خالد مونة: استعمال أشباه الباحثين في الحملة ضد “حراك الريف” يسيء للبحث العلمي

في هذا الحوار يتحدث الأنثروبولجي المتخصص في دراسة منطقة الريف، عن المبادرة التي أطلقها رفقة مجموعة من الباحثين المعروفين في العلوم الإنسانية والاجتماعية من أجل استنكار استعمال من أسماهم بأشباه الباحثين الذين يتكلمون في كل شيء، في الحملة ضد حراك الريف وكذلك عن تحول معيار الكفاءة داخل الجامعة من الأبحاث والدراسات إلى الحضور في التلفاز، كما يوضح مونة علاقة الهوية بحراك الريف معتبرا أن الهويات يمكن أن تكون مغلقة ومفتوحة في نفس الوقت، وكسف أن حراك الريف حرك هوية مشترك لدى كل المغاربة .

حاوره: محمد سموني

*بداية خرجت بصفتك كباحث أنثروبولوجي، في بيان وقعه معك مجموعة من الباحثين في علم السياسة والاجتماع والديموغرافيا.. تستنكر التحاليل التي تذهب إلى ربط الحراك بالمؤامرة، هل هذا النوع من التحاليل في رأيك يسيء للبحث والتحليل العلميين ؟

أولا أحيي كل الزملاء الذين ساهموا بشكل مباشر في صياغة هذا الموقف، وأيضا من ساهم في ترجمته إلى اللغة العربية. لم نستطع وضع كل الأسماء التي جاءت نوعا ما متأخرة لأننا كنا قد أرسلنا الوثيقة إلى وسائل الإعلام، اعتذر بهذه المناسبة لهم وأقول لهم أن هناك عريضة اليكترونية تنتظرهم. هذا البيان هو موقف مشرف لكل الباحثين في العلوم الاجتماعية والانسانية بغض النظر إلى اهتمامتهم الميدانية، صياغة هذه الوثيقة جاء لاعطاء موقف الباحثين المغاربة من الحراك باعتباره رد فعل عن أشكال التهيش والاقصاء الذي تعيشه فئات عريضة من المجتمع المغربي وخصوصا مجتمعات الهامش، وكنقط لطبيعة التعامل الرسمي الذي حاول تجريد الحراك من كل أشكال المشروعية باتهامهه بالعمالة للخارج والخيانة و الانفصال وهي تهم راسخة في مذكرة الدولة المركزية وحاولت تعميمها على جل المغاربة، لكن الخطير في الأمر هو استعمال أشباه الباحثين في هذه الحملة ضد سكان الريف، الذين لم يترددوا في استعمال كلمات من قبيل أيادي خارجية و الفتنة و الشيعة، وهو ما يسيئ للفكر والبحث العلمي في بلادنا و يعطي صورة مغلوطة عن كل أشكال البحث التي يقوم بها زملاء في كل الميادين ولا تعطى لهم الكلمة في المنابر الاعلامية لأن خطابهم لا يتمشى مع التوجه الرسمي، لذلك عملنا على وضع هذا الميثاق الأخلاقي للبحث العلمي والأكاديمي.

*في الفترة الأخيرة، أصبح داخل الفضاء العام مجموعة كبيرة من المحللين يتكلمون في كل شيء وأصبحوا بمثابة آلية لتبرير قرارات السلطة أو التصدي للمخالقين لها كيف يمكن للجامعة المغربية خصوصا أن تلعب دورا على الأقل في وضع كوابح أخلاقية لهؤلاء ؟

هناك نوع من المزايدات للأسف لدى مجموعة من الزملاء الذين يتحدثون في كل شيئ و ينتقلون من موضوع الى آخر بدون صابق معرفة، حيث أصبح الحضور في التلفاز هو معيار الكفاءة . فقد أصبح بعض علماء الاجتماع كمثال بمثابة فقهاء الموعضة على شاكلت ما نراه في مجموعة من القنوات المشرقية. حراك الريف حجب عنهم الجمهور وهو ما شكل حافزا لدى بعضهم للاستثمار في موضوع الحراك من أجل البقاء في الأضواء، هناك حسنات في الولوج إلى عالم الإعلام لكن من سيئاته أنه ينتهي بك في المطاف بإنتاج فكر سطحي يتناسب مع الحس المشترك. الجامعة هي منبر للفكر و الابداع، و بناء مجتمع قادر على النقد والتفكير الحر، هناك غياب هذا الوعي سواء لدى الطالب أو الأستاذ، نحن في حاجة إلى عودة هذا الفكر الذي تم تغييبه عن الجامعة المغربية.

*بخصوص حراك الريف، وكقراءة أولية هل هذا الحراك الذي يمتاز بخصوصية توفره على هوية «مغلقة» مشتركة (ريفية) والتي كانت عاملا أساسيا في عملية التعبئة، لكن ألا تعتقد أن هذه الهوية تعجل من الحراك يفتقد لمصداقية الحركة الاحتجاجية المجتمعية لتأخذ الطابع المحلي أكثر؟

كل الهويات يمكن أن تكون مغلقة ومفتوحة في نفس الآن، ليس هناك هوية مغلقة تماما، حراك الريف حرك هوية مشترك لدى كل المغاربة وهي ليست هوية حكرا على سكان الريف، حراك الريف استعمل حرب الريف أو جمهورية الريف وهي كذلك ذاكرة لكل المغاربة لأنها تذكررنا بأشكال المقاومة التي قامت بها هوامش المغرب في الريف أو في الأطلس أو في الصحراء ضد المستعمر في الوقت الذي كان فيه المركز يهادن المستعمر.
الحراك حراك ذاكرته الجماعية تعود لسنوات 58-59 و 1984 ، لكن هذه التواريخ هي جزء من ذاكرة المغاربة ولاتخص الريف وحده، هي سنوات القمع والسجن التي لم تسلم منها أية منطقة في المغرب، الريف بذاكرته الجماعية يشكل الجزء الأكبر في أشكال القمع التي عرفها المغرب، و من خلاله يمكن فهم طبيعة السلطة في المغرب، هنا تكمن أهمية العلوم الاجتماعية و الانسانية خصوصا في السنوات الدراسية الأولى (الاعدادي و الثانوي) في تدريس تاريخ المغرب السياسي المعاصر، خطورة المعرفة الاجتماعية والانسانية تتجلى في قدرتها على إنتاج فكر نقدي و مبدع، لاتعطى أية اهمية لهذه المعرفة في البرامج التعليمية لأهميتها، فجهل المغاربة بتاريخهم السياسي المعاصر، سهل في البداية الأمر، اختزال الحراك في هوية محلية شوفينية و اقصائية، وتم تقسيم المغاربة انطلاقا من هذا الخطاب، هذا يبن عن الارتباك الحاصل لدى متخذي القرار، لدرجة أنهم حوّلوا الصراع إلى مع أو ضد الملك، وحول العلم الوطني، بينما المطالب بعيدة كل البعد عن رمزية الملك و العلم المغربي.