عندما أصبحت الوثيقة الدستورية والخطب الملكية بلا معنى

عندما أصبحت الوثيقة الدستورية والخطب الملكية بلا معنى

هكذا حول إلياس فرحة كبرى بالمنتخب المغربي إلى ورقة انتخابية صغيرة

مصطفى الفن

IMG_3676

وصف بعض الزملاء الواقعة المستفزة حول عودة الأمين العام للبام إلياس العماري من أبيدجان على متن الطائرة الخاصة بالمنتخب الوطني المغربي بما أسموه “التسيب الرياضي”.

والمقصود هنا تلك “الطريقة السلطوية” التي اقتحم بها إلياس طائرة المنتخب وحجز له ولمرافيقه ما شاء من المقاعد دون أن تكون له أي صفة تسمح له بالاستفادة من هذا الامتياز خاصة أن الأمر يتعلق برحلة ستؤدى تكاليفها ومصاريفها من المال العام.

والحقيقة أن هذه الواقعة هي بالفعل سرقة موصوفة لفرحة مشتركة لجميع المغاربة وليست فقط تسيبا رياضيا جاء بعد تسيب آخر في مجال السياسة.

ولا أبالغ إذا قلت إن الأمر يتعلق أيضا بتسفيه “مقصود” للخطب الملكية التي تحدثت بالصرامة اللازمة عن ربط المسؤولية بالمحاسبة.

بل يبدو أن هناك من يدفع ربما في اتجاه أن تصبح هذه الخطب الملكية انتقائية وبلا مفعول ولا تنطبق مضامينها على تصرفات مسؤول سياسي أصبح ربما فوق القانون وفوق الدستور وفوق كل مؤسسات الدولة ومسؤوليها.

فأي معنى الآن للوثيقة الدستورية عندما تصبح بنودها مفصلة على مقاس تصرفات مسؤول سياسي أو حزب سياسي لا يشبه بقية الأحزاب السياسية؟

وما الجدوى من هذا الدستور أصلا عندما يصبح رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم، أي فوزي لقجع، رهينة بأبيدجان وغير قادر حتى على الاتصال برؤسائه المباشرين ليخبرههم ب”خطأ مهني جسيم” انتهكت فيه حرمة الرياضة لخدمة مشروع سياسي مختطف.

ثم إن لقجع مسؤول أمام الملك ولا يوجد هناك مانع يمنعه من الاتصال برؤسائه المباشرين قصد إحاطتهم علما بهذا الخطأ الجسيم الذي تحولت معه فرحة وطنية كبرى إلى ورقة انتخابية صغيرة يلعب فيها إلياس دور “البطل القومي” كما لو أن ابن الريف هو الذي سجل الهدفين في هذه المباراة.

أكثر من هذا فمسؤولية لقجع أمام الملك تسمح له أيضا حتى بالاتصال بالمستشارين الملكيين قصد “التشاور” لئلا تقع مثل هذه التجاوزات التي لا تسيء إلى مقترفها وحزبه فقط، بل تسيء إلى الوطن وإلى من بيده الأمر في هذا الوطن وهو العاهل المغربي.

وما كان ينبغي أن تقف الأمور عند هذا الحد، بل كان المطلوب أيضا من الوزير الوصي على قطاع الطيران، أي محمد ساجد، أن يضع رئيس الحكومة سعد الدين العثماني في صورة ما حدث من سرقة موصوفة لفرحة المغاربة.

فهذا هو المنطق السليم في التعامل مع الانحرافات التي تمس هيبة الدولة ورئيس الدولة ودستور الدولة.

نقول هذا ولو أن هذا المسؤول السياسي المعني بالأمر لم يعد يصوت في الانتخابات إلا مؤخرا ويعتبر حتى هذه الوثيقة الدستورية الجديدة “مجرد رواية رديئة الإخراج صيغت بنودها في البيوت السرية وليس في آلية دستورية ترأسها مستشار ملكي”.

والمنطق السليم كان يقضي أيضا أن يخرج المسؤول الأول في “لارام” عن صمته ليعترف للمغاربة بأن طائرة المنتخب ارتكبت فعلا خطأ جسيما عندما حملت “محرمات وممنوعات” أثناء رحلة العودة من أبيدجان إلى مطار الرباط سلا.

ويبدو أن مسؤولية هذا الخطأ الجسيم تمتد لتشمل أيضا رئيسي غرفتي البرلمان ورؤساء الفرق البرلمانية ومسؤولي الأحزاب السياسية الذين أصبحوا جميعا مطالبين، بمعايير دولة الحق والقانون، بالتصدي الجماعي لهذا السطو على مشترك وطني خالص أنجزه منتخبنا المغربي وليس حزب سياسي بعينه.

نعم، ينبغي أن نعترف أن هناك رجالات وشخصيات عسكرية وسياسيين كبارا أسدوا خدمات جليلة للرياضة والكرة المغربية بنكران ذات وتجرد عال لأن الأهم بالنسبة إليهم كان هو الوطن وليس تلك الحسابات الصغيرة و”الكبت الكبير” الذي يجعل شابة تفوز بالصفقات الغامضة بشركة شبه وهمية وبلا تاريخ وهي في منزلها بلباس النوم.

وطبعا كلنا يتذكر في هذا المنحى ما قدمه للرياضة المغربية أمثال عبد الواحد امعاش والمعطي بوعبيد وعبد اللطيف السملالي وغيرهم كثير من السياسيين الذين كانوا يعرفون الحدود الفاصلة بين السياسة والرياضة وبين ما هو مشترك وطني وبين ما هو خاص.

