المخزن الحكار

خالد الجامعي

يوم 9 أبريل 2016 بالقنيطرة، قامت امرأة تدعى فتيحة، في الخمسينيات من العمر، أرملة كانت إلى حدود ذاك اليوم، المعيل الوحيد لابنتها وأبيها الضرير والمريض، قامت بتبليل نفسها بالهليون المحترق ثم أضرمت النار في جسمها.  يوم 13 من أبريل، توفيت فتيحة متأثرة بحروقها. ثلاثة أيام من المعاناة السحيقة. محنة إنسانية. ثلاثة أيام وفيتحة تتمزق بين المستشفيات. “لقد وضعوها خلال 12 ساعة في غرفة معزولة يحرسها شرطي، دون أن تتلقى أي علاجات مع أنها كانت تعاني حروقا من الدرجة الثالثة” حسب تصريح ابنتها.

وهكذا ظلوا ينقلونها من مستشفى لآخر.

ثلاثة أيام، تأجج خلالها الألم والرعب والاستنكار والغضب، وتلبسوا كلمات وعبارات وقصصا وشهادات تفوق الاحتمال، شهادات إدانة مباشرة، شهادات صادمة. تراكمت الواحدة تلو الأخرى بعضها أكثر رعبا من البعض. ثم انكشفت الحقيقة بالتدرج. حقيقة ساحقة لكنها دقيقة كدقة عملية جراحية، تلك التي انكشفت من خلال عبارات بسيطة، صرح بها مواطنات ومواطنون من يا أيها الناس.

شهادات حطمت الخوف، أو بالأحرى الترهيب الذي يريد أن يفرضه ذلك الغول المسمى المخزن.

شهادات تتهم، تجرم وتكشف عن أسماء ومناصب المسؤولين المتورطين في هذا الفعل الشنيع.

ويجب التذكير هنا، بأن الصحافة الإلكترونية كانت سباقة إلى الكشف عن هذه المأساة، وعلى رأسها موقع فبراير.كوم. وربما لولا هذه الصحافة لكانت القضية مرت في تعتيم وصمت تامين. هذا، على الرغم من أن رجال الشرطة وصلوا إلى عين المكان دقائق بعد هذه المأساة، وكان حريا بهم فتح تحقيق وإبلاغ الوكيل العام لكي يأمر هو الآخر بالتحقيق في القضية. لكن لا شيء من هذا حصل، لماذا يا ترى، ولماذا كذلك لم يتم تقديم العون الضروري لإسعاف شخص في حالة خطرة؟

لا شيء من هذا حدث، ولم يصدر أي رد فعل عن السلطات، حتى يوم 17 أبريل، أي تسعة أيام بعدما أضرمت فتيحة النار في نفسها. السلطات التي انتظرت مرور تسعة أيام، تفاعلت مكرهة، بعدما عرفت القضية صدى إعلاميا قويا، وتفاعلا على المستوى الدولي، وحملة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي (تم تداول الهاشتاغ  #كلنا_أبناء_فتيحة)، زد على ذلك تهاطل الشهادات الصادمة وتداولها في فيديوهات على الشبكة، مما أجج الاستنكار لدى ساكنة القنيطرة التي نزلت محتجة إلى الشارع، حاملة شعارات من ضمنها “حداد على وطن خانه الجميع، لا معنى للحرية في وطن مجرموه أحرار، المواطن احتج احتج وباراكة ما تتفرج، باراكة ما تشوف بعينيك اليوم عليا وغدا عليك، امي فتيحة قضية ماشي حملة انتخابية”.

تسعة أيام، سجل فيها اسم رئيس الحكومة ووزيرا العدل والداخلية في “ركن المتغيبين”.

تسعة أيام ساد فيها صمت صارخ.

تحت سماءات أخرى، حيث تسود الديمقراطية، لن يكون من الممكن حتى تصور صمت كهذا.

تحت سماءات كهذه (الدول الديمقراطية) كانت الحكومة ستجلد وتصلب، وسيقاد المتورطون إلى العدالة.

تسعة أيام، لم ينبس فيها واحد من زعماء الأحزاب، لا من الأغلبية ولا من المعارضة، ببنت شفة.

وساد قانون الصمت (l’omerta) حيث الجبن والتآمر متداولان بإمعان.

وأما عن البرلمانيين، فـ”حدث ولا حرج”.

مأساة احتراق فتيحة ليست بالحدث الجديد، فقد عرف البلد العشرات مثله خلال السنوات الأخيرة، وكلها تقريبا كانت رد فعل قاسي و”متطرف” ضدا على “الحكرة” التي تعرض لها مواطنون ومواطنات قبل أن يضرموا النار في أنفسهم.

“الحكرة”، كلمة استعملها بقوة “المستضعفون في الأرض” من الجزائريين، وهي متعددة المعاني، فبقدر ما قد تعبر عن الاحتقار والتبخيس في تعامل السلطة (المخزن) مع المواطن، فهي قد تعني كذلك الظلم والإذلال والشطط في استعمال السلطة، ولا يخفى على أحد كيف أن عددا من هؤلاء “المخازنية”، يفرضون على الباعة المتجولين والفرّاشة “جباية” عينية أو مالية.

