“شقلبان” في وزارة الداخلية

خالد الجامعي

سابقة: أزيد من ألف رجل سلطة اجتمعوا لتوقيع استعطاف على شكل نداء موجه إلى ملك البلاد رأسا. استعطاف مُوقّع باسم “ممثلي سلطة، يحبون وطنهم وملكهم وأبناء وطنهم”. نداء يلتمس فيه هؤلاء من العاهل أن يقيل وزير الداخلية السيد حصاد استنادا إلى الأسباب التالية:

  • سوء تدبير شؤون وزارته
  • المس بـ”هيبة” الدولة
  • تهميش الأطر الكفؤة المحنكة لصالح شباب “معينين حديثا” عن طريق الوساطة، والزبونية والمحسوبية، في مناصب حساسة ومناطق غنية.

بداية، هل يمكن أن نرى في دوافع هذا السلوك، ضمن دوافع أخرى، انعكاسا جليا لصراع الأجيال، خصوصا مع إلحاح موقعي الاستعطاف على استعمال كلمة “شباب”؟

علاوة على ذلك، فهذا الاستعطاف يعتبر ملفا مطلبيا حقيقيا يسلط الضوء على عدد من المجالات التي يرى رجال السلطة هؤلاء أنهم يتعرضون للحيف والظلم فيها، مطالبين في ندائهم- الاستعطاف بإصلاح عميق لـ”أم الوزارات”.

سابقة لم نشهد لها قط مثيلا!

طبعا الاستعطاف تمت صياغته بأسلوب سلطاني مخزني محض، روعي فيه التوقير والتبجيل الواجبين للملك الذي يرى فيه موقعو الاستعطاف الحامي الأول والملاذ الأخير، ولا أدل من عبارة “الهيبة” المستعملة في الاستعطاف والتي هي تعبير عن مفهوم مخزني بامتياز، مفهوم متعدد المعاني، يترجم خليطا من الخوف والطاعة، بحيث يصبح هو المؤطر للعلاقة بين “الراعي والرعية”، أو حرفيا العلاقة بين الراعي و”القطيع”.. بين الملك ورعيته.

هذا معناه بأن استعطاف رجال السلطة الموجه للملك لا يمكن قراءته بأي حال من الأحوال لا على أنه انتفاضة، كما أنه أبعد ما يكون عن كونه دعوة لإعادة النظر في نظام حكامة معين.

نحن أبعد ما يكون كذلك عن فعل يضاهي فعل قضاة “نادي القضاة” الذي يطالب باستقلالية القضاء وبتطبيق الدستور الجديد للمملكة.

وجب التذكير هنا بأن أزيد من 1800 قاضي كانوا قد طالبوا باستقلال النيابة العامة عن السلطة التنفيذية، وكانت تلك أولى ردود الفعل المجسد لهذه المجموعة التي تأسست في ربيع 2011، مباشرة بعد بداية احتجاجات حركة 20 فبراير من أجل الديمقراطية.

فهل يمكننا أن نرى، أوَلا، في الموقف الاحتجاجي لرجال السلطة تعبيرا عن نزوع عميق (tendance lourde)، ومنطلقا لتجمع قيدَ التشكل وقد يفضي إلى تأسيس إطار مدني لرجال السلطة شبيه بنادي القضاة؟

من الصعب جدا توقع هذا.. لكن المؤكد أن رجال السلطة هؤلاء تجرؤوا، وخطوا خطوة مهمة.

وبذلك، يكونون قد أحدثوا خدشا صغيرا في جدار الخوف، هم الذين يعتبرون حراس المعبد، هم الذين يشكلون رفقة الآلاف من أعوانهم، مقدمين وشيوخ، عيون وآذان السلطة، “الإخوة الكبار والصغار” (bigs and littles brothers) الذين يُخضعون شعبا بأكمله لمراقبة وثيقة، هم الذين يشكلون النواة الصلبة لـلمخزن وذراعه الضارب. المخزن، هذا “الهيدر”* المحض الذي يتجدد باستمرار، والذي يبدو أن قوته تزيد بزيادة المجهودات المبذولة لتدميره. “هيدر” بقدرة مهولة على التكيف. “هو بنية مؤسسة على الخضوع، والطقوس، والاحتفالات، والتقاليد، هو تصور خاص للسلطة يسيطر على الطبقة السياسية والتي يعتبر الملك القطعة المحورية داخلها”**

كما لا ينبغي أن نغفل المكون الاقتصادي لهذه البنية. مخزن مفترس ولا يعنيه في شيء مفهوم المنافسة، نظرا لأنه (المخزن) صار يشكل “نومينكلاتورا” اقتصادية تفتح لها الأبواب الموصدة وتُمنَح كل الامتيازات بموجب أعراف أصبحت مع الممارسة قانونا.

هو إذن نظام إقطاعي، مرابض خلف قناع برلماني، ديمقراطي وتعددي، غايته في الحقيقة التعتيم وإحكام الخديعة.

اليوم، الآلاف من رجال السلطة هؤلاء يلتمسون، يتوسلون..

وغدا؟

منذ ما يزيد عن خمسة عشر عاما، كتبت في مجلة “لوجورنال إيبدومادير”: “يجب على الملكية أن تتطور، قدرها أن تقوم بقطيعة جذرية مع النظام المخزني. لقد حان الوقت ليتسلم جيل جديد مقاليد السلطة، جيل لم يعجنه ويشكله المخزن، جيل سيكون عليه ألا يتصرف وفقا لعقلية زمن آخرأو يكون انعكاسا له”.

ومن حينها، يبدو بأن الزمن قد توقف وعلّق رحلته، عند هذا الكلام الذي كتبته قبل 15 سنة!!

* “الهيدر” في الميثولوجيا يرمز إلى الشر المتجدد.

**إغناسيو رامونيه: لوموند “احتفاليات”