دفاعا عن طبقتنا السياسية “الجبانة”..

محمد أغبالو

تعيش طبقتنا السياسية حالة من الرعب المرضي منذ انتهاء الخطاب الملكي ليلة 29 يوليوز المنصرم. الملك قرع الأحزاب والطبقة السياسية، واعتبر أنها نخبة تجري وراء أضواء الإعلام والمكاسب السياسية عندما تكون هناك إنجازات، أما عندما تكون النتائج معاكسة للتوقعات فإن الجميع يختبئ وراء القصر، ويتم إرجاع كل شيء إليه.

ومنذ أربعة أيام لا حديث بين سياسيينا، إلا عن ماذا بعد الخطاب الملكي؟. الوزراء يتحسسون رؤوسهم ويرددون ” إنَّا لا نسألك رد القضاء، وإنما نسألك اللطف فيه”. وعندما يتوجهون بالسؤال إلى أمنائهم العامين أو رؤساء أحزابهم، لمعرفة ماذا يجري وماذا يمكن ان يقع؟، فإنهم لا يتلقون إلا جوابا واحدا، ” الله يخرج هاد الجرة على خير.. وخلاص”. والكل تائه ويبحث في الصحافة وعند الصحافيين، عن أي خبر أو حتى نصف خبر، يعيد الاطمئنان إلى قلبه. بل إن حفل الاستقبال في طنجة، وحفل الولاء في تطوان تحولا إلى مناسبتين للبحث عن أي معلومة حول، في ماذا يفكر الملك؟، من جهة، ومن جهة ثانية، تنافس المنتخبون لأول مرة مع رجال الداخلية في إبراز مدى ولائهم، لعل استماتتهم في الإنحناء تشفع لهم عند النطق بالكلمة الفيصل.

وكانت العبارة التي بقي صداها يتردد في أذان طبقتنا السياسية، هي عندما قال الملك في خطابه، “.. ولكن إذا تخلف المسؤولون عن القيام بواجبهم، وتركوا قضايا الوطن والمواطنين عرضة للضياع، فإن مهامي الدستورية تلزمني بضمان أمن البلاد واستقرارها، وصيانة مصالح الناس وحقوقهم وحرياتهم”. وكذا حديثه عن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، حيث قال، “.. لقد حان الوقت للتفعيل الكامل لهذا المبدأ”.

من الأكيد أن ما جاء في الخطاب الملكي بخصوص الأحزاب والطبقة السياسية، نابع من استنطاق للواقع السياسي، ومن الأكيد أن كل المغاربة يشاركون الملك عدم ثقته في عدد كبير من سياسيي هذا البلد، فعندما يقول الملك، “.. وإذا أصبح ملك المغرب، غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟”. فإنما كان يشرح جسدا أصبح متعفنا من شدة مرضه، وأصبح آخر دوائه الكي.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح. هو لماذا أصبحت النخبة السياسية على حالها الذي وصلته اليوم؟

لن نعود إلى طبيعة السلطة في المغرب قبل الحماية، ولا كيف كان العمال والقياد يشترون مناصبهم من عواصم المملكة، مقابل إطلاق أيديهم للعبث بالقبائل عبر المكوس والسخرة، ولكن سنكتفي فقط بطرح السؤال، أليست السلطة هي التي حاربت العمل السياسي والنقابي والجمعوي الجاد؟، مرة عبر الاعتقالات والأحكام السجنية الثقيلة، ومرة عبر التضييق الاقتصادي والاجتماعي من خلال الطرد من العمل، بل وصل الأمر إلى التصفية الجسدية لعدد من القيادات السياسية المعارضة لأطروحات السلطة.

ثم أليست السلطة هي التي صنعت الأحزاب الإدارية ونخب الأحزاب الإدارية، ومنحتهم السلطة والنفوذ والجاه، وأصبحوا نموذجا يحتذى به، حتى أن العديد ممن ضعفت أنفسهم من داخل الاحزاب الوطنية والتاريخية، ارتموا في أحضان الأحزاب الإدارية، لما توفره من نعيم الامتيازات.

وأليست السلطة هي التي اخترقت الأحزاب التاريخية، ودعمت الفاشلين والمتملقين و”البياعة” داخلها، مقابل محاربة “الي راسهم قاصح”، والذين يستميتون في الدفاع عن استقلالية القرار السياسي لتنظيماتهم.

إذا كانت السلطة متورطة في كل ما تقدم، وإذا كانت منذ الاستقلال إلى اليوم، وهي تشتغل من أجل السيطرة على الحقل السياسي، واستعمال الأحزاب من أجل تأثيث الديمقراطية المغربية، وإذا كانت الأجهزة المنتخبة تجد نفسها بين “كماشتي” الأجهزة المعينة، بل إن رئيس الحكومة، لم يحصل على بعض الصلاحيات إلا مع دستور 2011، والذي يجمع الكل، أن هناك محاولات لعرقلة تطبيقه على أرض الواقع، بل إن جهات في مربع السلطة، تعتبر “منح” دستور 2011، كان تسرعا، وأن مع قليل من الصبر كانت عاصفة 20 فبراير والربيع العربي ستمر دون أضرار.

اليوم، ومع هذه الطبقة السياسية التي نتوفر عليها، فإنه “ليس بالإمكان أبدع مما كان”، خاصة إذا كانت المراهنة على الشباب أيضا ليست بالأمر المضمون، ما دام أن الذهنية المسيطرة هي ذهنية الشيوخ، ومادام أن العمل السياسي لدى عدد كبير من شباب الأحزاب السياسية سواء في اليمين أو في اليسار أو لدى الإسلاميين، مرتبط بفكرة “باغي ندبر على راسي”. والأمل يبقى في الأجيال القادمة، من جهة، ومن جهة ثانية، يجب أن يفصل العمل السياسي عن “الريع”، فعندما يصبح العمل السياسي تطوعيا ولا يوفر أي امتيازات، فعند ذاك لن تجد به إلا من يحب خدمة الوطن فعلا، وليس الفاشلين اجتماعيا ومهنيا مثلما هو واقع اليوم.