عندما يتسبب القطار في فقدان الطائرة

ليلى الشافعي

سأحكيها لكم كالخرافة.. فأصدقائي المقربون يقولون إنني أعشق الحكايات وأحكي القصص بشكل روائي، فأشد انتباههم وأوصلهم بمهارتي الخاصة إلى حيث يريد الواقع لا إلى حيث أريد. من هذا المنطلق، أطلب منكم أن تنصتوا إلى حكايتي التي هي جزء من حكايتكم والتي لا شك أنكم ذقتم بعضا من مرارتها.

توصلت بدعوة من المعهد الأورو-متوسطي في إطار “الشبكة المتوسطية للأنباء والاتصال من منظور النوع الاجتماعي”، لألقي مداخلة في جلسة “العنف ضد نساء معرضات للخطر: لاجئات الشرق الأدنى” وكانت مداخلتي تحمل عنوان “اللاجئات السوريات بالمغرب: العنف والاستغلال الجنسي”.[1]

كان المعهد ينظم ندوة من يوم ونصف، وكان المؤتمر السادس للشبكة الدولية للصحافيات ومقاربة النوع ينطلق في النصف الثاني من اليوم الي تنتهي فيه أشغال المعهد الأورو-متوسطي والتي تستمر إلى غاية 17 من نفس الشهر. الأمر كان واضحا إذن. أنتهي من نشاط المعهد وألتحق بنشاط الشبكة، وألقي نفس المحاضرة في النشاطين معا باتفاق مع المنظمات.

توصلت بالدعوة وبطاقة الطائرة واسم الفندق الذي سأذهب إليه عند حلولي ببرشلونة، والذي سأظل فيه إلى أن ينتهي نشاط الشبكة. كل شيء منظم بشكل جيد. طلبت فيزا شينغن من القنصلية الإسبانية، فحصلت على سنة للسياحة .. لم يبق إلا أن أحزم حقائبي وأتوكل على الله.

فكرت في أخذ قطار الحادية عشر والنصف كي أصل إلى المطار في الواحدة والنصف. أي ما يقارب الساعتين قبل إقلاع الطائرة. بعد ساعة بالضبط كان القطار قد حل بمحطة الدار البيضاء الميناء. كان علي أن أنتظر حوالي 20 دقيقة لوصول القطار الذي يقلني إلى المطار. كنت متعبة، أعاني قلة النوم وأحمل أمتعة كثيرة. صعدت القطار وأنا أرزح تحت ثقل حقيبتي الضخمة وحاسوبي. جاوز القطار محطة الوازيس وتوقف. تناهى إلينا صوت يخاطب الركاب قائلا إن القطار سيتأخر عشر دقائق. فوجئت وبدأت دقات قلبي تتصاعد، وعرق خفيف ينحدر من ظهري. كنت مضغوطة بالوقت وشعرت أن هذا التأخير سيجعلني أفقد الطائرة. مرت خمس دقائق فعشرة فخمسة عشر دقيقة ثم عشرين. بدأت أقلق بجدية. فجأة انطلق القطار ووصل إلى محطته النهائية متأخرا بحوالي عشرين دقيقة. الأجمل في هذا كله هو المبرر الذي قدم للركاب عن هذا التوقف. انبعث صوت من اللا مكان، في أرض لا أحد، معلنا أن القطار سيتوقف عشر دقائق لتحرير السكة. تحريرها مم؟ ولم لم يتم تحريرها من قبل؟ ما هذا الهراء؟ الحالة الوحيدة هي أن يكون القطار السابق قد صدم إنسانا أو حيوانا، وهو ما لم يخبرونا به، لأننا لا نستحق (؟!). إذن .. مم سيحررون السكة؟

عند بلوغي المطار كان الوضع أفظع. صف طويل من الأشخاص ينتظرون. وقفت بضعة دقائق محترمة الصف ثم ظهر لي أن انتظاري سيجعلني أفقد الطائرة بكل تأكيد، فانتقلت إلى أول الصف طالبة من الناس أن يتركوني أمر لأنني سأضيّع الطائرة. استطعت بعد لأي أن أمر داخل المطار. صعدت ركضا جارّة ورائي حملي الثقيل. فقد كنت سأبقى في إسبانيا من 13 أبريل إلى 27 منه، أقضي خمسة أيام ببرشلونة أحضر فيها نشاط المعهد الأورو-المتوسطي ومؤتمر الشبكة الدولية للصحافيات ومقاربة النوع، الذي سينتهي يوم 17 أبريل، ثم آخذ الطائرة يوم 19 أبريل إلى مالقة ومنها آخذ الحافلة إلى غرناطة لزيارة ابنتي رانية.

