جائعون حتى الحرية.. هل يلزمنا تضحية أكبر من إضراب معتقلي الحراك كي نتوحد؟

بعد أيام سنكمل سنة على انطلاق “حراك الريف” بالمغرب، ولازال الملف المطلبي لم يبارح مكانه، الملف الذي تسبب في اندلاع أكبر موجة احتجاجات عقب حركة 20 فبراير سنة 2011، وازداد الوضع تأزما بعد حملة الاعتقالات التي طالت أزيد من 400 متظاهرا في صفوف الحراك، توبع على إثرها أزيد من 360 شخصا.

amineبعد أيام سنكمل عاما من الاحتجاجات التي بدأت بمطلب تحقيق العدالة في مقتل بائع السمك محسن فكري “طحنا”، وفي الوقت الذي كان هذا مدخلا لتحقيق مطالب في مجملها اجتماعية مرتبطة بمطلب العدالة الاجتماعية والكرامة تجاه المنطقة، نهجت الدولة مقاربة أمنية كانت بدايتها “عسكرة” المنطقة، مرورا باستفزاز مباشر من أحزاب الأغلبية الحكومية للمتظاهرين بوصفهم بالانفصاليين، تلاه استفزاز الدولة عبر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي أعطت إماما خطبة تنعت المتظاهرين بدعاة الفتنة، مع العلم أن المسجد بالقرب من منزل الزفزافي زعيم الحراك، الشيء الذي دفع بالنشطاء والساكنة للاحتجاج رفضا “لخطبة الفتنة”، والتي وكأنها كانت خطوة لانطلاق حملة الاعتقالات، التي لم تتوقف لحدود الساعة منذ تاريخ 26 ماي المنصرم.

منذ أزيد من 36 يوما دخل معظم معتقلي “حراك الريف” المتواجدون بسجن عكاشة بالدار البيضاء في إضراب عن الطعام تخلله اضراب عن الماء استمر أربع أيام قام به ثلاثة من نشطاء الحراك ردا على إهانة إدارة السجن المحلي بالدار البيضاء، عقب “شكها” في أن أحد العائلات تريد إدخال كاميرا لأحد ذويها، ولكي لا نطرح سؤالا على المؤسسة المعنية بخصوص ماذا تخبئ داخل “سجنها” ولا تريد أن تكشفه كاميرا خفية؟ فسنقتصر على الأسلوب المهين الذي عاملت به الإدارة معتقلي الحراك، الذي زاد من تأزيم الوضع أكثر، وكأن الدولة المغربية تريد أن تدفع بالمعتقلين إلى اتخاذ أقصى الخطوات النضالية لإنهاكهم بالموازاة مع جلسات المحاكمة وما عرفته من ضغط واضح على المعتقلين وعلى هيئة دفاعهم وعائلاتهم وحتى على الإعلام.
نشطاء الحراك وبعد أشهر من الاعتقال وجدوا أنفسهم أمام الأمر الواقع، من جهة هناك تيارات سياسية تاريخية منهكة ومجزأة إلى أقسام عدة، منها قوى وطنية طوعها المخزن، ومنها قوى تعتبر ممانعة غير أنها لم تجد لحدود الساعة ما يوحدها رغم أن “عصا” المخزن لا تفرق بينها، ورغم أن منها من عانى فيما مضى من الاعتقالات ومن تخوين الدولة له ومن التهم والأحكام التي وصلت حد الاعدام، كل ما عانته القوى المناهضة للمخزن في سنوات الجمر والرصاص، التي طبعت المشهد السياسي في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، وما جاء بعدها لم يكن كافيا كي يوحدها، وكل هذه الاعتقالات والتراجعات الحقوقية لم تكن كافية كي يدق صف الممانعة ناقوس الخطر وكأن الذاكرة أصابها نوع ما من التعب، حتى النقابات التي خرجت في انتفاضة سابقة ضدا على سياسات التفقير والتهميش، وجدت نفسها بعد سنوات من حوار عقيم لا تبارح مكانها، ألم تعي بأن معركة الكرامة والعدالة الاجتماعية والحقوق لا تتجزأ لا في المكان ولا في الزمان.
ولعل هذا الوضع كله ما جعل من أن الخطوة الأكثر تأثيرا من كل ما يقع خارج أسوار السجن هي المتمثلة في دخول أزيد من 37 معتقلا في إضراب عن الطعام مفتوح إلى حين إيجاد حل، ولعل هذا ما جعل من محمد جلول أحد قادة الحراك يعتبر أن قرار دخوله في الاضراب ليس من أجل إطلاق سراحه ولكن من أجل قضية الوطن العادلة والمشروعة، ولعل هذا ما جعل نبيل أحمجيق “دينامو الحراك” ينبه القاضي في جلسة محاكمته السابقة ومن خلاله ينبه باقي أحرار الوطن إلى أنه من الممكن ألا يعيش المعتقلون كي يحضروا أطوار محاكمتهم، ولعل هذه رسالتهم إلى كافة القوى من نقابات وأحزاب وجماعات.
في ندوة نظمتها لجنة التضامن مع معتقلي الحراك حاول عبد الحميد أمين الحقوقي والقيادي السابق في أعرق جمعية حقوقية في المغرب (الجمعية المغربية لحقوق الإنسان)، -حاول- تذكير القوى التي تقف في نفس الجهة على النقيض مع المخزن، بأنه على من يؤمن بعدالة هذه القضية أن يعي بأنه هنالك خمس أركان للانتصار ولتحقيق المطالب العادلة لقضية الشعب، كلها قائمة على الوحدة، بداية وحدة المعتقلين ووحدة عائلاتهم ووحدة دفاعهم، ووحدة “حراك الريف” ووحدة القوى المؤمنة بقضية الحراك، ومادامت هذه الأركان أو أحدها مختل أو غير مكتمل، وفي ظل تعنت الدولة واستمرارها في نفس نهجها منذ بداية المشكل، أي قبل عام، واستفادتها من هذا الوضع، فلحدود الساعة لا يملك المعتقل غير جسمه كي يوصل به رسالة قضيته، المعتقلون رفعو شعار الجوع حتى الحرية، فإلى أي حد سيستطيع المعتقلون الاستمرار في تذكيرنا بحقيقة العهد الجديد الذي رفعته الدولة كشعار لمرحلة ما بعد الحسن الثاني؟ وهل يلزمنا تضحيات أكثر من هذه كي نجد سببا لنتوحد كقوى تطمح للعدالة والعيش الكريم؟
انطلق حراك الريف يوم 28 أكتوبر من السنة الماضية عقب استشهاد محسن فكري بائع السمك بعد طحنه في حاوية الأزبال، بالحسيمة، المدينة التي تقع في شمال المغرب والتي تعتبر مركز الريف، انطلقت احتجاجات الساكنة تلك الليلة، وعلى رأسهم ناصر الزفزافي للمطالبة بالعدالة وبمحاسبة المسؤولين ليرتفع المطلب من إحقاق العدالة لمحسن فكري إلى إحقاقها لساكنة منطقة الريف كلها التي همشت لسنوات، ليبدأ الحَراك الريفي، الذي سيكمل سنته الأولى بعد أيام.