“جاو ليها جوج مخازنية وتكّاو ليها على السلعة ديالها ولفلوس ديالها.. لأنها مرا هجالة وعندها بنت كاتخدم عليها. هاد الناس كايستغلو الفقر، كيستغلو إيلا ما عندكش لولاد، ما عندكش لكتاف.. ولينا بحال فلسطين وإسرائيل”، هكذا أسرّت امرأة كانت مقربة من المرحومة فتيحة.

“المخزن اللي ما كيّاكولش ما يوكّلش”

“دهن السير يسير وبه ترطاب لخرازة.. الطير يلا شاف اللقمة يجي من باب سوس لتازة”

المخزن، المستقوي بإفلاته من العقاب، وبجبروته، أصبح يتعامل في نهاية المطاف مع المواطنين كأنهم قطعان غنم لا حول لهم، يقطعهم ويفصلهم على مزاجه.

هذه “الحكرة” هي التي احتجت ضدها فتيحة حتى آخر نفس لها. هكذا صرحت لأحد نشطاء حقوق الإنسان في ساعات حياتها الأخيرة، حينما سألها عن السبب الذي دفعها أن تفعل ما فعلته بنفسها: “القايد طرشني، وهوما (لمقدم ولمخازنية) كيضحكو عليا، خداو ليا السلعة ديالي، هاد الناس حكروني، هاد الناس ظلموني”. كما أن فتيحة في آخر لحظات احتضارها لم تنفك تردد لابنتها بأنها “ضحية لهذه الحكرة”.

وهناك كذلك إفادة لامرأة كانت تعرف المتوفاة فتيحة تقول فيها بأن “ماشي المرة الأولى اللي هاد السيدة كايطرا ليها هاد الشي، راه عدة مرات وهي حاكرين عليها..” مضيفة “منين جا القايد قالت ليه فتيحة أنا تسنيتك باش تاخد ليا حقي. ولكن هو شدها طرشها ودفعها جوج دفعات حتى طاحت وتشقلبات، وقال ليها: ايلا ما حشمتيش ندوز عليك بالطوموبيل وندير عليك 12 شاهد وما عندك ما تصوري مني”.

علاوة على هذا وذلك، في هذه القضية، يمكن أن نسجل صيغة مكرورة سواء على مستوى الشعارات المرفوعة أو على مستوى الشهادات المستقاة، وهذه الصيغة المكرورة تتمثل في نداء الاستغاثة بالملك، وحده ، الذي يطلب منه أن يتدخل، بصفته ملكا للفقراء، حتى تأخذ العدالة مجراها ويُعاقَب المجرمون.

مرة أخرى، يستبعد الناس في ندائهم رئيس الحكومة ووزيري العدل والداخلية. وهو دليل آخر على كون هؤلاء لا يملكون أي سلطة في هذا البلد.

مرة أخرى، يستبعد الناس في استغاثاتهم زعماء الأحزاب، هؤلاء الذين يدفنون رؤوسهم في الرمل كالنعام، هؤلاء الذين يشبهون تماثيل “قردة الحكمة الثلاثة”: قرد لا يرى.. قرد لا يسمع.. قرد لا يتكلم، مع فرق أن “زعماءنا” لا شيء يربطهم بالحكمة *

وهذا دليل آخر، على أن الملكية في المغرب تبقى ملكية تنفيذية بشكل حصري، حيث تركز وتجمع السلط الفعلية بين بيديها هي وحدها.

ثم بالنهاية، هذا دليل آخر، على أن المخزن يستمر في العيث فسادا بفضل إفلاته من العقاب، المخزن، الذي لا علاقة لرجاله بمفهوم حقوق الإنسان، أو حقوق المواطنين والمواطنات الذين وُجد هذا المخزن، بالأساس، كي يخدمهم لا كي يستغلهم. وهذا ما نعثر عليه في التقرير الصادر، قبل أيام، عن وزارة الخارجية الأمريكية في الشق المتعلق بالمغرب، حيث ورد، من ضمن ما ورد فيه، بأن:

– “قوات الأمن تعذب وتروع المعتقلين خلال الحراسة النظرية”

– “الرشوة والإفلات من العقاب يظلان من أهم المشاكل المتفشية في صفوف الشرطة والأمن”، “الجهاز القضائي يظل عاجزا في أغلب الأحيان، ويعرف بدوره فسادا، خصوصا فيما يتعلق بالقضايا الحساسة”

* “القردة الحكيمة الثلاثة” حكاية شعبية يابانية يجسدها تمثال شهير. ترتكز الحكاية على مقولة: “لا أرى شرًا لا أسمع شرًا لا أتكلم شرًا” التي يجسدها القردة الثالثة: مزارو الذي يغطي عينيه والذي لا يرى الشر؛ وككزارو الذي يُغطي أذنيه والذي لا يسمع الشر؛ ولوزارو الذي يُغطي فمه والذي لا يتكلم بالشر.

Hear_speak_see_no_evil_Toshogu