ولسنا في الحاجة إلى التذكير هنا أيضا بعطاء الجنيرال حسني بنسليمان للرياضة المغربية ليس فقط من موقعه في التسيير والإدارة ولكن من موقعه كحارس شهير لمرمى فريق الجيش الملكي والذي فاز معه بعدة ألقاب وطنية وقارية لازالت مكتوبة بمداد من ذهب في تاريخ هذا الفريق الكبير.

الجنيرال بنسليمان أسدى كل هذه الخدمات الكبرى للرياضة المغربية وترأس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لأكثر من 15 سنة لكن لم نسمع أبدا أن هذا الرجل الوقور أقحم أبناءه أو بناته أو أقرباءه في سفريات مسيئة للبلاد أو ملك البلاد.

ولا خلاف أن الحضور اللافت لإلياس مع المنتخب سواء في الفندق بالعاصمة الإيفوارية أو داخل الطائرة خلق بعض اللبس خاصة وسط اللاعبين المغاربة المحترفين بالخارج الذين لم يفهموا كيف أن مسؤولا سياسيا لا صفة له ومع ذلك يتحرك بحرية وسط مسؤولي المنتخب واللاعبين كما لو أنه يتحرك وسط “فرقة” من الأحياء جاء بها هو شخصيا إلى “الكوت ديفوار” على نفقته الخاصة.

ولم يقف العبث عند هذا الحد، بل هناك ربما ترتيبات أخرى جارية لترسيم هذه السرقة الموصوفة لفرحة المغاربة من خلال دفع البرلمان إلى استقبال المنتخب حتى قبل أن يستقبله الملك محمد السادس إذا ما سمحت له أجندته.

وهذه خطوة أخرى رعناء ترمي إلى انتزاع هذا الامتياز الحصري من الملك الذي سيصبح استقباله للمنتخب فيما بعد بلا دلالة رمزية قوية تحترم تراتبية السلط والمؤسسات.

هناك قضية أخرى أحب أن أتوقف عندها لأنها شوشت على أداء بعض المنتمين للبام لا سيما أن الأمين العام المستقيل وظفها توظيفا يخدم “أنا صغيرة” بهدف الاستقواء على معارضيه داخل الحزب في هذه الظرفية العصيبة التي تلت استقالته.

وأقصد هنا قضية حضور المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة إلى زفاف نجل إلياس وما أثاره هذا الحضور من جدل حول المسافة التي ينبغي أن تكون بين مستشاري الملك وبين مختلف الأحزاب السياسية.

شخصيا، لم أنظر إلى حدث حضور مؤسس “البام” إلى عرس نجل إلياس ببعد سياسي، وإنما الأمر له دافع تمليه الاعتبارات الإنسانية في المقام الأول بين الناس في مثل هذه المناسبات سواء كانت أفراحا أو أحزانا.

وهذا سلوك نبيل وأصيل في ثقافة المغاربة ويفعله فؤاد مع أكثر من شخص لكن لا ينبغي التعامل مع هذا الحضور كما لو أنه تزكية ل”لانحرافات التي تعرض إليها المشروع السياسي للبام في منتصف الطريق”، بتعبير فؤاد نفسه في رسالة استقالته الشهيرة من الحزب.

بمعنى آخر أن القانون قانون، والعلاقة الإنسانية علاقة إنسانية، ولا تزر وازرة وزر أخرى وكل مسؤول سياسي هو مسؤول عن تصرفاته وغير معفي من المسؤولية والمحاسبة حتى لو كان معينا بظهير ملكي.

أو دعوني أقول بصيغة أخرى. السياسة سياسة، والرياضة رياضة، والخلط العنيف والقسري بينهما يقود حتما إلى موت السياسة والرياضة معا.

وهذا الذي لم يفهمه التجمعي البامي سعيد الناصري عندما لم يوجه دعوة لمسؤولين جماعيين بالدار البيضاء أو عمدتها عبد العزيز العمري لحضور مباراة الوداد والأهلي المصري فقط لأن هؤلاء المسؤولين ومعهم العمدة ينتمون إلى البيجيدي.

وقع كل هذا “اللا معنى”، الذي توثقه السفارات والبعثات والتمثيليات الأجنبية ببلادنا في تقارير دقيقة لترسلها إلى كل العواصم العالمية، رغم أن هذه المباراة جرت فوق أرضية ملعب مملوك لمجلس المدينة، فيما سمح للمسؤول البامي مصطفى البكوري بأن يدخل منصة التتويج ب”صباطه” رغم أن اسمه لم يكن مدرجا ضمن الشخصيات التي سلمت الجوائز للاعبين.

بقي فقط أن أقول. إذا كان إلياس حضر بقوة في هذا الحدث الرياضي الكبير بأبيدجان، فلا ينبغي أن ننسى أن هذه الملياردير الجديد كان قد غادر المغرب خوفا من احتجاجات الربيع العربي وحركة 20 فبراير. وهذا ما فعله أيضا مع اندلاع هذه الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها منطقة الريف.

هذا هو إلياس الذي جمع الملايير الممليرة للحزب وإعلام الحزب وإعلامه الخاص بغير علم إدريس جطو.

إلياس يشبه “ثعلب” الراحل محمد زفزاف. إنه “يظهر ويختفي” وفق ما تقتضيه حالة الطقس السياسية للبلد.