مصباح: تأميم الدولة للخطاب الديني دفع العديد للبحث عن بدائل قد تكون متطرفة

في هذا الحوار يتحدث محمد مصباح الباحث بمعهد شاتام هاوس والمتخصص في الحركات الإسلامية، عن الرسائل التي وجهها وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في درسه الحسني الأخير أمام الملك من خلال اعتباره أن نوع من الممارسات الدينية التس توجد في المغرب تعتبر خطرا على الهوية الوطنية وكذاك عن الدور التي تقوم به الوزارة بخلط الدين بالسياسة لتبرير مواقف السلطة وما إن كان ذلك يساهم في ابتعاد الناس عن التدين الرسمي واستيراد نمط تديني مخالف؟

حاوره: محمد سموني
*خلق الدرس الحسني الذي ألقاه أحمد التوفيق الكثير من الجدل بخصوص اعتباره بعض الممارسات الدينية (كالقبض في الصلاة وتبديع الصلاة الجماعية وغيرها.. تشكل خطرا سياسيا على الهوية المغربية ما هو رأيك في توجه الوزير التوفيق من خلال رأيه هذا؟

يظهر هذا الدرس كأنه محاولة لترسيم حدود التدين الرسمي كما تريده الدولة، وهو نموذج للتدين يمزج بين التدين الشعبي الغارق في عبادة الأضرحة والخرافات، وبين نموذج التدين المخزني الذي يوظف الدين لتبرير السلطوية. وهو يأتي كرد فعل على التحولات التي يعيشها المجال الديني في المغرب. فرغم محاولات تأميمه منذ 2004، إلا أن الديناميات الداخلية للمجال الديني بالمغرب تسير في اتجاه التنوع والتعدد ليس فقط بين الأديان ولكن داخل المذهب السني نفسه.

*هل بذلك يوجه التوفيق رسالة لفرض تدين معين (التصوف المغربي) ومحاربة باقي المذاهب داخل المغرب؟

ليست رسالة ولكن سياسة للدولة في المجال الديني. وهذا ليس أمرا جديدا، فمنذ سنوات صاغت الدولة إيديولوجيتها الدينية المعروفة في ثلاثية: المذهب المالكي، العقيدة الأشعرية، والتصوف المغربي بهدف ضبط والتحكم في المجال الديني ومحاربة ما تسميه الدولة التيارات الدينية الدخيلة. وخلال الفترة السابقة، كانت التحدي الرئيسي بالنسبة لوزارة الأوقاف هو التشيع وإلى حد ما التنصير، أما بعد الدرس الأخير فيبدو أن الأمر يتعلق بمحاصرة التيار السلفي التقليدي وباقي التيارات الاسلامية الأخرى التي تعايشت الدولة معها خلال الفترة السابقة وغضت الطرف عن بعض أنشطتها، ولكن يبدو أن ايديولوجية الوزير تلعب اليوم دورا أنشط في تفضيل مكون التصوف الشعبي وتقزيم سياسة الدولة الدينية التي باتت تضيق ذرعا بالتنوع الديني والمذهبي رغم إعلان مراكش السنة الماضية الذي دعا إلى القبول بالتنوع الديني والثقافي.

*من بين الأحداث التي برزت كذلك، مؤخرا، مقاطعة ناصر الزفزافي لخطبة أعدتها الوزارة حول الفتنة بمدينة الحسيمة، هل في رأيك أن خلط الدين بالسياسة في مثل هذه المواقف سيزيد من ابتعاد الناس عن الدين الرسمي وايجاد بديل تديني ربما يكون احتجاجي؟

قبل احتجاج الزفزافي ظهرت أشكال من الاحتجاج السلبي في مواقع التواصل الإجتماعي تنتقد توظيف الدولة للدين في خطب الجمعة. كما بدأت تظهر احتجاجات أمام المساجد على توقيف أئمة مستقلين. وهذا يمثل بداية تشكل نمط جديد من الاحتجاج على سياسات الدولة في المجال الديني. يرجع هذا الأمر إلى أزمة المصداقية التي يعاني منها الخطاب الديني الرسمي. هناك دراسات عديدة تؤكد ضعف ثقة المغاربة في المؤسسات الدينية الرسمية وهناك أيضا مؤشرات مثل إقبال المغاربة على الفتاوى في الخارج بسبب عدم ثقتهم في المؤسسات الدينية الرسمية. الخلاصة أن تأميم الدولة للخطاب الديني وجعله صدى لسياسة الدولة بدل أن يكون مرتكزا على تنمية الروحانيات وضمير للمجتمع دفع العديد من المغاربة إلى البحث عن بدائل للتدين، قد تكون أحيانا متطرفة.