أخيرا بلغت مكان التسجيل وأنا ألهث، حملت حقيبتي الثقيلة ووضعتها فوق المكان المخصص لها من أجل وزنها، ثم قدمت بطاقتي وجواز سفري للسيدة المكلفة بالتسجيل. حملتهما الموظفة وبحثت قليلا في حاسوب أمامها ثم أعادتهما إليَّ قائلة والابتسامة تشرق في وجهها وكأنها تزفني خبرا سعيدا: لقد أقفل التسجيل قبل أربعة دقائق. قلت وأنا مندهشة، رجاء… أربعة دقائق ليست كثيرة … ثم أنا لست مسؤولة عن التأخير، فالقطار هو الذي تأخر لأنه كان ينتظر تحرير السكة!! … لكنها لم تهتم ولم تتزحزح عن موقفها، وآخر ما قالته هو: آسفة، مع ابتسامة مرسومة على شفتيها، وهي لا تشعر بما أكابده؛ ناصحة إياي بأن أذهب إلى مقر شركة الطيران المغربية لاقتناء بطاقة جديدة لطائرة صباح الغد في الثامنة و25 دقيقة.

قمت بجميع المحاولات دون جدوى. وأخيرا اتصلت بصديق لي بالرباط، عملي وسبق له أن تدخل ليحل مشكلة كانت قد وقعت لي بالصين. أخبرته بالموضوع، فذهب عند إحدى الشركات واقتنى لي بطاقة ذهاب لليوم الموالي، في الساعة الثامنة و25 دقيقة.

لماذا بطاقة ذهاب دون إياب؟ لأنني كنت قررت أن أقوم، بعد الانتهاء من برشلونة، باقتناء بطاقة طائرة أخرى إلى مالقة، ومن هناك أستقيل الحافلة للذهاب إلى غرناطة، والمكوث بضعة أيام مع صغيرتي رانية، ثم العودة عبر الباخرة إلى المغرب.

اتصلت بالمنظِّمَات في المعهد الأورو- متوسطي لأخبرهن أنني سأسافر في صباح يوم غد، طالبة منهن تأخير مداخلتي إلى ما بعد الزوال. قبلن وهن سعيدات بقدومي، وبقيت واحدة منهن على اتصال معي وأنا في المطار.

فقدت الثقة في القطارات. لذلك ذهبت في سيارتي إلى المطار. استيقظت في الثالثة صباحا، وأيقظت صديقي عز الدين، الذي يعد أخي الذي لم تلده أمي، ليوصلني. وصلنا في السادسة إلا ربع إلى باب المطار. وجدت صفا كبيرا من الناس، لكنني وقفت أنتظر بهدوء لأنه ما يزال أمامي ساعة وأربعين دقيقة على إقفال التسجيل وساعتين وأربعين دقيقة على إقلاع الطائرة. ولجت المطار كان أمامي مكتب للصرف فوقفت لأصرف ثم صعدت إلى مكتب التسجيل المتواجد في الطابق الأول. كان أمامي شخص واحد، وقفت أنتظر إلى أن انتهى وأنا كلي يقين أنني هذه المرة سأسافر.

