سر الغياب

بشرى إيجورك

تضع ضجيجك في حقيبة يدك، تخنق صوتك داخل حنجرتك، تسكب في جوفك آخر فنجان قهوة بمقهاك المعتاد وتنسحب دون أن تلقي التحية تاركا للنادل أكثر مما تعودت..

تزور أصدقاءك مُكرها، تستعيد كتبك وألبوماتك وأفلامك وأقمصة نسيتها هنا وهناك في زيارات عابرة وأخرى كانت تطول لأول الفجر، تمارس السياسة والرياضة والفن والفقه والطب والهندسة فقط بتحريك لسانك،تناضل وتسقط وترفع وتضرب وأنت مستلقٍ على كنبة منسية تدخن سجائر رفاقك و تعتقد جادا أنك ستغير العالم من مكانك، تعود منهكا وتترك الدنيا خلف ظهرك، فتكنس آثار خطواتك من أمام بيتك حتى لا تشي بوجودك

أينما كانوا تكن، أينما شاؤوا تحضر.. كأنك لا تكل ولا تمل ولا تمرض، كأنك أقوى من كل الفصول..

لا يمنعك مطر ولا ترهقك شمس ولا يؤخرك ربيع ولا يجثم على صدرك خريف.

فجأة تقرر أن تصمت، تسحب ظلك تخنقه بيديك وتتوعده أن يسبقك إلى فضاء دون إذنك، تحرص أن لا تظهر ملامحك بمكان وتجهز على بسمتك ودمعتك وكل الأصوات المتعالية التي كانت تصدح من صدرك..

أهو موعد مع الموت؟

لو كنا نعلم بأجل موتنا،  كيف يا ترانا كنا سنستعد له ؟

أحلى ما في الدنيا حكمة الله في نسج القدر، نحمل أقدارنا على أكتافنا ونطوف بها، تارة تكون ثقيلة مؤلمة فنجثو على ركبنا وتارة حلوة عذبة فنحسها أجنحة تحلق بنا بعيدا في عوالم لا تعرف الأسى ولا الحقد ولا الألم.

جميل أن تجرب غيابا اختياريا قبل أن تغيب مجبرا، فأجمل ما في الغياب أنك تدرك كنه الحضور..

أعمق ما في الغياب، أنك تتذوق الطعم الحقيقي للاشتياق..

أروع ما في الغياب، حينما تظل حاضرا، حيا،  شامخا.. لا تعوض ولا تنسى ولا تنمحي..

حينما لا تشكو من شيء، تدرك أنك تشكو من كل شيء..

فتختار بين مواجهة نفسك أو الهروب منها، و بين المواجهة والهروب و الحضور والغياب والظهور والاختفاء تجدد في خلايا الروح إذ تنشأ بينك وبينك أواصر قوية تطرد أشباح الحساد والمتطفلين والمتملقين والمنافقين وأعداء الخفاء، و يظل الأوفياء يقلقون غيابك بإصرارهم على إرباك صمتك بصدى نداءاتهم واتصالاتهم وفضولهم الجميل المؤثر، ذاك الفضول الظمآن الذي لا يرتوي إلا بخروجك من قوقعتك كسلحفاة تتوسل إليها ملحا علها تطل من نافذتها ولو ظلت رصينة، هادئة وصامتة.

الحيوانات الصامتة لغز محير، تثير الدهشة والفضول والريبة، مخلوقات بلا ضوضاء ولا أصوات ولا ضجيج ولا متطلبات، كبني البشر المليئين بالصمت مبهرون، مثيرون ومستفزون.

ترى ماذا كنت تفعل بغيابك في غيابك، وهل غبت حقا أم انك فقط أخليت أمكنة لتشغر أخرى، لعلك اكتشفت قلبا آمنا هاجرت إليه سرا أو شاطئا ركنت عليه سفينة ترحالك التي تقاذفتها الأيام ولم تكسرها العواصف و ل أوقفتها الأمواج، أم أنك رحلت لأرض حيث شمس لا تغيب و ليل لا ينقضي و شمعة حب لا تنطفئ و لا تذوب إلا لتشتعل من جديد.

فلا تغادر ضفة إلا لتحل بأخرى، و لا تترك ميناء إلا لترسوا على آخر ولا تهجر الملايين إلا لتلجأ  لقلب أوحد

سر الغياب كسر دفين لا يشي به مغترب ولا مختف ولا منفي و لاعاشق..

سر الغياب كأسرار النساء تكتمها عن أقرب الناس، و تفضحها أمام أول عابر سبيل..

سر الغياب هو تمرد على الذات، و حالة عصيان وحنين إلى النفس واختبار صعب تجتازه الروح كي يعبر الجسد أقداره بثبات و يقين.

 

 

بدون تعليقات

اترك رد