جنس وأكاذيب .. ليلى والأخريات .. في “حديقة الغول”..؟!

عبد الله طلال

ظلت ليلى وأغنيتها يتحرشن بي .. ضمن أخريات .. ألقي عليهن التحية كلما عدت إلى مرقدي المتواضع مساءا.. أكتفي بإحداهن لمضاجعتي .. بكل أناقة وحب.. تاركا الأخريات ينتظرن دورهن.. مصفوفات بعناية، في مكتبة “بلانكية”، لا تؤمن بالتخصص، عاشقة للتعدد والحرية..
ذات ليلة هادئة، انبطحت لإغواءات ليلى وأغنيتها ..
“تورطت” فعلا في سحر عوالم جميلة .. لا تمل ولا تكل من محاولات فك شفراتها وسبر أغوارها..
رباه.. أي أسلوب هذا..؟!
أي متخيل هذا ..؟! talal
سأبحث عنك أيها “الليلى” في كل مكان ..
هي ليلى سليماني صاحبة رواية “أغنية هادئة”، الحائزة على جائزة “غونكور” للعام 2016، والتي تسللت “خلسة” إلى مقتنياتي ذات دورة للمعرض الدولي للكتاب .. رغم أن لائحتي كانت طويلة جدا، مقابل ميزانيتي الضعيفة أصلا ..؟!
انتصر منطق عشق القراءة في النهاية، على منطق “الموازنات المالية”.. الخادع والكاذب..
في رحلة البحث عن “ليلى” بعد “ليلة الاستمتاع الكبرى” رفقة أغنيتها.. سأكتشف أنها ولجت “حديقة الغول” قبل ذلك .. لتتوج بجائزة “المامونية للأدب الفرونكوفوني”..
أعلى سلطة بالبلاد ستنتبه لبداية شهرة هاته الشابة الفاسية ..المخضرمة.. ذات السبع والثلاثين ربيعا والتي اقتحمت جمهورية الديمقراطية وأثبتت كفاءتها وقدرتها على إبهار رئيس الجمهورية نفسه “إمانويل ماكرون” .. عاشق القراءة والكتابة..
كان الملك محمد السادس أول المهنئين لها عند حصولها على أول تتويج عام 2016، ليعاود الكرة بتهنئة ثانية بعد حصول ليلى على” وسام الكفاءة الفكرية” من فرنسا.
ليلى سافرت إلى بلاد الأنوار لتصبح طبيبة متخصصة في العلاج النفسي .. وتحقيق الحلم الطفولي .. فإذا برياح الأدب تختطفها وتحتضنها بقوة.. لتحلق بها إلى الأعالي .. ثلاث سنوات من الغوص في الكتابة، كانت كافية ليختارها الرئيس الفرنسي ممثلة شخصية له للفرنكفونية .. بل إنها كادت تحمل حقيبة وزارة الثقافة في حكومته.
في مؤلفها الثالث “جنس وأكاذيب”.. ستزداد جرعة الجرأة الأدبية .. وينفتح صنبور البوح على مصراعيه.. لتتدفق أحاديث ممزوجة بالوقائع وتوابل الخيال ومذاق التجربة الشخصية..
ما أروعك يا ليلى.. و هنيئا للوطن بك وبأمثالك.
في العام الموالي سأعاود نفس “الخطيئة السنوية”.. الجميلة.. وأنا ألج إحدى قاعات المعرض الدولي للكتاب “دورة هذا العام”.. سأصادف ثلاثة نساء مغربيات يتحدثن في ندوة حول: “المرأة المغربية وتحدي العيش في مجتمع تعددي”، ويروين تجربتهن في بلاد المهجر.. نادية يقين تحكى عن تجربتها في المجتمع الألماني، الفنانة التشكيلية أمل اليحياوي تدلي بشهادتها عن حضور المرأة المغربية المتميز في مجتمع قطر المتعدد الجنسيات.. فيما استرسلت مونية علالي في الحديث عن موضوع اندماج المرأة المغربية في المجتمع الإيطالي.. ما أروع ذلك المساء الذي يطلعك على تجارب مغربيات محصنات ولجن “حديقة الغول” بكل شجاعة.. ويسرن بخطى ثابتة كل في مجالها، لتحقيق الحلم والذات..
إنها لمفخرة ما بعدها مفخرة.. !!
شكرا لكن أيتها المناضلات من “طراز خاص”.. !!
أخيرا وجدت “أحدا ما في النافذة” .. معذرة للأخ والصديق الشاعر عزيز أزغاي عن تحريف عنوان ديوانه الشعري الرائع.. للضرورة الشعرية..
لم أكتف ب”المتلصصات” من النافذة .. بل قادتني رغبة جامحة إلى معرفة هويات كل سكان الدار.. “دار المهجر” .. حيت “حديقة الغول”..
عند أول نظرة على من بالداخل، تلتقط عيناك جيشا من المغربيات / الملائكة.. لا وقت لديهن، كل واحدة منزوية في ركن.. تشق طريقها في صمت، تناضل، تكافح، متشبثة بالأمل لتحقيق حلم النجاح .. كل في مجالها ..
“برافو” يا نساء لسن ككل النساء.. !!
الدار آهلة ولا تسعفني الذاكرة في سرد كل الأسماء.. فالمعذرة لمن لم نأت على ذكر اسمها..
