حجيج وضجيج في طنجة.. لماذا أقلق علي عمار وهنري ليفي إلياس العماري؟

إدريس بنيعقوب

منذ أن صدر المقال الذي وقعه وتبناه الصحفي على عمار مثيرا شكوكا وتساؤلات حول حقيقة الاستثمار الضخم في بناء مدينة محمد السادس التكنولوجية في محيط مدينة طنجة، بشراكة مع شركة صينية قيل عنها في الرباط كلام يشبه العسل ويقال عنها كلام مر في بيكين، قامت القيامة في مدينة البوغاز، وحشر الملأ زمرا زمرا، حتى أصبحت المنطقة محجا يسير إليه الوفود والركبان من علية القوم، من وزراء وأرباب المال والاعمال كل ذلك للرد على مقال كان يكفي أن يقال انه كاذب وكفى.

قيل قديما في أمثال الشعب أنه يستحيل أن يطلع دخان بدون سبب إشعال النار، وقال العلماء في علم الإجرام، إذا أردت القبض على مجرم فعليك أن تتصيده في مكان الجريمة، فهو غالبا ما يحوم حول مكان الجريمة، إن لمسح آثار الجريمة أو تفقد مجريات تعقبه وتتبعه هناك، ولم يسبق أن خابت هذه القاعدة الذهبية مع المجرمين الأغبياء أبدا. وهنا بالطبع نحن لسنا أمام جريمة بالمعنى القانوني المعروف محددة الأركان، وإنما نحن إزاء فعل جرمي ذي طبيعة سياسية واقتصادية، ناشئ عن اختيار سياسي غير معقلن، مستنزف للأمل ومدمر للأحلام الإنسانية لمواطني هذا الوطن، خصوصا فئة الشباب وذوي الإحتياجات المعيشية الخاصة والعامة.

مشروع المدينة مقدر بملايير الدولارات، مشروع واعد حسب مهندسوه، سيخلق عشرات الآلاف من مناصب الشغل، أشرف الملك شخصيا على تدشينه، فاعتبر حدثا وطنيا مهما تناوله الإعلام الدولي والوطني بكل تلاوينه، وتباهى به الساسة خصوصا مهندسه الأول إلياس العماري الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، خريج مدرسة هندسة “القناطر والممرات السياسية”.

هذا المشروع للتذكير، عارضه رئيس الحكومة السابق عبد الإله ابن كيران، بل وعبر عن استيائه منه هو وعدد كبير من قيادة حزب العدالة والتنمية تحديدا إثر سفر رئيس جهة وحيد مع الملك إلى الصين وهو إلياس العماري، لإبرام صفقة المدينة، وقيل حينها أنه مجرد صراع شخصي وخصومة سياسية قبيل الانتخابات.

مؤخرا في حفل أقيم بالسفارة الصينية لتوديع السفير الصيني بالمغرب، هذا اللقاء الذي حضرته نخبة مغربية مهمة، تحدث السفير عن منجزاته في تعزيز العلاقة بين البلدين وعدد جميع مجالات التعاون التي ساهم فيها سواء بين القطاعين العامين للبلدين أو بين القطاعين الخاصين، وكم كان غريبا عدم تناوله في كلمته الرسمية أمام الحضور المغربي، لأكبر الإنجازات في العلاقات الاقتصادية بين البلدين وهو مشروع المدينة التكنولوجية. تفادى في كلمته بشكل متعمد وليس سهوا إبراز الموضوع، فهؤلاء القوم لاينسون أبدا الحديث عن أموالهم وخبراتهم.

