الخيل والليل والبيضاء..

سليمان الريسوني
يحكى أن الصحافي الشاعر، الراحل، سعيد الصديقي دخل ذات صباح إلى محل للعب الرهان «التيرسي» اعتاد ارتياده بالدار البيضاء، وألقى تحيته الصباحية على الرواد «المتصدعين» من وقع سنابك الخيل التي تجري في دمائهم: «صباح الخير»، وعندما لم يجبه أحد، أعاد إلقاء التحية بهدوئه المعهود: «صباح الخيل»، ثم تسلل عائدا إلى حانته التي كان يسميها «ابنُنا البار»، يائسا من العثور على نديم يحدثه وسط هؤلاء الرهبان الخاشعين.
عندما بدأت أكتشف الدار البيضاء، بألوانها وروائحها وعاداتها.. لم أكن أفهم سر تلك المقاهي التي يحرص فيها مجموعة من الأشخاص على تكسير ضجيج المدينة العام، حين يقفون كطابور مقاتلين ينتظر نفير حرب قريبة.. شيئا فشيئا، بدأت أعرف أنهم رهبان «التيرسي» في خشوعهم الذي أصبح مضرب مثل حتى بين المصلين في المساجد، فهم لا يصهلون إلا بعد انتهاء «الكورس»، محركين أذيال الخيبة، وغيرما قليل من روث الكلام.. فمن عاشر خيلا نال منهم.
رغم كل السحر الذي يمارسه علي فرسان «التيرسي»، الذين أصطدم بهم صباح مساء وأنا في طريقي إلى الجريدة والبيت والمقهى.. فإنني أتهيب اقتحام عالمهم، كاظما ما بي من توق إلى سبر أمزجتهم المتقدة بالهزائم، وكيف هي علاقاتهم بزوجاتهم.. وأي تركيز يتطلبه منهم ملء أوراق اللعب الدقيقة، وكيف يختارون الخيول التي يراهنون عليها في هذا «العود الأبدي»، وما حقيقة ما بلغني من أن بينهم فقهاء يسوغون لهم أرباح التيرسي، دون غيره من أنواع القمار.. بل يحلون لهم الذهاب إلى بيت الله الحرام بأرباحه، لأن «الخيل تعرق في تلك الأموال»..
ولطالما تأسفت على عدم حضور هؤلاء الفرسان في اهتمامات الدولة والأحزاب وجمعيات المجتمع المدني.. وقبل ذلك الكتاب، وخصوصا الشعراء الذين ما فتئوا يزحفون، الواحد تلو الآخر، نحو الرواية، بعدما أحرقت الشمس باكوراتهم الشعرية في الأكشاك.. لماذا لم يكتبوا لنا رواية بقيمة «المقامر» لدوستويفسكي، يرصدون فيها نفسية هذه «الأغلبية الصامتة»؟ وليكونوا متأكدين من أنهم سيضمنون قراء كثيرين، على الأقل، أكثر من قراء دواوينهم ذات العناوين والتراكيب المثيرة للضحك. والحقيقة أنني فكرت في أن أخوض هذه المغامرة، لولا خوفي من مصير دوستويفسكي الذي اضطر إلى كتابة «المقامر» في ثلاثة أسابيع، تحت ضغط وتهديد الناشر، الذي كان الكاتب الكبير مدينا له بالمال الذي بدده في القمار.
لماذا لا تهتم الدولة بأصحاب «التيرسي» وتدخلهم في برامج «راميد» أو تعين في كل مقهى من «مقاهي الخيل» طبيبا للأعصاب وآخر للضغط وثالثا للسكري.. لفحص ومراقبة أعصاب هؤلاء الفرسان الذين «تنغل» ذبابة الخيل في رؤوسهم فتصيبهم بالوجوم وبالسعار.. كم سيكلفها ذلك وقد اعترفت الشركة الملكية لتشجيع الفرس، المسؤولة عن تدبير رهانات سباق الخيول بالمغرب، بأن المغاربة ينفقون، سنويا، خمسة ملايير سنتيم على «التيرسي»! وأن هذه الملايير الخمسة تذهب إلى تمويل قطاع تربية الخيول. خمسة ملايير للخيول والفرسان.. أيموتون غما وكمدا! ومرضا؟
ليل الدار البيضاء بدوره يجافي فرسان «التيرسي»، فعندما تشتعل سماؤه بنجوم الله، ونجوم الغناء والبغاء، ونجوم قطع الطريق، ونجوم الضباط التي ترصع أكتافهم جنب النياشين.. فإن هذه السماء الجحودة لا تعترف بنجوم «التيرسي» الذين مات الكثيرون منهم واقفين كالأشجار دون أن تنصفهم الخيل ولا الليل.
لا مكان لفرسان «التيرسي» في ليل الدار البيضاء، كما أنهم لا يشبهون مقامري دوستويفسكي، فلا نساء بجانبهم أمام طاولات القمار، لا كؤوس فودكا لتنشيط تخميناتهم في سهرات القمار.. هم عادة ما ينسحبون مبكرا إلى أحضان نسائهم.. يقيّمون اختيارات اليوم، ويركزون على رهان الغد. حتى في أحلامهم تركض الخيول فيندهون عليها لتسرع أكثر في اتجاه خط النهاية، وغالبا ما يقتربون من حصد الملايين.. فتصطك أسنانهم وتعلو أصواتهم تحت الغطاء.. وعندما تركلهم نساؤهم يفيقون من حلم كاد يتحقق. يشعلون سجائرهم السوداء ويشرعون في التخطيط لاستدراك هفوة الأمس التي ضيعت عليهم الملايين. لا فرق لديهم بين حلم وواقع. حلمهم لا بد أن يصبح واقعا. لذلك فهم لا يقطعون أملهم في الله وخيله، ويكفرون بالنساء اللواتي لا يثقن في فوزهم القريب، هكذا هم لا يراهنون على أنثى الفرس، كما لا أثر للنساء في برامجهم الصباحية، «أليس الصبح بقريب؟».