على رأس القائمة، نجد ابنة قرية “بني شيكر” بالريف العزيز.. نجاة بلقاسم، التي أصبحت عام 2014 أول امرأة وزيرة للتربية الوطنية في فرنسا في عهد الرئيس فرنسوا هولاند، بعد تقلد عديد مسؤوليات وتجربة سياسية ناجحة رغم “المثبطات”.. في “حديقة الغول”..؟!
تليها رشيدة ذاتي.. التي “لن تموت أبدا”.. كما كان يرغب بعض كبار رواد “الحديقة”.. لتصبح أول امرأة من أصل عربي وزيرة في حكومة فرنسية.. حيث تقلدت رشيدة “البيضاوية” حقيبة وزارة العدل على عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي..
في زاوية أخرى من الدار، تطل عليك بطبعها الهادئ وابتسامتها الدائمة، ابنة مدينة الرباط، مريم الخمري، التي أصبحت في ربيعها السابع والثلاثين أصغر وزيرة في الحكومة الفرنسية، على عهد فرنسوا هولاند، بعد تقلد مسؤولية كاتبة للدولة مكلفة بسياسة المدينة، آتية إليها من على رأس عمودية باريس..
الدار تعج بالفراشات اللواتي حلقن في علياء سماء “حديقة الغول”.. بكل صبر وثبات.. بعيدا عن كل..”جنس وأكاذيب”..؟!
الكوميدية رشيدة خليل ابنة الريف.. التي أصبحت عروضها الساخرة، حدثا لا يفوته رجال السياسة، بل حتى بعض رؤساء فرنسا، من بينهم فرنسوا ميتران وجاك شيراك.. رغم اتخاذها من “تيمة العنصرية” موضوعا رئيسيا في معركتها الفنية.. !!
في أحد زوايا البيت بعيدا.. يطل عليك بتميزه، القلم الحر المكافح.. الذي جاب قاعات التحرير بالجرائد المغربية، قبل أن يقرر خوض غمار تجربة الهجرة.. ليثبت ذاته وكفاءته، بعد تجربة شاقة ومريرة.. بإصرار وعناد نادرين .. إنها ابنة مدينة وزان، الصحفية فدوى مساط .. انزوت في أحد أشرس أركان” حديقة الغول”..أمريكا.. وظلت متشبثة بأمل تحقيق الحلم ذات يوم .. لتلج بجدارة قاعة تحرير “راديو سوا” وتصبح بعد عشر سنوات من التجربة، إحدى رائدات قاعة تحرير دولية..
فدوى تقود اليوم إلى جانب مسؤولياتها الأسرية، مشروعا إعلاميا رائدا وواعدا … “أصوات مغاربية” .. كل التوفيق.
بعد مغادرة الدار قصد السباحة في مواضيع وعوالم أخرى.. علقت كثير أسماء بذاكرتي.. صورية موقيت ابنة مدينة القنيطرة الحاصلة على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة ترير “غرب ألمانيا” والتي تقديرا لجهودها في العمل التطوعي الجمعوي تم توشيحها السنة الماضية من طرف الرئيس الألماني السابق “يواخيم غاوك” بوسام الاستحقاق للجمهورية الألمانية” ضمن 24 سيدة ألمانية.. وعينت ما بين 2011 و 2014 رئيسة لإستراتيجية التنمية والتعاون الدولي بين المغرب وألمانيا .. وتعمل في صمت كبير في حقول عدة خاصة العمل الإنساني والاجتماعي وثقافة الحوار والاندماج ومحاربة العنصرية…
وليكن ختامه مسك مع صاحبة مؤلف “مسلمة وكفى” الطبيبة والباحثة في قضايا الإسلام، الكاتبة المغربية أسماء المرابط، التي اشتغلت لسنوات كطبيبة متطوعة في مستشفيات عمومية باسبانيا وأمريكا اللاتينية، قبل أن ترسو سفينتها على رئاسة المجموعة الدولية للدراسات والتفكير في النساء “مقرها ببرشلونة”.
أليس من باب الفخر والاعتزاز والاعتراف .. تكريم هؤلاء النسوة في شخص إحداهن أو أكثر .. ونحن على أبواب ثامن مارس.. !؟
مبادرة قد تعيد لنا بعض الأمل .. وتعفينا من جلسات تعذيب نفسي تتوزع بين:
الاستماع المقرف والمقزز.. لقصص بعض “المنتسبات” لهذا الوطن الحبيب .. و”مغامراتهن” في ديار الغربة.. التي تنتهي برحلة إلى أحد مطارات البلد .. إما محملات بحقائب الذل والعار وعرق “شيء آخر” غير الجبين .. أو مطرودات من بلد الاستضافة مرحلات .. نحو “براكتهن” .. بتهم يندى لها الجبين.. !؟
أو بين تتبع سير “بائسة” لبعض “صغيرات” فضلن الارتباط بأجهزة “لاسلكية”.. وقبلن لعبة توظيفهن عند الحاجة من لدن”جهات مجهولة” .. بمقابل أو دونه.. إطاحة برؤوس كبيرة..؟!
وهن في نهاية المطاف يلعبن دور “الكومبارس”.. في ترجمة رديئة لمسرحية “لورا بريول”.. مجهولة الهوية ..؟!
وتلكم قضية أخرى.