نتساءل عن إسقاطه لهذا الموضوع من حديثه، ألا يفيد بأن المشروع غير جدي وأن الصين السياسية والاقتصادية والدبلوماسية لا يمكنها أن تتبنى المشروع بل إنها لا توافق عليه بالصيغة التي هندسها الياس العماري وشركاؤه؟

ماذا يعني أن يتوجه الوزراء إلى طنجة بأمر ما، لدعم موقف رئيس الجهة الذي أصبح متورطا بل وفي مأزق لايعلم أحد سواه كيف سيخرج منه هو ومن معه؟ ماذا يعني أن يحضروا عثمان بنجلون ليخطب في الناس حول مدينة ذكية، موعودة وبنكه أصبح غبيا غير مواكب، في أزمة مالية أقل ما يمكن وصفه به هو حالة الاختناق، وذلك منذ مدة أصبحت واضحة جدا حتى على مستوى تجهيزات وخدمات وكالاته في المغرب، الشيء الذي جعل السلطات المالية والبنكية الصينية ترفض إعطاءه ترخيص بمزاولة النشاط البنكي المصرفي الحقيقي والشامل في بيكين؟.

فهل يعي رواد هذه الأفكار أن البلاد راكمت مشاريع كثيرة لم تنجز منذ أول حلم قبر في بئر قاسم واحد للبترول، الذي تبخر أو ابتلعته الأرض بدون أي إنذار مسبق، بعدما حلمنا جميعا بأبوظبي ودبي والأبراج والبترودرهم؟

كابوس رهيب مؤرق ذلك الذي قد يحدث بعد فقدان الأمل وتبخر الأحلام، قد يدمر البلاد ككل، و صناع الأحلام، مستمرون في إنتاج مزيد من الوهم والسراب، في وقت لم يعد المزاج العام يتحمل ذرة كذب صغيرة. أن يصوروا للشعب واقع الحياة باللونين الأسود والأبيض فقط، كما كان يفعل الملك الراحل الحسن الثاني عندما تحدث عن السكتة القلبية للمغرب، وعن جميع الأزمات التي سبقت كالجفاف ومنع ذبح أضاحي العيد وغيرها، لتنهض الهمم وتقوى العزائم، خير من أن يزينوها بلون أخضر براق ناصع ينمي الكسل ويحبب المرتع، سرعان ما تلفحه شمس الحقيقة، ليصفر ثم يصير حطاما تذروه الرياح.

الشعب ذلك الكائن العصبي/الودود حسب حالات الإحساس بالغدر والأمان، إذا غضب فإنما ذلك بعدما تبينت له نية البناء غير السليمة وغير المستقيمة مع سبيل المصلحة العامة، فأصبح كل ما يوعد به مجرد وهم وحيل الدجالين. والملك عندما يغضب فذلك أن الشعب عرف الحقيقة قبله، بل وأخبره بها بطريقته، في الوقت الذي كان ينتظر رؤية الشعب سعيدا مبتهجا بمنجزاته، تلكم صدمة وأي صدمة أمام أفعال هواة فشلة حازوا الثقة وأوتمنوا على مصير الناس.

القصة أعمق بكثير من مجرد تكذيب مقال صحفي، إنها قصة صراع اقتصادي دولي كبير تورطت فيه أطراف مغربية لم تنصت لنصائح الصين الرسمية، فأعطت بذلك الفرصة للفرنسيين للضرب تحت الحزام ،وما مقال علي عمار إلا رسالة حملها كساعي بريد ملاءم للسياق. كذلك تحركات برنارد هنري ليفي في طنجة، قد تدخل هي أيضا في هذا السياق المصلحي الإقتصادي بين فرنسا والصين، رغم أن إلياس العماري حاول السفر بنا بعيدا ليحدثنا عن الحروب ودور ليفي فيها، في حين أن دور هذا الفيلسوف المثير للجدل هو التعقب الميداني لمصالح بلاده ولوبياتها الكبرى، فهل كان تواجده صدفة بطنجة غداة إصدار علي عمار مقاله الشهير حول المدينة التكنولوجية، خصوصا وأن إلياس العماري لم يحدد بالضبط مكان مقابلته لليفي، التي حرر فيها تدوينته الشهيرة حول “عراب الحروب”؟

فرنسا التي لايحبها رئيس جهة طنجة كثيرا، وسبق له أن دعا للإحتجاج على إحدى شركاتها “أمانديس”، لن تفوت أي فرصة في جمع حساب خصومها عندنا، وسيدفع الثمن شباب ونساء وأطفال حالمون.

حتما بقية الحساب ستأتي تباعا مع الأيام..