سعيد السعدي يكتب عن “المقاطعة”.. حرب طبقية ضد المستضعفين والفئات المتوسطة

محمد سعيد السعدي

أشرفت حملة مقاطعة الشركات الاحتكارية الثلاث على بلوغ شهر منذ انطلاقها يوم 20 أبريل الماضي. وتشير عدة معطيات على نجاحها واستمرارها رغم حملات التشكيك والتغليط الموجهة الى الرأي العام من طرف الحكومة ولوبيات المال والسياسة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، فقدت إحدى شركات المنتجة للمواد الغذائية 60 في المائة من رقم معاملاتها اليومي وتتوقع أن تتعرض إلى خسائر فادحة خلال شهر رمضان الذي اعتادت أن تسجل فيه أرباح قياسية. أما قطاع المحروقات، فالمعطيات الميدانية تبرز الحالة التي أصبحت عليها محطات الوقود للشركة المستهدفة وقد هجرها الزبناء بكثرة.

إن هذه الحملة الناجحة تكتسي أبعادا اقتصادية واجتماعية وسياسية. فهي تفضح الاختلالات العميقة التي يتسم بها الاقتصاد المغربي حيث يهيمن الاحتكار أو احتكار القلة (هيمنة عدد قليل من الشركات على سوق سلعة\خدمة ما) oligopole.

وقد سبق لنا أن طرحنا هذه الإشكالية المعيقة للتنمية قبل ثلاثة عقود في كتابنا حول المجموعات المالية بالمغرب. وخلافا لفرضيات الفكر الاقتصادي النيوليبرالي، لم تؤد لبرلة الاقتصاد- خاصة من خلال تقليص الحماية الجمركية وخوصصة قطاعات واسعة من الاقتصاد المغربي – إلى تقوية المنافسة داخل السوق المغربية، بل على العكس من ذلك تقوى النفوذ الاقتصادي للمجموعات الصناعية والمالية الكبرى والشركات المتعددة الجنسية وتم استبدال احتكارات عمومية بأخرى من القطاع الخاص.

إن الاحتكار وهيمنة اقتصاد القلة يمكنان رأس المال من تحقيق أرباح إضافية عبر فرض أثمان مرتفعة مقارنة مع ما قد يحصل عليه في أسواق تنافسية. وهذا الربح الإضافي هو ما يسميه مفكرو الاقتصاد السياسي بالريع. ويتم هذا عبر آليتين أساسيتين: التنسيق بين الشركات المهيمنة على السوق لتفادي المنافسة عبر الأسعار، ثم استغلال الوضع المهيمن للشركة ذات أكبر حصة في السوق التي تقوم بتحديد سعر مرتفع يستفيد منه باقي الشركات في حال وجود “اقتصاد القلة”. فعلى سبيل المثال لا الحصر، حققت الشركات المنتجة للمواد الغذائية نسبة ربحية مالية تتراوح بين 18 و20 في المائة سنويا. وعكس ما قد يظنه البعض، فالشركات المهيمنة على السوق المغربية لا تتميز بانتاجية مرتفعة مقارنة مع نظيراتها من المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وهذا يدل على أن هامش الربح على المبيعات (والناتج عن فرض أسعار غير تنافسية في السوق) يعتبر عاملا مهما لتحقيق ربحية مالية مرتفعة. والأنكى من هذا هو أن الشركات الكبرى، خاصة تلك المدرجة في بورصة الدار البيضاء، تقوم بتوزيع أكثر من 80 بالمائة من أرباحها على المساهمين عوض إعادة استثمارها لتوسيع الطاقات الإنتاجية وإحداث فرص شغل جديدة.

