح علامة فارقة يؤرخ بها لتطور الفكر والمجتمع الإنساني. فهي في حد ذاتها قطيعة كبرى إذ من خلالها  أو بفضلها تمكنت البشرية من الخروج من العصور الوسطى والدخول إلى عالم جديد مختلف جذريا عن ما عرفته من قبل.

إذن فمنظومة حقوق الإنسان ونظام الإنتاج الرأسمالي مرتبطان ارتباطا لصيقا بالحداثة لأن هذه الأخيرة تمحورت وركزت كل طاقتها الفلسفية والتجديدية حول الإنسان: الإنسان الفرد في مقابل الطبيعة وما فوق الطبيعة وفي مقابل الآخر.

ما كان يمكن إنتاج منظومة حقوق الإنسان لولا وعيه بأنه مركز الكون.

وما كان يمكن أبدا تطوير الشكل الرأسمالي في تنظيم الإنتاج لو لم يعِ ذات الإنسان أن فعله يمكن أن يغير شيئا ما في قدره ومعيشه وأنه، لما كان مركز الكون وجب أن يكون مركز الغاية من الإنتاج و العمل والكد… فكان الرأسمالي والعامل والمستهلك…

لكن، هناك فرق جوهري بين منظومة حقوق الإنسان والنظام الرأسمالي يجعل ارتباطهما بروح الحداثة الغربية يتجلى بدرجتين مختلفتين.

لنقل بصيغة أوضح أن الرأسمالية يمكن أن توجد خارج نطاق الحداثة وأن تعيش بدونها في حين أن منظومة حقوق الإنسان تكاد تتماهى معها حد التوحد.

لـــمـاذا؟

لأن الرأسمالية نظام إنتاج وليست نظام قيم، لذا يمكن لها أن تتلون بشتى ألوان القيم والإيديولوجيات من ذلك مثلا الرأسمالية الليبرالية ورأسمالية الدولة والرأسمالية الحلال…

و الرأسمالية الحديثة على الأخص بكماء من جهة القيم إذ هي ترتكز أساسا على الآلات والتكنولوجيا والبرامج المعلوماتية التي لا يطلب منها أن تتخذ موقفا حقوقيا.

ولما كانت الرأسمالية مجرد نظام إنتاج كان استيرادها من قبل الدول ذات التاريخ الشرقي غير مكلف من الجهة الحقوقية اللهم إذا استثنيا الحق في الاستهلاك.

فهذه الصين مثلا برعت حد التفوق على الولايات المتحدة في استيعاب قوانين الإنتاج الرأسمالي وتطبيقه على الأرض بما في ذلك مفاهيم كنا نخالها لا تتحقق إلا في مناخ من الحرية الحقوقانية الغربية كمفاهيم الابتكار والتطوير والبحث العلمي أو ارتفاع الإنتاجية في العمل.

لكن هذا النبوغ في هضم نموذج الإنتاج الرأسمالي تم دون أن يجبر الصين على تبني الديمقراطية الغربية أو القبول بتعدد الأحزاب أو الترخيص بحرية الرأي والتظاهر وإنشاء النقابات…

و تركيا مثال آخر حي على أن حاسوب الرأسمالية يمكن أن يشتغل دون الحاجة إلى برنامج حقوق الإنسان في شكله الحداثي الغربي.

ولما كانت دينامية التاريخ الحاضرة تنبؤنا أن الشرق القديم صاعد  لا محالة وأن شمس الغرب في أفول أمكننا أن نخلص إلى أن الرأسمالية هي ما سيتبقى حيا من مجد الحضارة الغربية التليد، إذ ستنتعش أيما انتعاش في المجتمعات الشرقية المتعطشة للاستهلاك وفي هذا العالم الشرقي العملاق الجريح في كبريائه والذي يطمح إلى استعادة قوته وعظمته دون أن يغير جلدته الثقافية والفلسفية.

أما منظومة حقوق الإنسان فإنها ستنهار انهيارا لأن لا وجود لها بدون غرب يدعمها.

والشرق ذو آلاف السنين من التراكم الثقافي والقيمي والأخلاقي لم يعتنق هذه المنظومة حتى في أقصى حالات ضعفه فكيف به وهو الآن ينتفض ويتقوى و ينبت ريشه من جديد؟

فكيف سيكون شكل العالم بقوة القرن 21 ومرجعيات حقوقية ما قبل حداثية؟!

*باحث في التاريخ الاقتصادي بكلية الحسن الثاني بعين الشق الدار البيضاء. حاصل على متريز في التجارة الدولية عن جامعة السربون -باريس الأولى. ودكتوراه  السلك الثالث في الاقتصاد الدولي عن جامعة نانتير – باريس العاشرة.