حراك الحسيمة بين عقوق الإدارة والجبن السياسي

ليس شرطا أن تشتغل في دواليب الإدارة حوالي ربع قرن من الزمن أو تكرس نفسك للبحث والكتابة حتى تعلم أن أحسن طريقة تفتقت عنها عبقرية العقلية الإدارية لكتم أنفاس أي قضية قد تتحول لقضية رأي عام وتحرك الشارع والإعلام، هي خلق اللجان ولاسيما لجان التحقيق؛ ولعل المحب للعدل ليس بوسعه سوى الالتزام بعدم الخوض في الموضوع ذي الصلة بأي تحقيق إلا إذا ظهرت نتائجه. ولعل من حسنات كما من سيئات شبكات التواصل الاجتماعي أنها شكلت إعلاما بديلا عن الإعلام الرسمي وحتى المستقل إلى درجة أصبحنا نرى فيها إعلاميين وصحفيين في مدخل جدارهم الفيسبوكي يشيرون إلى أن ما يكتبون ويغردون يعبر عن آرائهم وليس عن المواقع التي يشتغلون فيها؛ الشيء الذي يؤشر ولا شك عن سقف الحرية داخل منابرهم، حيث تعلو سلط أخرى تحت تصنيف الإكراهات المهنية وألوان خطوط التحرير، مما يجعل الصحفيين أنفسهم ينحون إلى الفضفضة الفيسبوكية شأن عامة الشعب، فكتبنا جميعا عن قضايا كانت حارقة في آنها قبل أن تدخل لغرف التبريد المسماة لجان التحقيق. ولقد انتظر الجميع إلى درجة عدم الانتظار لأنهم فهموا أن نتائج التحقيقات لا ينتظرها إلا من يؤمن بعودة غودو. فجفت الكثير من السيول بدءا بفضيحة المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله ثم فيضانات الجنوب وانهيار القناطر والمباني إلى الكثير من النار واللهب بدءا بتلك الأكباد التي التهبت في واقعة طانطان إلى مي فتيحة؛ كلها انتهت في يد لجان تحقيق مجهولة الهوية والحصيلة.

الأكيد أن فاجعة محسن فكري كانت قاسية بحجم قساوة التهاب تلك الأجسام الصغيرة التي ذابت في حافلة لأن مسؤولا ما مع استحالة تحمله لعناء رحلة برية للصحراء والتي لن يقوم بها إلا جوا هذا طبعا إن اضطره عمله للقيام بها لأنه يفضل الجو المعتدل خلف البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي للاستجمام ولو تحت ذريعة العمل وحبه للجو يجعله يركب الطائرة هو وأهله، لكنه طبعا يرى تلك الأجساد لا تفهم الفرق بين الطائرة وأي ركوب آخر فأحرقها برا. ولعل الفارق بين الفاجعتين هو مواجهة الجمهور مع الإدارة، إذ كانت واقعة طنطان حادثة ناجمة عن جشع مسؤول لا مسؤول يقبع خلف مكتبه بعيدا عن مكان الواقعة، في حين أن فاجعة الحسيمة كان فيها اشتباك بين مواطنين مع الإدارة وسط جمهور تحول لحراك شعبي بسبب وفاة بشعة لم تكن في حسبان أي طرف. لذلك فإن الذين يعولون على تبريد الفاجعة عن طريق لجان التحقيق عوض التعاطي الجاد مع الملف المطلبي للجنة الحراك والتي تلخص مطالب جد واقعية لساكنة الريف والتي وإن كانت هي ذاتها مطالب كافة المغاربة، عليهم أن ينتبهوا جيدا إلى أن هذا الحراك الذي تبناه الوطنيون نظرا لعدالة مطالبه وتحضر حامليه في الشارع ووعيهم الأمني، هو حراك مجال يحس بالغبن والتهميش، وأن المزيد من الضغط عليه وابتزازه باسم الفتنة وإدخال أبناء الريف في مواجهة بعضهم هو تهور وإشعال لفتيل لا يمكن أن يعرف أحد مداه في مجال يشكل الواجهة المغربية الحدودية مع الجزائر وإسبانيا.

كما أن المسؤولين هنا وهناك عليهم أن يستوعبوا جيدا أنه من الاستحالة بمكان أن يدعم المغرب موقعه الإقليمي والدولي بما في ذلك الإفريقي بإدارة عاقة تمتهن التبريد دون تحمل للمسؤولية وتفشي ثقافة الإفلات من العقاب. كما أنه من الجبن السياسي بمكان لكل الأحزاب والفاعلين السياسيين الاختباء وراء عقوق الإدارة ليخلوا مسؤوليتهم تجاه قضايا الوطن الحارقة ؛ ولعل استمرار العطالة البرلمانية وحجب الحكومة لأشهر واستمرار الإدارة في حجب نتائج تحقيقاتها هو أردأ وأسوأ جواب لخطاب ملكي يشرح مرض الإدارة في افتتاح دورة برلمانية.