أما على الصعيد الاجتماعي، فإن حملة المقاطعة أظهرت بأن الكيل قد طفح بالنسبة للمستضعفين ومتوسطي الدخل من جراء مستوى الأسعار المفروضة من طرف الاحتكارات المحلية والأجنبية، إضافة إلى عدم تناسبها مع القدرة الشرائية للمواطن(ة) التي ما فتئت تتاكل من جراء السياسات التقشفية التي تنتهجها حكومة الإسلاميين منذ 2012 عبر تجميد الأجور والتخلي عن إحداث مناصب شغل جديدة وقارة بالوظيفة العمومية وخوصصة القطاعات الاجتماعية الأساسية، خاصة التعليم والصحة وما اصطلح على تسميته بإصلاح نظام التقاعد الذي أدى إلى خصم أجور الشغيلة بشكل محسوس. وقد استفحلت الأمور أكثر بالنسبة للطبقات المستضعفة والمتوسطة بعد رفع الدعم عن المحروقات في انتظار أن يتسع هذا الإجراء ليشمل الدقيق والسكر وقنينات الغاز. في نفس الوقت، لا تتردد هذه الحكومة في تقديم الهدايا الضريبية إلى كبار رجال الأعمال كما يدل على ذلك الاعفاء من تأدية الضريبة في حال بيع أسهم شركة لصالح مستثمر آخر والمدرجة في قانون المالية لسنة 2018. لهذا، ليس من المبالغة في شيء التأكيد على أننا أمام حرب طبقية مقصودة ترمي إلى بلترة الفئات المتوسطة وتعميق الفوارق الطبقية تحت ذريعة تشجيع القطاع الخاص والمبادرة الحرة. ويتأكد هذا الطرح حينما يتأمل المرء ردود فعل بعض الأوساط البورجوازية المغربية التي ترى في حملة المقاطعة مجرد حقد اجتماعي ضد الأغنياء والمواطنين الذين اجتهدوا ونجحوا في الوقت الذي لم يستطع الآخرون مجاراتهم بسبب عدم كفاءتهم أو تقاعسهم. وقد سبق للملياردير وارين بافيت أن عبر بوضوح عن وجود هذا الصراع الطبقي حين قال: “حتما توجد حرب طبقية في المجتمع، وهي الحرب التي تربحها طبقتي”.

أخيرا وليس آخرا، تحمل حملة المقاطعة في طياتها أبعادا سياسية عميقة الدلالات. فهي من جهة، تفضح عجز الحكومة على حماية المواطن(ة) البسيط والمتوسط ومساعدته على مجاراة أعباء الحياة وتوفير أبسط شروط العيش الكريم. بل على العكس من هذا، هي في خدمة أجندة الرأسمال ضد العمل والقوي على حساب الضعيف. كما تبين بالملموس اصطفاف الإسلام السياسي والمتحالفين معه الى جانب القوى الاقتصادية والسياسية الرأسمالية المهيمنة عبر تبنيها لسياسات الليبرالية الجديدة المرتكزة على ثلاثية لبرلة الاقتصاد- الخوصصة والتقشف على صعيد ميزانية الدولة. من جهة ثانية، تعتبر حملة المقاطعة تنديدا واضحا واستنكارا شعبيا لتضارب المصالح الناجم عن زواج المال بالسياسة وتحالف النفوذ الاقتصادي مع السلطة السياسية. وهذا ما يعطينا نوع خاص من الرأسمالية تسمى رأسمالية المحاسيب حيث يرتبط النجاح في الميدان الاقتصادي بالحظوة والامتيازات التي تحصل عليها فئة أوليغارشية بفضل سيطرتها على \أو قربها من المتحكمين في القرار السياسي. وقد تعززت هذه الظاهرة مؤخرا بسيطرة رجال أعمال كبار وتقنوقراط على قطاعات بالغة الأهمية داخل الحكومة الحالية، إضافة إلى صعود نسبة هامة من مدراء الشركات ورجال الأعمال وكبار الفلاحين إلى مجلس النواب عقب الانتخابات التشريعية الأخيرة. على صعيد آخر، وأمام تقاعس جل مكونات الطبقة السياسية الحالية وانحيازها الموضوعي أو الارادي لصالح الطبقات الاجتماعية الرأسمالية المهيمنة اقتصاديا وسياسيا، ينبغي العمل على تقوية الحركات الاجتماعية التي تعتبر حملة المقاطعة من أهم تجلياتها حاليا وإعطائها أفقا سياسيا ونضاليا واضحا من أجل تحقيق الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية التي يطمح اليها الشعب المغربي.