جاء دوري، فتقدمت إلى حيث يوجد هذه المرة شاب، استقبلني ببشاشة، سلمته بطاقة الطائرة وجواز السفر. نظر في بطاقة الطائرة ثم في الفيزا بالجواز قبل أن يقول: آسف، لا يمكنك السفر، فالفيزا لا تتلاءم مع طبيعة البطاقة. وعندما استفسرته قال إن الفيزا سلمت لك على أساس السياحة، وأنه يجب الحصول على بطاقة الطائرة ذهابا وإيابا. أخبرته أنني سأعود عبر الباخرة بعد أن أزور ابنتي في غرناطة. وأخبرته بكل شيء، مدلية بالوثائق التي تؤكد قولي، منها الدعوة التي قدمتها للقنصلية والتي على أساسها حصلت على الفيزا، ومنها رسالة تخبرني بالفندق الذي سأكون فيه، وبطاقة الطائرة من برشلونة إلى غرناطة، وهي وثائق مكتوبة باللغة الإسبانية، لكن ذلك لم يكن مجديا؛ طلبت منه التحدث إلى المسؤول، فدخل إلى مكتب وأتى بسيدة يبدو أنها المسؤولة، سألتني بوجه متجهم عما بي. شرحت لها، لكنها أيضا لم تشأ قبول دفوعاتي. كانت قلة النوم فضلا عن المجهود الذي بدلته مدة يومين متتاليين من أجل الذهاب إلى برشلونة علاوة على مجهود ما يقارب الشهر في تحضير المداخلة، قد جعلوني أفقد أعصابي، بدأت أصرخ مثل المجنونة وأنا أحتج، وأعيد شرح الأشياء، لكنها خسرت علي كلمة واحدة قائلة: “من مصلحتك أن تسرعي لاقتناء بطاقة العودة قبل إقفال التسجيل وفقدان البطاقة”. طالبت برؤية مدير المطار لكنها تعللت بغيابه. فاتصلت ببرشلونة وأخبرتهم أنني لن أتمكن من الحضور بسبب المشاكل التي حدثت لي داخل المطار.

عدت أدراجي وأنا أفكر في كل ذلك، في المداخلة التي هيأتها والتي لن أتمكن من إلقائها رغم أهميتها البالغة. في حرمان المعهد الأورو- متوسطي واللاجئات السوريات من المعلومات التي كنت سأدلي بها، داخل المعهد وفي المؤتمر السادس للشبكة الدولية للصحافيات ومقاربة النوع. كنت منهكة ويائسة ومحبطة. كنت أفكر في هذا المغرب الذي تحول إلى دركي لأوروبا يحرص حدودها ويوقف الأشخاص هنا قبل أن يصلوا إلى هناك، ودون مقابل من أوروبا (كما فعلت تركيا عندما فرضت المقابل !!). ثم فكرت أن كل ذلك لا يجدي شيئا، وأنهم يفكرون في ملء جيوبهم على حساب المسافرين. إذ يمكنني، لو كنت أفكر في الهجرة السرية، أن أشتري بطاقة ذهاب وإياب، وأذهب إلى إسبانيا دون عودة. فالمعروف أن المهاجرين “السريين” لا تعوزهم أموال الهجرة، فهم يدفعون الملايين إلى شبكات التهجير.

وصلت إلى بيتي، وكان التعب قد أخذ مني مأخذا. أقفلت هواتفي وكل حواسي … ثم غرقت في نوم عميق.

لقد أضعت ندوة المعهد الأورو – متوسطي، وأضعت المؤتمر السادس للشبكة الدولية للصحافيات ومقاربة النوع، لكنني لم أشأ أن أضيع زيارة ابنتي رانية، فأخذت الحافلة هذه المرة، وذهبت مباشرة إلى غرناطة، حيث تقيم طفلتي الجميلة رانية، فقضينا معا أياما ممتعة قبل أن أعود أدراجي إلى الرباط.

لا أريد وضع نقطة نهاية. فالحكاية ما تزال مستمرة معك ومعها ومعه ومعنا جميعا. لكل حكاية مشابهة مع القطار والطائرة أو مع أحدهما، ومع عقلية أفراد هذا البلد الذين يتصرفون بصرامة الآلات، دون دقتها وحرصها على الوقت، محدثين بذلك مآس قد تكون أفدح من تلك التي أخبرتكم بها.

[1] منشورة بالإسبانية في صفحتي على الفايسبوك